أحمد خالد توفيق.. لحن سمعناه لثوان من الدغل


٠٣ أبريل ٢٠١٨ - ٠٩:١٢ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية- شيرين صبحي

"في كل فترة من فترات حياتي الصعبة كنت انتظر أن تمر.. انتظر النور في نهاية النفق.. ماذا لو عرفت أن هذه حياتي ذاتها؟ وأن النفق لا نهاية له إلا القبر"..

لم يكتب الراحل أحمد خالد توفيق من البداية لرغبته في الشهرة، ولكن الكتابة كانت وسيلته لشيء آخر أهم لديه من الشهرة "الكتابة كانت وسيلتي للعلاج النفسي والراحة والتعبير عما بداخلي، وبدأت أجني الشهرة وأعرف مداها بعد كتابي العاشر، أي بعد تقريبا مرور 6 أو 7 سنوات من احترافي للكتابة".

كان "توفيق" يعتبر الشهرة عبئًا على الكاتب، وأنها "تكتفه"، وتوجد لديه قلقًا مستمرًا؛ فالكاتب يقلق مع كل كتاب، ويسأل نفسه إذا كان سيحقق الرواج والتفاعل المطلوب لدى القارئ أم لا. فالكاتب "صنم من عجوة يصنعه القارئ".

ولد توفيق، في مدينة طنطا بمحافظة الغربية، وبدأ عمله في المؤسسة العربية الحديثة عام 1992، ككاتب رعب لسلسلة "ما وراء الطبيعة"، حيث تقدم بأولى رواياته "أسطورة مصاص الدماء"، لكنها لم تلق في البدء قبولا في المؤسسة.

توجهت أعمال "توفيق" إلى جيل صغير، وبدأت تحقق الرواج لدى الجمهور بعد 6 أعوام من الكتابة، ليحقق شهرة عريضة. وكان بدأ بكتابة القصة القصيرة، وانتهج تيار الواقعية الاشتراكية، متأثرًا بكتابات مكسيم جوركي وأنطون تشيخوف، ثم تحوّل إلى كتابة قصص الرعب.


قبل أيام قال "توفيق" للقاص عمر طاهر إن "الكتابة علاج لاضطرابات الكاتب النفسية، وإن الكاتب الحق، والناجح أيضًا، هو الذي يكتب لنفسه أولًا؛ لأنه لو كتب من أجل القراء أو الجماهير فسيدخل في دائرة الافتعال والابتذال".

استهل "توفيق" مشواره الأدبي بالكتابة عن العلاج النفسي، وطرق الاستمتاع الذاتي، في ذلك الوقت لم يكن منشغلًا بالبحث عن الجماهير، بل كانت رغبته في تفريغ الغليان هي محركه ودافعه للكتابة.

وكان لا يعتقد أن هناك كثيرين يريدون معرفة شيء عن المؤلف. يقول "اعتبر نفسي شخصاً مملاً إلى حد يثير الغيظ. بالتأكيد لم أشارك في اغتيال (لنكولن) ولم أضع خطة هزيمة المغول في عين جالوت. لا احتفظ بجثة في القبو أحاول تحريكها بالقوى الذهنية ولم ألتهم طفلاً منذ زمن بعيد. ولطالما تساءلت عن تلك المعجزة التي تجعل إنساناً ما يشعر بالفخر أو الغرور. ما الذي يعرفه هذا العبقري عن قوانين الميراث الشرعية؟ هل يمكنه أن يعيد دون خطأ واحد تجربة قطرة الزيت لميليكان؟.. هل يمكنه أن يركب دائرة كهربية على التوازي؟ كم جزءاً يحفظ من القرآن؟ ما معلوماته عن قيادة الغواصات؟ هل يستطيع إعراب (قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل)؟ هل يمكنه أن يكسر ثمرة جوز هند بين ساعده وعضده؟ كم من الوقت يمكنه أن يظل تحت الماء؟ الخلاصة أننا محظوظون لأننا لم نمت خجلاً من زمن من فرط جهلنا وضعفنا".


كتب توفيق أعمالا أدبية متنوعة ما بين سلاسل قصص الخيال العلمي، قصص قصيرة، روايات ومقالاتً. أما أهم أبطاله فهم "رفعت إسماعيل"، بطل سلسلة "ما وراء الطبيعة"، وهو في السبعين من العمر، معتل الصحة، ضعيف القلب، تضعه الحياة دائما في قصص غريبة، تتناقض معظمها مع قوانين الطبيعة.

أما "علاء عبد العظيم"، بطل سلسلة "سفاري"، فهو طبيب مصري شاب ترك مصر ليعمل في وحدة سفاري، وتتميز السلسلة باتجاهها التثقيفي المعلوماتي.

