النكبة الفلسطينية مستمرة في الأغوار


٢٣ أبريل ٢٠١٨ - ٠٣:٤٠ م بتوقيت جرينيتش

رؤيـة - محمد عبد الكريم

تواجه التجمعات البدوية في المنطقة الواقعة ما بين شرق القدس المحتلة وحتى منطقة الأغوار خطر التهجير في مسعى إسرائيلي لإقامة مشاريع استيطانية في هذه المنطقة.

مسافة كبيرة حتى تصل منطقة البقيعة في الأغوار الشمالية، والذي يُمثّل واحدًا من أكثر الأراضي الزراعية خصوبةً في الضفة الغربية، وتقترب مساحته الإجمالية من 100 ألف دونم، حيث يمتد من شرق محافظة طوباس، وبالتحديد من بلدة طمون ولغاية الحدود الأردنية الفلسطينية، وفي الطريق اليها من رام الله لن تلحظ سوى تضاريس وعرة وحياة برية خالية وطريق مهجورة تكاد تكون غير واضحة المعالم؛ لولا وجود آثار الأقدام التي حفرت تلك الطريق مع تقدم السنين وتكرار المسير، يمكن أن تشاهد بسهولة صفائح �الزينكو� المتناثرة ومئات الرؤوس من قطعان الماشية تتنقل في البرّية، لكن لا أعمدة للكهرباء ولا اتصالات.

تتقدم شيئاً فشيئاً لتلمح عيناك أول وجودٍ بشري في المكان الذي يتعرّض هذا السهل لهجمات استيطانية متتالية، حيث أقام الاحتلال عددًا من المستوطنات الزراعية على أراضيه، ففي العام 1972 أُقيمت مستوطنات: بقعوت وأرجمان وروعي، وفي العام 1978 تم إنشاء مستوطنة حمرا، لترى بعد ذلك صبية يلهون في الطبيعة، وامهات يحلبن الاغنام وبيوت من الشعر ، حيث تدور معركة أرادات مع الاحتلال الإسرائيلي.

اليوم الإثنين كان آخر محاولات التهجير التي يتعرض لها السكان أخطرت قوات الاحتلال الإسرائيلي، بعد طرد 5 عائلات فلسطينية، تسكن المنطقة ؛ بحجة التدريبات العسكرية.

وأفاد الناشط الحقوقي عارف دراغمة، بأن قوات الاحتلال أخطرت كلا من: ياسر، وعبد الله، وعادل، وتيسير، وسند، وجميعهم من عائلة أبو كباش، بالطرد من منازلهم؛ بحجة تدريبات عسكرية ينوي الاحتلال القيام بها في الرابع والعشرين من الشهرين الجاري، والأول، والثامن من شهر أيار المقبل، من الساعة السادسة صباحا، حتى الثانية ظهرا.

 إذ يتعرّض هذا السهل لهجمات استيطانية متتالية، حيث أقام الاحتلال عددًا من المستوطنات الزراعية على أراضيه، ففي العام 1972 أُقيمت مستوطنات: بقعوت وأرجمان وروعي، وفي العام 1978 تم إنشاء مستوطنة حمرا، وقد كان لهذه المستوطنات دور كبير في التهام معظم المراعي في المنطقة، وضمها لصالح المستوطنات عبر جعلها مناطق عسكرية تُسمّى بالحزام الأمني المحيط بالمستوطنات، بحيث انحصرت المناطق الرعوية إلى مساحة تقل عن 5 آلاف دونم، بعد أن كانت تزيد عن 20 ألف دونم.

وقد بلغ إجمالي المساحات الرعوية المُصادرة من قبل سلطات الاحتلال لغرض إنشاء مواقع عسكرية وميادين تدريب حوالي 5000 دونم من سهل البقيعة، وكان لعمليات المصادرة هذه، والإعلان عن مساحات ملحقة كمناطق عسكرية مغلقة؛ نتائج كارثية على قطاع تربية الحيوانات في المنطقة، وذلك نتيجة الإجراءات القمعية التي مارسها جنود الاحتلال بحق الرعاة ومربي الثروة الحيوانية، سواء عبر مصادرة الأراضي، أو نتيجة ملاحقة الرعاة، وهدم منشآتهم السكنية وحظائر الأغنام، ما دفع قسمًا كبيرًا منهم لهجرة المنطقة والمهنة.

ومن أهم معسكرات التدريب التابعة لجيش الاحتلال المقامة في هذا السهل: معسكر روعي، ومعسكر بقعوت، ومعسكر سمرا، بالإضافة إلى عدد من المعسكرات المغلقة غير معروفة الاسم، كما أن عمليات المصادرة والتضييق على الرعاة والمزارعين في سهل البقيعة لم تتوقف منذ سيطرة الاحتلال على الضفة الغربية ولغاية الآن.

ولعل أسوأ ما تعرض له السهل كان في العام 2000، حين شقّت آليات الاحتلال خندقًا بطول 2 كم، وعرض 4 م، وعمق 4 م، على امتداد سهل البقيعة، عازلة 40 ألف دونم من مساحته خلف الخندق، وهو الأمر الذي أجبر مئات الرعاة في المنطقة للهجرة من المنطقة مع أغنامهم بعد أن انقطعت بهم السبل.

خندق كرَّس الوجود الاحتلالي في المنطقة، وقطع سبل التواصل بين سكان الخِرَب البدوية الذين يمنعهم الاحتلال من مجرد الاقتراب من المناطق المحاذية للخندق، وهو يعني المزيد من السيطرة على المناطق الرعوية وضرب الزراعة في الأغوار.

