منها "بائع الحطب".. مهن أنعشها السلام وخنقتها الحروب


١٥ أبريل ٢٠١٨ - ٠٤:٥٦ م بتوقيت جرينيتش

هدى إسماعيل

"الحرب والدمار" كلمات ليست بعيدة عن عالمنا بل هي واقع مرير نستيقظ على ضحاياه كل صباح، لم تقتل الحروب البشر فقط، ولكنها عبثت في الحياة بأكملها أشياء نفقدها مع الدماء وبقايا من الماضي البعيد عادت لتساعدنا على استكمال الحياة ولتكون جسراً لربط الماضي العريق بحاضرنا فهي "حرف ومهن" تجسد أصالة الآباء والأجداد وتذكرنا بتاريخهم المجيد وبنتاجهم الإبداعي الإنساني العريق.

 ثمة مهن صنعتها ظروف الحرب في اليمن وسوريا أعادتها بقوة إلى يوميات الناس، لتكون جزءًا لا يتجزأ من التفاصيل اليومية المرافقة للحياة وأخرى تندثر في أفغانستان بسبب الحرب لذا دعونا نلقي نظرة على بعض منها.

دير الزور.. مدينة المقاهي سابقا




المهن المنقرضة في دير الزور كثيرة، ومن بينها المقاهي التي ارتبط اسم دير الزور بها، ليطلق عليها سابقاً لقب "مدينة المقاهي" نظراً لكثرة مقاهيها، ووصف حالها العديد من روادها فيما مضى، بأنه "في دير الزور بين كل مقهى ومقهى، يوجد مقهى"، لكن مع سيطرة "داعش"على أغلب أرجاء المحافظة، واعتبارها من "المحرمات"، إضافة إلى الوضع الأمني غير المستقر وتعرض المدينة للقصف المستمر، غابت المقاهي بشكل كامل عن دير الزور، وهذا الحال ينطبق على مدن وبلدات الريف التي شدد التنظيم فيها على حرمتها.

المئات من العاملين في هذه المهنة اضطر إلى العمل في مهن أخرى، ومنهم من استحدث مهنة لم تكن موجودة سابقاً في دير الزور، مثل مهنة "النقل النهري عبر القوارب"، وهي استجدت جراء استهداف العديد من الجسور في المحافظة، كما حصل في جسر السياسية في مدينة دير الزور وجسر الباغوز في ريف البوكمال، إضافة إلى الحصار البري الذي تعرضت له العديد من المناطق في فترات عدة على مدار السنوات الماضية.

السلاح في سوريا




مهنة جديدة أجبرتها الحروب على الظهور بسوريا وهي "إصلاح السلاح الفردي"، التي تلقى رواجاً وأرباحاً جيدة في الأراضي السورية، حيث يتوافد الكثير من المقاتلين لإصلاح أسلحتهم الفردية من مسدسات أو بنادق أو غيرها، ويكون المقابل بالدولار.

تجارة وتصنيع الاسلحة باتت مهنة منتشرة في أغلب المناطق التي تخضع لسيطرة المعارضة، ولم تعد مشاهدة محل أو بائع يعرض أسلحة مع رفع لافتة صغيرة عن سعرها؛ بالأمر المستحيل.

العودة .. "بوابير الجاز"




بالإضافة إلى هذه المهن التي استحدثتها الضرورة، هناك مهن عادت للظهور بعد أن اختفت، إذ أجبر نقص الوقود والغاز السوريين، إلى إعادة إحياء المهن التقليدية الشعبية التي كانت مزدهرة قبل عقود، ولا سيما تلك التي كانت منتشرة في الريف السوري.

إحدى تلك المهن، إصلاح "بوابير الجاز"، حيث بدأت هذه المهنة تحقق حضوراً كبيراً مع وصول سعر قارورة الغاز إلى 6 ألاف ليرة سورية، فتحّول سوق المناخلية في وسط العاصمة إلى مركز رئيسي لهذه المهنة.

كذلك، تظهر مهنة صناعة مدافىء الحطب الشعبية التي اختفت منذ قرابة عقدين بعد توفر بدائل أخرى للتدفئة، ففي ظل غياب المازوت وانقطاع التيار الكهربائي؛ كان لابد من إيجاد البديل السريع، فمدفأة الحطب المصنعة محلياً يصل سعرها إلى عشرة آلاف ليرة، وقد عمد بعض الحدادين إلى استخدام المواد المتوفرة في الأسواق من أنواع الصاج لتصنيع مدافئ الحطب.

