وصولا إلى سوريا.. "جرينكا بيكاسو" صرخة الإنسانية في وجه صُناع الموت


١٥ أبريل ٢٠١٨ - ٠٢:١٥ م بتوقيت جرينيتش

أماني ربيع

"كان بيكاسو جالسا يرسم في الاستوديو الخاص به في باريس وقت الحرب، عندما اقتحم جنود النازي خلوته مع الألوان ونظر أحدهم إلى لوحة جرينكا وسأله أهذا ما فعلته؟ فرد بيكاسو دون أن ينظر إليه: بل هذا ما فعلتموه أنتم".


"رسالة الفن" ليست هذه العبارة مجرد كليشيه أو معنى عابر، وتاريخيا كان الفن أحد أنبل الوسائل وأكثرها تأثيرا على المشاعر والمواقف ودعم الأخلاق وإدانة الفساد والظلم مستمدا قوته تلك من مدى انخراط الفنان في مجتمعه وقدرته على التعبير بأسلوب بسيط معززا تجربته الشخصية بجماليات الفن.

وقلة هي الأعمال الناضجة التي تتوفر فيها شروط الصنعة والابتكار والقدرة على التأثير بشكل متوازن وفعال ودائم، لتصبح تراثا خالدا لا يفقد قيمته أبدا مع مرور الزمن، بعكس ما ذهب إليه "كارل ماركس" الذي كان يرى أن الفن مجرد حالة مرحلية ستزول بتقدم الإنسانية، وهو ما أثبتت الأيام عكسه.

 تندرج جدارية "جرينكا" تحت ذلك النوع من الفن الذي يتسم بالنضج والتأثير المتواصل، تلك الأيقونة الفنية الخالدة للفنان الإسباني بابلو بيكاسو، والتي رسمها كرد فعل علي تدمير قرية الجرينكا بإقليم الباسك بإسبانيا علي يد الإيطاليين والألمان يوم 26 أبريل عام 1937 خلال أحداث الحرب الإسبانية الأهلية.

انفعال ساخط وصادق


نجحت هذه الجدارية في تجميد الزمن عبر خطوطها ولونيها الأبيض والأسود، كتذكير دائم  بفداحة جرح الحرب أيا كان مكانها أو زمانها، وما زالت تخاطبنا اليوم بلسان الأمس، وبإمكانها أن تتحدث بلسان الحاضر والغد أيضا.

بإمكانك أن ترى نكبة سوريا المغدورة والعراق وفلسطين واليمن.. إلخ من حبات الألم المنفرطة عن جيد الأمة، ويبدو أن هذا هو الهدف الأساسي الذي وضعه بيكاسو نصب عينيه عند إبداعه للجرينكا، فبرغم أنها مرتبطة ذهنيا بأحداث الحرب الأهلية الإسبانية، إلا أننا لا نجد في اللوحة رمزا صريحا لقرية جرينكا فقد أراد بيكاسو الخروج بلوحته من البعد المحلي إلى عالمية الإنسانية.

ولا يوجد في الجدارية كذلك ما يجسد العدو، وأرجع بعض النقاد ذلك إلى أن بيكاسو تعمد تغييب العدو إمعانا في احتقاره وإدانته، بينما رأى البعض الآخر في ذلك إشارة إلى الحروب المستقبلية حيث لا تشاهد العدو ولكن ترى آثاره عن طريق الخراب الذي يحدثه.

أبيض وأسود


لا نجد في اللوحة رمزا صريحا لقرية لجرينكا فقد أراد بيكاسو بُعدا أكثر شمولية واتساع، فأخرجها من محدودية البعد المحلي الذي كان سهلا على أي فنان أن يعبر عنه، ولا يوجد في الجدارية كذلك ما يجسد العدو، وأرجع بعض النقاد ذلك إلى أن بيكاسو تعمد تغييب العدو إمعانا في احتقاره وإدانته، بينما رأى البعض الآخر في ذلك إشارة إلى الحروب المستقبلية حيث لا تشاهد العدو، ولكن ترى آثاره عن طريق الدمار والخراب الذي يحدثه.

وأول ما يثير انتباهنا في اللوحة ثنائية اللون، أبيض وأسود، ذلك الاختيار الذي حير الدارسين كثيرا وربما كان التأويل الأكثر صوابا هو أن ذلك رمز لصراع قوتي الخير والشر، ودعوة المشاهد إلى الاختيار مع أي طرف يقف، فإما أن ندين الظلم وننحاز إلى الحرية، وإما أن نساعد الظلام ضد النور.



أما العنصر الهام في الجدارية هو "الضوء"، فيمكننا تحديد ثلاثة مصادر للإضاءة، مصدر كبير قادم من فجوة ربما أحدثها القصف في الجدار، وبدلا أن يشعرنا بالسكينة فإنه يلسعنا، وكأن وجوده مقرونا بوحشة الموت.