"عبير عبد الرحمن"، بطلة رواية "فانتازيا"، وهي فتاة مصرية فقيرة، تقرأ القصص والروايات، وتقابل "شريف" المهندس الشاب الذي توصل لاختراع جهاز يتم توصيله بمخ الإنسان، فيأخذ من خبراته وتجارِبه وتخيلاته معلومات عشوائية ويحولها إلى قصة مترابطة تعيشها "عبير".


بالأمس 2 أبريل، رحل أحمد خالد توفيق عن عالمنا عن عمر يناهز السادسة والخمسين، رحل تاركا جرحا في قلوب كل محبيه، فكتب الأديب إبراهيم عبدالمجيد في رثاءه: "الخبر الفاجع برحيل أحمد خالد توفيق خبرا دالا على تعاسة هذه الأمة.

أحمد خالد توفيق استطاع أن يغير من عقول الأطفال والشباب ويمتعهم وكان وراء كتابته ثقافة علمية وأدبية كبيرة فضلا عن كونه شخصًا شديد التواضع وجميل الخلق. نبيل في زمن عز فيه النبلاء. موته فاجعة لهذه الأمة. بل هو الفاجعة الحقيقية. حزني عليك كبير يا أحمد يا من شيدت لأطفال وشباب هذا الوطن قصورًا من خيال نادر وجعلت في هذا الوطن معني لأدب الخيال العلمي وأخذت مكانك إلي جوار كبار كتاب الخيال العلمي في العالم من ج. ه . ويلز إلى راد براد بري ولم تتأخر أبدا أن يكون لك مواقف وطنية نبيلة. وداعا يا من كنت تمثل الطيبة والخلق تمشي علي قدمين ولم تغتر أبدا بحفاوة القراء بك بل كنت دائما تعرف أقدار الكتاب. ومن قبلهم سائر الناس".

بينما كتب الأديب أشرف الخمايسي "غادر أحمد خالد توفيق مُخلِّفًا كتابة لم يتَألَّق فيها سواه؛ كتابة بمثابة الجسر الواصل ما بين مرحلتي اللاقراءة والقراءة. وأخال أنَّ ما كتبه "توفيق" سيبقى طويلًا، لأنَّها كتابة نَوعيَّة، لا يمكن الاستغناء عنها في مرحلة "اليفوع" لأي محب للقراءة. كما ترك جيلًا من الشَّباب استطاع الانفصال عن خنوع الآباء والتَّعلُّق بروح التَّمرُّد. جيلًا تَعلَّم الرَّفض، وسيصنع مستقبلًا زاهيًا لمصرنا وبلادنا العَربيَّة كُلّها".

بينما كتب الشاعر إيهاب مصطفى: "من منا بإمكانه أن ينسى هن تشو كان ذلك الراهب التبتي المسافر عبر الزمن والقابض علي الحقيقة.. من منا يمكن أن ينسى رفعت إسماعيل، ذلك الممتلئ بالعقلانية. من منا يمكن أن ينسي أحمد خالد توفيق الذي خلق تلك الشخوص التي أحسسنا كأنها تنبض من لحم ودم، كأنها تعيش بيننا وتشاركنا مأكلنا ومشربنا، وكأنها تدلنا علي ما خفي فينا وتوجهنا الي طرق مليئة بالوعي.. وكأنه يمهد لنا لنمسك بالأقلام ونجاريه الكتابة.. كان أسطورة حقيقية تكتب الأساطير.. تنبع قدرته من انه استطاع جر رجل المئات للقراءة ليصنع منهم نواة لكتاب في المستقبل، ليفتح الأفق تجاه تلك العوالم التي صاغها بقدرة للشباب.. ليمنحهم الوعي الكافي لاستيعاب محفوظ وسارماجو وماركيز وجاردنر والليندي ويوسا وغيرهم في سن صغيرة".

بقي أن نردد على لسان بطله الأبرز رفعت إسماعيل: "وداعا أيها الغريب .. كانت إقامتك قصيرة، لكنها كانت رائعة.. عسى أن تجد جنتك التي فتشت عنها كثيرًا.. وداعا أيها الغريب.. كانت زيارتك رقصة من رقصات الظل.. قطرة من قطرات الندى قبل شروق الشمس.. لحنًا سمعناه لثوان من الدغل.. ثم هززنا رؤوسنا وقلنا أننا توهمناه.. وداعا أيها الغريب لكن كل شيء ينتهى!".


الكلمات الدلالية أحمد خالد توفيق

اضف تعليق