بائع الحطب




بعد أن اندثرت منذ سنوات ليست بقليلة عادت إلينا مهنة "بيع الحطب" فقد كانت البديل للأسر اليمنية التي تعيش تحت القصف فشراء الحطب والعودة إلى الحياة البدائية في صناعة الطعام كانت الطريق الأسهل إثر ارتفاع أسعار اسطوانات الغاز والتي يصل متوسط سعرها إلى خمسة آلاف ريال يمني 15 دولاراً وتكرار غيابها من الأسواق.

أنعشت الحرب الحركة التجارية لهذه المهنة، فقد افترش بائعو الحطب أرصفة بعض الشوارع في المدن الرئيسة، بينما انتشرت الكثير من أماكن بيع الحطب المحاذية للخطوط الإسفلتية الطويلة الرابطة بين المدن، كواحدة من المهن الهامشية التي صنعتها الحرب.

الشئيعة.. طعام الحرب

مهن جديدة ظهرت لأول مرة خلال الأزمة السورية، إحدى تلك المهن وبحسب التسمية الشعبية لها هي "الشئيعة"، ويمتهنها أطفال وفتية صغار من النازحين الذين شهدت مناطقهم معارك وقصفٍ، وتتراوح أعمارهم بين 10 إلى 17 عاماً، يشترون الخبز من الأفران بسعره الرسمي، ويبيعونه على بعد أمتار بأسعار باهظة.

السعر الرسمي في الفرن 15 ليرة بينما يبيعها صاحب تلك المهنة بـ150 أو 200 ليرة  سورية، ما يعادل دولاراً أميركياً واحداً إلى دولارٍ ونصف.

السجاد الأفغاني .. هدية الإسكندر الأكبر




لا يزال السجاد اليدوي الأفغاني الذي يقبل عليه المشترون لخصائصه الجمالية أحد الصادرات الرئيسية لأفغانستان، لكن نسبته من الصادرات انكمشت من 27 بالمئة إلى ستة بالمئة خلال أقل من عقد، فقد هوت مبيعات قطاع صناعة السجاد في أفغانستان إلى النصف خلال العام الماضي مع تصاعد وتيرة الحرب ضد حركة طالبان وفرض باكستان قيودا على حركة التجارة عبر الحدود.

وأضرت الحرب والفقر وقيود النقل في بلد لا يطل على أي بحار بمبيعات صناعة يقول خبراء إنها تعود إلى 2500 عام على الأقل، ويحكي التاريخ أن الإسكندر الأكبر بعث بسجادة من المنطقة إلى والدته.

وتقول الإدارة المركزية للإحصاء في أفغانستان: إن السجاد كان يحتل المركز الرابع في قائمة صادرات البلاد بعائدات بلغت 38 مليون دولار في السنة المالية 2016- 2017. وكان أكثر من 85 بالمئة من هذه الصادرات من نصيب باكستان.

وتراجعت عائدات الصادرات أكثر من النصف مقارنة بمستواها قبل عام وهو 89.5 مليون دولار. وكان هذا بدوره يمثل تراجعا عند مقارنته بما وصلت إليه الصادرات في أوقات السلم قبل ثماني سنوات إذ بلغت 150 مليون دولار.

والمبيعات المحلية ليست أحسن حالا لأن عددا قليلا من الأفغان هم من يمكنهم شراء السجاد الذي يتراوح سعره بين 70 و250 دولارا للمتر المربع وهو ما يفوق متوسط الدخل الشهري.

ويترك الاعتماد على باكستان وموانئها الباعة الأفغان نهبا لتغيير الضوابط الحدودية بشكل متكرر بسبب الاتهامات المتبادلة بين البلدين الجارين بعدم وقف هجمات المتشددين عبر الحدود.

وتضرب صناعة السجاد بجذورها في بلدان عربية وآسيوية عديدة لكن معظم السجاد الأفغاني يشتهر باللون الأحمر الداكن وبكونه يدويا ومغزولا بعقد كثيرة كما أنه يدوم لفترة أطول مقارنة بالسجاد الذي تنتجه الآلات باستخدام خامات صناعية وليست طبيعية.

وتظل الحروب تلازمنا ويظل الآمل بداخلنا يتمسك بالحياة ونظل نحارب حتى نهاية البشرية.



الكلمات الدلالية دير الزور الحرب في سوريا

اضف تعليق