أما بالنسبة للمواطنين الفلسطينيين المقيمين في المنطقة، فقد قام الاحتلال بهدم بيوتهم البسيطة، ثم عمل على مطاردة رعاة الأغنام ومصادرة ما بحوزتهم، وتجميع من تبقى من الأهالي المشتتين في عدة تجمعات محدودة المساحة، كخربة عاطوف والحديدية، وهي تجمعات مهددة طوال الوقت بالتهجير.

ويبدو أن هدف تجميع السكان هو منع انتشار مربي الثروة الحيوانية في أنحاء سهل البقيعة الذي صودر حوالي 60% من أراضيه، والقضاء على مصدر دخلهم، علمًا بأن مصدر الدخل الوحيد تقريبًا لهذه التجمعات الفلسطينية في المنطقة هو تربية الأغنام.

ويقول رئيس مجلس المالح والمضارب البدوية في الاغوار الشمالية ان الاحتلال يشدد الاختناق على سكان المضارب والبقيعة الشرقية وينتهج سياسات عدة لتهجيرهم والقضاء على وجودهم ، وقال المجلس ان المواطن محمد بني عودة من الحديدية صودر جراره الزراعي واحتجز لساعات طويلة على حاجز الحمراء بعد محاولتة العبور بالقرب من الخندق الذي قطع الاحتلال أوصال المنطقة بإنشائه بالقرب من الرأس الأحمر عائدا إلى مسكنه في الحديدية، وبين المجلس أن حصار المنطقة وإغلاق الطرقات يدفع بالسكان بالمخاطرة بأنفسهم من أجل الوصول إلى أماكن الخدمات العامة لقضاء حاجاتهم .

وفي سياق متصل، أكد مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة "بتسيلم"، أن الاحتلال يمارس جريمة تتمثل بتهجير نحو 200 تجمع سكاني للمواطنين الفلسطينيين في المناطق المصنفة "ج".

وقال المركز في بيان له، إن "هذه ليست مسألة نظريّة، بل إنّها أحداث تقع الآن وكلّ يوم في كافة أنحاء الضفة الغربية المحتلة، حيث تحاول إسرائيل تهجير آلاف الفلسطينيين من نحو مئتي تجمّع سكّاني فلسطيني بتلك المناطق، وهي تجمّعات يعتاش سكّانها على تربية الأغنام والزراعة".

وأضاف أن العشرات من هذه التجمعات يتهددها خطر التهجير الفوري، وأخرى تعاني درجات متفاوتة من التجبّر والعُنف والسّلب والنهب.

واعتبر البيان أن تهجير السكّان المحميّين من منازلهم جريمة، "ولا فرق كيف تفعل السلطات الإسرائيلية ذلك: باستخدام القوّة المادّية ضدّ السكّان أم بإرغامهم على مغادرة منازلهم، وكأنّما بإرادة منهم في أعقاب جعل حياتهم جحيمًا لا يطاق، هكذا أو هكذا، النقل القسريّ محظور ويشكّل جريمة حرب".

وأوضح أن هذه هي الاستراتيجيّة التي تتّبعها "إسرائيل"، إنّها تمنع بناء المنازل أو المباني العامّة، وتمنع الخدمات الأساسية كالماء والكهرباء والطرق المعبّدة.

وأشار إلى أنه في بعض التجمّعات هدمت "إسرائيل" منازل السكّان ومرافق أنشأوها بأنفسهم، بما في ذلك الألواح الشمسيّة لإنتاج الكهرباء وآبار المياه والطرق، وفي بعضها يُجري جيش الاحتلال تدريبات عسكريّة في مراعي السكّان وأراضيهم الزراعيّة أو حتّى بين منازلهم.

وتابع مركز المعلومات الإسرائيلي "بتسيلم" في بيان انّه" عنف منظّم ومتواصل تمارسه سلطات الاحتلال سعيًا إلى تقليص الوجود الفلسطيني في أنحاء الضفة إلى الحدّ الأدنى الممكن وسلب السكان أراضيهم وممتلكاتهم".

وأشار إلى أن "إسرائيل" تُركّز مساعيها في ثلاث مناطق بالضفة الغربية، وهي جنوبيّ جبال الخليل، حيث يسكن في هذه المنطقة نحو ألف شخص ونصفهم تقريبًا قاصرون، كان الاحتلال قد هجر في نهاية عام 1999 سكانًا من المنطقة بحجّة إعلانها منذ الثمانينيّات "مناطق إطلاق نار".

وثانيًا منطقة "معاليه أدوميم"، حيث هجرت "الإدارة المدنية" التابعة للاحتلال في الثمانينيّات والتسعينيّات مئات البدو من عشيرة الجهالين من مناطق سكناهم لأجل إقامة مستوطنة "معاليه أدوميم"، ومن ثمّ لأجل توسيعها نُقل السكّان إلى منطقة سكن ثابت أقيمت لأجلهم قرب "أبو ديس"، وفقدوا مع نقلهم إمكانية الوصول إلى مراعي قطعانهم.

وبحسب "بتسيلم"، فإن ما يقارب 1440 منهم يسكنون في أراضٍ صُنفت ضمن مناطق "E1" التي تُعدّها "إسرائيل" لتتوسّع فيها مستوطنة "معاليه أدوميم" مستقبلًا، بحيث ينشأ تواصل جغرافيّ بين المستوطنة ومدينة القدس.

وثالثًا، منطقة الأغوار: يسكن فيها نحو 2700 شخص في قرابة 20 تجمّعا رعويّا، أعلن جيش الاحتلال المساحات السكنيّة في كثير من هذه التجمّعات "مناطق إطلاق نار"، وتجري تدريبات عسكرية في جوارها؛ وفي بعض الأحيان يطالب السكّان مرارًا وتكرارًا بإخلاء منازلهم لكي يجري هو تدريباته.



اضف تعليق