المصدر الثاني للضوء هو هذا المصباح الزيتي الذي يشير إلى مدى تخلف وتراجع وانحطاط الإنسان المفتخر بتقدمه وحضارته المزيفة التي يرمز إليها المصدر الثالث للنور، وهو هذا المصباح الكهربائي الذي ضاع نوره المزيف في ظلام القتل والدمار.

بينما ترمز المرأة حاملة القنديل للبراءة والفطرة الإنسانية التي أذهلها هول آلة التخريب والدمار والقتل الذي أنتجتهما الحضارة الحديثة وهي بمثابة لهذه الحضارة، كما أنها رمز للضمير العالمي الذي يلقي الضوء على الفاجعة ليكشف لنا مدى بشاعتها.

وهناك رمزا آخر غزير الدلالة هو المرأة المحترقة التي تستغيث وتسقط من الأعلى إلى الأسفل، فنجد أنفسنا أمام أكثر العناصر تأثيرا، وكأنما سقوطها من الأعلى إلى الأسفل مشتعلة إيحاء بالجحيم الهابط من السماء فالطيران أداة القتل.

رمزا دراميا آخر نقابله في أقصى يسار اللوحة هو ذلك الطائر الذي يذبح نفسه بنفسه، في إشارة إلى عدم جدوى الحروب الأهلية التي لاطائل من ورائها سوى قتل الإنسان لنفسه، في تناقض صارخ يصور تحول السلام إلى ضحية وجلاد في الوقت نفسه.

بين الواقع والأسطورة


وفي وسط اللوحة يواجهنا ذلك الرمز البليغ, إنه الحصان المعبر عن الشعب الصامد رغم الجرح البليغ ورغم الكبوة يحاول النهوض وقالها بيكاسو نفسه صراحة إنه الشعب، ثم الشهيد الحي هذا الرمز القوي للمحارب الشجاع الذي قاتل حتى تقطعت أوصاله ومع ذلك لا زال قابضا على سيفه الذي انكسر، ونلاحظ أن بيكاسو تعمد إظهاره على شكل تمثال ليشير إلى خلوده ومجده.

وأجمع الدارسون على أن رمز الشهيد اقتبسه بيكاسو من صورة مشهورة غزت الجرائد سنة 1936 كان قد التقطها المصور الأمريكي "روبرت كايا"، لمقاتل إسباني في الوقت الذي أصيب فيه, حيث يظهر في الصورة الفوتوغرافية يسقط وهو قابض على سلاحه، فوظف بيكاسو بعبقريته تلك الصورة في جداريته أفضل توظيف، حيث ابتعد به عن الواقعية مضيف إليها بالمقابل أبعاد رمزية ودلالات بطولية مؤثرة.

لكنه لم ينس في خضم هذه الصورة القاتمة المرعبة، وذلك اليأس القاتل أن يضع أقحوانة تعبر عن ارادة الحياة والتبشير بقادم أفضل.

وأخيرا هناك ذلك الرمز القابع في يسار اللوحة وهو الثور الذي تتجه إليه كل عناصر الجدارية وهو واقف بشموخ, وكأنه لا يبالي بما يحدث، وتضاربت حول ذلك الرمز الآراء والتأويلات, فبينما رآه بعضهم رمزا صريحا للوحشية ولفرانكو بالذات، وأن اتجاه جميع العناصر الأخرى إليه ما هو إلا تعبير عن إدانة الجميع له، رآه البعض الاخر دلالة على القوة المخلصة التي تنتظر منها باقي العناصر الدعم وتلومها في نفس الوقت على وقفتها السلبية.

غير أن القول الفصل يبقى لبيكاسو نفسه الذي قال عن هذا العنصر في إحدى تصريحاته الصحفية: "الثور ليس الفاشية إنه يمثل الوحشية والظلام".

رفض بيكاسو عند إبداعه "الجرينكا" كل ما في جعبة الفنان التقليدي من حيل فنية حتى اللون نفسه رفضه عن عمد، حتى لا ينقص تأثيره شيئا من مضمون اللوحة أو يلطف من حدة الإيقاع الدرامي لها، فلا شيء أمامنا سوى الألوان السوداء والبيضاء والرمادية التي تتشابك معًا في ضجة وصخب منظم ومنهجي، بينما تحررت الأشكال من مظهرها التقليدي وإن ظلت تحتفظ بكل قيمتها الرمزية المكتسبة.

كانت "الجرينكا" ردا على كثير  ممن يعتقدون أن الفن، وخاصة الفن التشكيلي مجرد ترفيه غايته المتعة البصرية والإمتاع، فها هي الجرينيكا عالما بذاتها ومجالا للعديد من الكتابات التي تتبعت هذه اللوحة الفريدة فأفردت لها الدراسات والأبحاث والكتب وقد أصبحت صرخة إنسانية متواصلة في وجه صناع الموت.



اضف تعليق