إنجي أفلاطون والهروب من مجتمع مغلف بالسلوفان


١٦ أبريل ٢٠١٨ - ١١:٢٦ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية - شيرين صبحي

لم تعرف الأوساط الثقافية المصرية من هي أرفع طبقة من الفنانة التشكيلية إنجي أفلاطون بين كل اليساريات والشيوعيات في الحركة الوطنية المصرية، حيث تخلت عن كل ما يربطها بالارستقراطية وارتبطت بكفاح الجماهير . فهي الفنانة السياسية، على حين ندر استمرار السياسيين بين الفنانين التشكيليين من طبقتها في الفن، كما يروي د. محمد الجوادي في كتابه "مذكرات المرأة المصرية"، فكانت نموذجا للصلابة المحترمة بين السيدات المصريات، حيث ظلت معتقلة لمدة أربع سنوات لم تر فيها أهلها غير مرة واحدة، ورغم هذا بقيت أشد صلابة حتى وفاتها.

لكل هذا تعتبر إنجي أفلاطون المولودة في مثل هذا اليوم 16 أبريل 1926 في أحد قصور القاهرة؛ نموذجا بارزا للحرص الشديد على تعميق الانتماء الوطني لغة وفكرا وعادات وتقاليد.. تقول في مذكراتها: "حاولت والدتي إقناعي بالسفر إلى فرنسا لاستكمال دراستي الفنية. وكذلك حاول كل أفراد العائلة لكني رفضت، بإصرار وعزم رفضت، كان قراري بالرفض منسجما مع ما أستعد له من حياة جديدة، يقتسمها النشاط السياسي والاجتماعي إن لم يشغلها لأبعد مدى، لم يكن مقبولا ولا معقولا أن أترك مصر وأذهب لعدة سنوات إلى بلاد الخواجات، وأنا أفكر بكل وجداني في عملية تمصير طويلة وقاسية للنفس، لي شخصيا أنا التي أتكلم الفرنسية ضاعت من عمري ثمان عشرة سنة في هذا المجتمع المغلف بالسلوفان، حتى لغتي القومية لا أملكها، أي بؤس يحسه الإنسان المعقود اللسان! حتى السابعة عشرة كانت لغتي هي الفرنسية. وحين بدأت أحتك بالناس لم أستطع أن أحل العقدة من لساني، مقطوعة أنا من شجرة إذن؟".


تتحدث إنجي في مذكراتها عن عائلتها بدءا من الجد الأكبر وزير الجهادية والبحرية في عهد الخديوي إسماعيل، والذي سماه الطلبة بأفلاطون لكثرة أسئلته ومناقشاته، فأقرهم على ذلك محمد علي باشا حين كان يراجع أسماء طلبة المدرسة العسكرية.

كما تتحدث عن والدها عالم الحشرات وعميد كلية العلوم في جامعة القاهرة، ووالدتها التي تزوجت في سن الرابعة عشرة، والبيوت التي تربت فيها في شبرا ثم الزمالك عندما وقع الطلاق بين والديها.. لكن هذه السيدة الشابة - والدتها - التي طلقت في التاسعة عشر من عمرها استطاعت أن تنجح في إثبات ذاتها عن طريق العمل.

قررت والدة إنجي أن تدخل ميدان العمل في مجال الأزياء، وشجعها طلعت حرب وبمساعدة بنك مصر افتتحت محل الأزياء الرفيعة والتفصيل الراقي يحمل اسم "صالحة" في شارع الشواربي، فكانت أول مصرية تعمل في هذا المجال الذي كان يحتكره الأجانب واليهود.

تحدثنا إنجي عن حفلات الطبقة الراقية التي يمكن للفتاة أن تجتذب منها عريسا، لكنها تنفر منهم فتقول: "أولئك الشباب لم يكونوا يتميزون بغير السطحية في الفكر مع الاستهتار وعدم المبالاة، شباب يتميز بجهل عنيد ومعظم أفراده لم يكملوا تعليمهم اعتمادا على المال والسلطة، ولكن المال والسلطة والأبهة لا تغني أبدا عن التعليم والثقافة. جمال الحياة وبهجتها لا تكتمل إلا بالمعرفة، وكنت أنا لا أرى إلا التفاهة في هذا الشباب المظهري البراق، وكان ينتابني شعور بالخوف من أن يكون مصيري أن أعيش حياتي بين هؤلاء الضائعين، وكنت أحلم بالإنسانية العادلة لسعادة البشر".



تعرفت إنجي بأستاذها الأول كامل التلمساني الفنان التشكيلي الطليعي، الذي شجعها وأشركها في المعارض الطليعية لجماعة الفن والحرية رغم صغر سنها وهي لا تزال طالبة في "الليسييه".. ثم بدأت تفكر في الاستقلال بشخصيتها عن طريق العمل، فالتحقت بمعمل تحاليل وكانت تقضي سبع ساعات يوميا في كتابة نتائج التحاليل على الآلة الكاتبة.

بدأت إنجي في ممارسة العمل السياسي، لكن الفنانة الارستقراطية قابلتها مشكلة وهي تمارس العمل اليساري " المشكلة التي أقلقتني بحق كانت الفارق الطبقي الواضح بيني وبين غالبية الرفاق من الجنسين، هذا الفارق لم يكن واضحا فقط في المستوى الاقتصادي بل في العادات والتقاليد، وكان عليّ أن أبذل جهدا جبارا لكي أتكيف مع هذا العالم الجديد وأجعله يثق بي ويتقبلني.. كان هذا أصعب جزء في عملية التمصير والتأقلم التي شغلتني سنوات طويلة، كم كان خجلي من الملابس الغالية التي تملأ دولاب والدتي صاحبة أكبر وأشيك محل أزياء في القاهرة، وكنت أترك جميع الفساتين الجميلة وأرتدي أبسط وأقدم ما أجده عندي حتى لا تشعر زميلاتي بالفارق أو على الأقل حتى ينسين مؤقتا أنني قادمة من طبقة الأعداء".


تتحدث بعد ذلك عن نشاطها في الأحياء الشعبية واستخدامها للمواصلات العامة، فتقول "كان اقتحامي لهذا العالم الجديد يملؤني سعادة واعتزاز، وكنت أشعر بأنني سأصل أخيرا إلى جذوري وأن الدم الذي يجري في عروقي هو دم مصري حقيقي، صار عليّ أن أعوض بسرعة السنوات الضائعة من عمري وأتشبع بأقصى ما أستطيع بالشخصية المصرية التي بها يكون اكتمالي . هكذا كنت أفكر إنني أنظر إلى تلك الأيام بامتنان. امتنان للناس الذين ساعدوني، امتنان لهذا الاختيار الذي أعطاني فرصة الاندماج التام مع الوطن والشعب فأصبحت من أكبر عشاقه".

استطاعت إنجي أن تؤسس مع مجموعة من الفتيات منهن لطيفة الزيات وفاطمة زكي وآسيا النمر وعنايات النيرلي لرابطة فتيات الجامعة والمعاهد المصرية منتصف 1945 م.. وتحدثنا عن تجربته الدولية في مجال النشاط النسائي العالمي، وتروي لنا استقبال البوليس المصري لها بعد عودتها من المؤتمر الدولي وكان الاستقبال الطبيعي هو القبض عليها، وهكذا أصبح اسمها على القائمة السوداء وأصبح لها ملف في القلم السياسي.


الكلمات الدلالية إنجي أفلاطون

اضف تعليق