ماكرون في "مهمة إنقاذ" داخل البيت الأبيض


٢٤ أبريل ٢٠١٨ - ١١:٤٦ ص بتوقيت جرينيتش

كتبت – ولاء عدلان

"مهمة جدًا"، هكذا وصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون زيارته الحالية إلى واشنطن فور وصوله ترافقه زوجته السيدة بريجيت أمس على متن مروحية حطت أمام مقر جورج واشنطن أول رئيس للولايات المتحدة، قبيل استقبال رسمي بالجناح الغربي في البيت الأبيض، أعقبه عشاء فاخر في ماونت فيرنون.

وأمام عدسات المصورين استقبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وزوجته ميلانيا ماكرون وزوجته بحفاوة عند مدخل البيت الأبيض، وتبادل الرئيسان القبل بعد مصافحة حارة وتحية للرئيس الضيف بـ21 طلقة، هذا الاستقبال الدافئ ينم عن كمياء وصداقة بين الرجلين، ستكون على المحك عند الدخول إلى صلب المحادثات الثنائية التي ستطرق لموضوعات جميعها بلا استثناء "خلافية".

ويجري ماكرون زيارة عمل إلى واشنطن تستمر لمدة ثلاثة أيام، وتعد أول زيارة دولة يستضيفها ترامب منذ تولى منصبه في يناير 2017، ويتطلع ماكرون - الذي عمل منذ قرابة العام على توطيد علاقته بالرئيس الجمهوري على العكس من نظرائه الأوروبيين- إلى جني ثمار هذه الصداقة، لتبرير علاقته برئيس مثير للجدل مثل ترامب أمام الرأي العام الفرنسي.


وفي وقت لاحق من اليوم ستبدأ اجتماعات العمل في البيت الأبيض بين الرئيسين، قبل أن يلقي ماكرون الأربعاء كلمة أمام جلسة مشتركة للكونجرس في ذكرى خطاب ألقاه الجنرال الفرنسي شارل ديجول أمام الكونجرس في 25 أبريل عام 1960.

وتحت عنوان "إيران وبوتين والتجارة على جدول أعمال ماكرون في البيت الأبيض"، كتب تشارلز برمنر في التايمز: إن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يهدف إلى إقناع ترامب بعدم الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني المبرم في عام 2015، إذ أن الرئيس الأمريكي هدد بالانسحاب منه في 12 مايو المقبل في حال أخفقت الدول الأوروبية الموقعة عليه في تعديل "عيوبه الرهيبة".

وأضاف ماكرون أيضا يريد إقناع ترامب بإعفاء أوروبا من دفع الرسوم الجمركية الجديدة التي أقرها، والحفاظ على تدخله في سوريا بعدما بعثت فرنسا خبراء للتأكد من إن كان النظام السوري استخدم أسلحة كيمياوية الشهر الجاري في دوما أم لا؟، وبالأحرى يريد ماكرون توصيل رسالة إلى ترامب بألا يكون ساذجا تجاه نظيره الروسي فلاديمير بوتين.

وبحسب "التايمز" لا يتوقع حلفاء ماكرون أن تحقق زيارته أي تغيير يذكر، بل ينظروا إليها كاختبار لخطط الرئيس الفرنسي وإطرائاته تجاه رئيس لا يكن التنبؤ بتصرفاته، مذكرة هنا بأن ترامب تجاهل محاولات ماكرون لإقناعه بالبقاء في اتفاقية باريس للتغيير المناخي.

فيما يتعلق بالاتفاق النووي الإيراني، فالمهلة التي منحها ترامب لمجموعة 5 1 لإصلاح العيوب "المروعة" ستنتهي بحلول 12 مايو المقبل، ومن جانب فرنسا والشركاء الأخرين في الاتفاق لا يوجد ما يدعو لتعديل البنود، فبالنسبة لطهران إما كل شيء أو لا شيء، واليوم قال رئيسها حسن روحاني: أقول لمن في البيت الأبيض إنهم إذا لم يفوا بالتزاماتهم فستتحرك الحكومة الإيرانية بحزم، إذا تخلى أحد عن الاتفاق فعليه أن يعلم أنه سيواجه عواقب وخيمة، إيران مستعدة لكل المواقف المحتملة.

في المقابل قال البيت الأبيض الإثنين: الرئيس كان واضحا للغاية فيما يتعلق بالاتفاق الإيراني، فهو اتفاق سيء، وهذا قطعا لم يتغير.

