بنجلاديش.. الوجه المظلم لعالم الموضة


٢٦ أبريل ٢٠١٨ - ١١:١٨ ص بتوقيت جرينيتش

 
كتبت - ولاء عدلان

بدأت المولدات في "رانا بلازا" شمال العاصمة البنجلاديشية دكا تصدر أصواتًا عالية، وسط هزة قوية تعصف بالمبنى المكون من ثمانية طوابق، ومن ثم انهارت الأسقف والجدران وانتشر الفزع في قلوب عمال المجمع الصناعي الشهير، كان ذلك في الـ24 من أبريل 2013، في واحدة من أضخم حوادث المصانع في بنجلاديش والعالم بأسره، إذ راح ضحيتها نحو 1130 عاملا، فيما أصيب أكثر من 2500 عامل.

حادثة انهيار رانا بلازا سلطت الضوء بقوة على مشاكل قطاع صناعة الملابس في بنجلاديش، التي تعد أكبر مصدر للملابس بعد الصين، والرابعة عالميا في هذا القطاع، وعلى أرضها تصنع أشهر الماركات العالمية، ويمكنا القول بدون مبالغة أن هذه الدولة الآسيوية الفقيرة تكسو أبناء الدول الغنية، ويتحمل العامل فيها تكلفة أرخص قميص يباع الآن في أوروبا والولايات المتحدة، ففي الثمانينيات من القرن الماضي بدأ المستثمرون الأوروبيون ينظرون إلى بنجلاديش ككنز صناعي، نظرا لرخص الأيدي العاملة فيها وقلة تكلفة الإنتاج على أرضها مقارنة بالإنتاج في دول الصنع نفسها "الدول الأوروبية".



ويعمل بقطاع الملابس في بنجلاديش، أكثر من أربعة ملايين شخص، نحو 90% منهم نساء، ويشكل هذا القطاع نحو 80 % من إجمالي الصادرات بعوائد بأكثر من 25 مليار دولار تأتي أغلبها من أوروبا يليها الولايات المتحدة، وعلى الرغم من ذلك يعاني العاملون في صناعة الملابس من ظروف صعبة سواء على صعيد الأجور أو معايير السلامة المفقودة في المصانع التي يعملون تحت أسقفها.

ويقول أحد أصحاب مصانع الملابس بدكا في شهادة نشرتها أخيرا "نيويورك تايمز" في تقرير بعنوان "التكلفة الحقيقة للقمصان الرخيصة" للمصور دانييل رودريجز: لا يمكننا اتباع جميع قواعد السلامة الصناعية، ولا حتى تلك التي تتعلق بعمالة الأطفال، لأن هذا سيفقدنا ميزة تنافسية هامة "التكلفة المنخفضة للإنتاج"، إذ سيدفعنا باتجاه زيادة الأسعار على العملاء.


وعلى الرغم من أن شركات الملابس الأوروبية التي تتعامل مع بنجلاديش كـ"بلد منشأ" ويقدر عددها بنحو 200 شركة، وقعت بعد حادثة "رانا بلازا"  اتفاقات لضمان "سلامة المباني ومواجهة الحرائق"، كما شاركت شركات أمريكية السلطات البنجلاديشية في تفتيش 2266 مصنعا في منطقة سافارا الصناعية وغيرها خلال السنوات القليلة الماضية، لضمان توافر عوامل الأمن الصناعي وسلامة العمال، إلا أن هذه الشركات تظل مسؤولة بشكل مباشر عن دماء الفقراء التي تهدر كل يوم في هذا القطاع، ليس فقط نتيجة حوادث السلامة الصناعية، بل أيضا مشاكل الأجور المتندية والتلوث الذي عم مناطق المصانع بشكل أجبر الحكومة على نقل المصانع وتحديدا المدابغ من قلب العاصمة دكا لإنقاذ نهر بوريجانجا من تلوث قاتل بمواد خطرة مثل الكبريتيك، والفورميك، والكلور، تجدر الإشارة هنا إلى أن قطاع الدباغة وحده يستوعب نحو 15 ألف عامل ويزود البلاد نحو 500 مليون يورو سنويا، وأهم عملائه هم من سكان العواصم الغنية مثل ميلانو وطوكيو وباريس.
 
وتشهد دكا من وقت لأخر تنظيم العديد من المظاهرات العمالية للمطالبة برفع الأجور، ففي وقت كارثة رانا بلازا، كان الحد الأدنى للأجور في هذا القطاع نحو  3000 تاكا بنجالية وأخيرا تم رفعه إلى 5300 تاكا شهريا أو ما يعادل نحو 64 دولار للعامل المبتدئ، وتطالب النقابات العمالية بزيادته إلى 16 ألف تاكا شهريا.



ويقول رئيس الاتحاد الوطني لعمال الملابس في بنجلاديش أمين الحق أمين في تقرير نشرته أخيرا "الشرق الأوسط":عقب انهيار رانا بلازا تم اتخاذ عدة خطوات إلى الأمام، لكنها ليست كافية، وما زال العامل البنجالي في حاجة إلى المزيد من تحسين أوضاع العمل داخل المصانع لا سيما تلك التي تعمل لحساب الغير، ومن بين هذه الخطوات الإيجابية نقل المصانع من المباني المجمعة إلى مواقع مستقلة، والاعتراف بحقوق النقابات، وتعديل قانون العمل، وتحسين الأجور.

في نوفمبر الماضي قال وزير الإعلام البنجلاديشي حسن الحق إينو: يمكن زيادة أجور العمال، إذا ما زاد المشترون أسعار الشراء، مشيرا إلى أن زيادة السعر بواقع دولار واحد أو دولارين لن يضر بالأسواق الغربية، في حين أن زيادة السعر دولارين بالنسبة لأي عامل يمثل شيئا كبيرا.

وأضاف قمنا بضخ استثمارات كبيرة لكي تفي بالشروط التي وضعتها الشركات الغربية التي تشتري منتجات مصانعنا، وننتظر أن نعامل بالمثل.

"ZARA"، و"JOE"، و"H&M"، و"MANGO"، و"PRIMARK" هذه الماركات الشهيرة وغيرها تبدأ رحلتها إلى المستهلك من مصانع بنجلاديش الفقيرة، ولن يصبح مستهلكها في البلدان الغنية فقيرا، في حال دفع دولارا إضافيا في سعر قطعة الملابس ولو على سبيل التحية لهؤلاء العمال الذين وقعوا ضحية لجشع المستثمر المحلي ومن خلفه الأوروبي والأمريكي.. المجد للفقراء.


اضف تعليق