وبدبلوماسية شديدة اختار ماكرون بالأمس، أن يدلي بتصريحات لقناة "فوكس" - المفضلة لدى ترامب- جاء فيها: إذا قمت بشن حرب ضد الجميع، حرب تجارية ضد أوروبا وحرب في سوريا وحرب ضد إيران، فإن هذا لن يعطي نتيجة.. أنت تحتاج إلى حلفاء، ونحن هؤلاء الحلفاء.


ترى سيليا بيلان، أستاذة العلوم السياسية والباحثة المختصة في العلاقات عبر الأطلسي بمعهد بروكينجز في واشنطن: أن الملف الإيراني يبقى الأكثر إلحاحا على طاولة مباحثات الرئيسين، وفي حال قرر ترامب إعادة فرض عقوبات على النظام الإيراني، فسيكون ذلك عمليا إعلانا لفشل الاتفاق النووي مع إيران، وفشل مهمة ماكرون، في خطوة تتعارض  مباشرة مع المصالح الفرنسية.

يبدو أن شهر مايو سيكون حافلا بالاختبارات للصداقة التي تجمع ترامب وماكرون، فالرسوم الجمركية التي فرضها ترامب على واردات الصلب سوف تدخل حيز التنفيذ في الأول من مايو، وفي حال رفض الرئيس الأمريكي استثناء الدول الأوروبية من هذه الرسوم، سنسمع عن نذر حرب تجارية جديدة.

ويرى بعض المحللون أن الملف السوري قد يشكل نقطة اتفاق بين الرئيسين خلال هذه الزيارة، لاسيما بعد مشاركة المقاتلات الفرنسية في الضربة الأمريكية التي استهدفت هذا الشهر مواقع تابعة للنظام السوري ردا على استخدام الكيماوي في دوما، تقول سيليا بيلين: فرنسا اليوم هي الحليف الأوروبي الرئيسي على الصعيد العسكري للولايات المتحدة، كان ذلك هو موقع البريطانيين من قبل، لكنهم الآن منطوون أكثر على أنفسهم بعد البريكسيت.

وتضيف في تصريحات لـ"فرنسا 24": الفرنسيون أبدوا استعدادهم لمشاركة الأمريكيين عبء الحرب على الإرهاب، ففي الوقت الذي لا يكف فيه ترامب عن انتقاد الأوروبيين لعدم بذلهم جهودا واستثمارات كافية في مجال الدفاع، تخرج فرنسا وتظهر العكس تماما، والآن الرئيس الأمريكي يرغب في سحب قواته من سوريا فور انتهاء القتال ضد داعش غير أن فرنسا لديها مصلحة في إقرار حد أدنى من الاستقرار في تلك المنطقة.

بالأمس قال ماكرون لوسائل الإعلام الأمريكية: سأكون صريحا جدا، ففي اليوم الذي ننتهي فيه من هذه الحرب ضد داعش، إذا ما غادرنا بشكل كامل وأكيد، حتى من وجهة نظر سياسية، فسنترك الأرض للنظام الإيراني ولبشار الأسد، إذا يرغب ماكرون في إقناع ترامب بتأجيل الانسحاب الأمريكي من سوريا، وهذا ما أكدته مصادر غربية لصحيفة "الشرق الأوسط" التي قالت اليوم إن الرئيس الفرنسي عرض على ترامب خطة لنشر قوات فرنسية شرق سوريا بحماية التحالف الدولي بقيادة واشنطن، لإقناعه بالعدول عن قرار الانسحاب.

فيما نشرت صحيفة القدس العربي مقالا يفيد بدخول قوات فرنسية معززة بمنصات صاروخية ورادارات إلى ريف دير الزور خلال اليومين الماضيين.

الإليزيه وكذلك الشركاء الأوروبيون يتعاملون بحذر مع النتائج المتوقعة من هذه الزيارة، لكن  ماكرون يأمل على الأقل في إحراز تقدم في أي من هذه الملفات، والواقع أن الزيارة الفرنسية هي في حد ذاتها فرصة لترامب لإصلاح بعض الأضرار التي خلفتها سياسته "التصادمية" مع العديد من حلفاء أمريكا، كما أنها فرصة لتعزيز التعاون التجاري مع الاتحاد الأوروبي، لاسيما وأنها تأتي قبيل زيارة للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل مقررة الجمعة المقبلة، فإذا أحسن استخدامها لبث رسائل إيجابية للأوروبيين، فالمؤكد أنه سيحصل على المزيد من الحلفاء والأصدقاء عبر الأطلسي.





اضف تعليق