عمر ومروة.. قصة أمل سورية ترويها جدران الموت


٠٢ مايو ٢٠١٨ - ٠٩:٣٥ ص بتوقيت جرينيتش

كتبت - ولاء عدلان

"صيدنايا"، و"المزة"، و"تدمر" و"حلب"، و"دمشق" و"عدرا"، هذه بعض أشهر سجون النظام السوري، التي تقف جدرانها شاهدة -منذ صيف 2011 وحتى هذه اللحظة- على جرائم تقشعر لها الأبدان ترتكب بشكل ممنهج ويومي ضد آلاف المعتقلين في هذه السجون، بدم بارد.

"أرخبيل تعذيب" هكذا تصف "هيومن رايتس ووتش" السجون السورية في تقاريرها السنوية، وفي نهاية 2017 أفادت المنظمة الحقوقية بأن لديها صورا لحوالي 7000 جثة لأشخاص ماتوا أثناء الاحتجاز نتيجة لتعرضهم لتعذيب غير مسبوق، فيما أكدت منظمة العفو الدولية في تقرير بعنوان "المسلخ البشري" أن قوات الأسد نفذت عمليات قتل غير مشروع للمعتقلين في سجن صيدنايا العسكري، وأُعدمت خارج نطاق القضاء نحو 13 ألف سجين خلال الفترة بين عام 2011 وعام 2015، كما وثقت وفاة نحو 18 ألف معتقل خلال الفترة نفسها، متحدثة عن صنوف تعذيب مرعبة تتنوع بين السلق بالماء الساخن والضرب حتى الموت.

ثورة الياسمين الدمشقي التي انطلقت في 2011 سرعان ما تحولت إلى حرب إقليمية بدخول روسيا وإيران إلى الأراضي السورية ومن ثم التحالف الدولي بقيادة أمريكا وأخيرا دخلت تركيا إلى المعادلة، والكل يسعى لتأمين أجندته الخاصة، أما الثمن فيدفعه السوريون كل يوم سواء تحت أنقاض منازلهم أو خلف جدران السجون أو في بلدان الشتات.

وتحت أنقاض منازل سوريا ماتت عشرات القصص الإنسانية مع فقدان أثر أصحابها، وعلى بعد نحو 2000 من "داريا"، وتحديدا في بيروت رن هاتف مروة بعد نحو ثلاثة أعوام من الصمت المطبق والخوف حتى من السؤال عن مصير الغائب الحاضر في دماء طفليه، ليتجدد الأمل، بخبر أنه حي لا زال يتنفس خلف قضبان سجون النظام في انتظار اللقاء والمغفرة عما حدث.


 تروي مروة -لـ"واشنطن بوست"، بصوت يخالجه النشيج- عن قصة هروبها من سوريا واعتقال زوجها في بداية الثورة من قبل أجهزة النظام، في ربيع 2006 وقعنا في الحب، كان اللقاء الأول في متجر للأجهزة الإلكترونية بوسط دمشق، وفي فترة وجيزة تزوجنا في منزلنا المتواضع في داريا، واكتملت سعادتنا مع ولادة طفلنا الأول "سامر"، لكن الأمر تبدل بحلول مارس 2011.

وأضافت انتفضت داريا والعديد من المدن السورية مطالبة برحيل الأسد، وكانت الهتافات ترج العقارات والغبار يخفي ملامح سكان المدينة، وفي هذه الأثناء كان عمر يقضي ساعات طويلة على وسائل التواصل الاجتماعي للكتابة عن الثورة، ومن ثم ينضم للحشود وهم يسيرون في المدينة للمطالبة برحيل الأسد وممارسة حقهم في حرية التعبير.
تتابع بحلول خريف 2011، كانت دبابات الجيش تحاصر المدينة والبنادق تحصد في المتظاهرين، وقذائف الهاون تدك منازل المدنيين، فزادت المخاوف وبدأت أفكر في الفرار، لكن عمر رفض ترك الميدان والتخلي عن الرفاق، ووجد طريقة لتهريبنا إلى لبنان، ووقتها علمت بأني حامل بطفلنا الثاني، كان الوقت غير مناسب، إذ بدأ رجال الأسد حملة شرسة لاعتقال كل المتظاهرين، ليس فقط من الشوارع بل من منازل داريا وكل المدن التي تم تصنيفها ضمن نطاق مهد الثورة.

لكن هذه الحملة لم تتمكن من تفادي انزلاق سوريا باتجاه الحرب الأهلية، ومع تزايد أعداد المعتقلين، تضاعفت أعداد المعارضة المسلحة يومًا بعد يوم، وعند عودتها إلى دمشق في رحلة قصيرة نهاية 2011، شعرت مروة أن العاصمة تبدلت، تقول: بدا الجميع حذرين، كنت في السوق بصحبة عمر، عندما اقتربت منا مجموعة من الرجال، وقاموا بتطويقه وكانت عيناه تطلبان مني الذهاب بعيدا، ورغم أنه أخبرهم أني كنت زوجته واللقاء كان صدفة، إلا أنهم اعتقلونا سويا، ومن ثم تم فصلنا في غرف التحقيق.
 


تضيف -والدموع قد غلبتها- في فرع أمن الدولة رقم 40، وهو مبنى مريب بالقرب من المستشفى الإيطالي بدمشق، شاهدت زوجي في غرفة التحقيق مجرداً من ملابسه الداخلية ومكبلا على كرسي، وتم مواجهتي به وطرحت عليه عدة أسئلة في حضوري، وتكرر الأمر معي، وكانت الأسئلة من نوعية ماذا كان يفعل عمر مع المتظاهرين "الإرهابيين"؟، هل كان إرهابيا؟ هل من بين أصحابه إرهابيون ومن هم؟ كانت إجابتي: "لا"، وكلما حاولت أن أغض نظري عن عمر كانوا يسلطون الضوء عليه ويجبروني على معاودة النظر إليه ومشاهدة آثار التعذيب على كامل جسده المتورم، وأثناء ذلك كانوا يضربونه بقضيب حديدي على الرأس والبطن.

ثم تقدم أحد الضباط إلى الأمام وصوب سكينا باتجاه بطنها "الحامل"، صرخ عمر وقال كل شيء يعرفه عن أصدقائه، سحبوه على الأرض ليخرجوه من غرفة التحقيق، وطلبوا من مروة الرحيل دون النظر إلى الخلف، وعبرت ممر طويل يكتظ بمعتقلين وجوههم إلى الحائط، وعندما تباطأت خطواتها ظنا منها أنها مرت بعمر، قال لها الشرطي الذي كان يرافقها "استمري في السير، عليك أن تنسي أين كنت وماذا رأيتِ"، عندما خرجتُ -تقول مروة-  كانت الدموع تنهمر من عيني، وفي جيبي ثقل محفظة عمر الخالية من بطاقة الهوية، كان جسدي ينتفض، وعند عودتي إلى المنزل، كان "سامر" يسأل عن والده، وتكرر السؤال طوال ثلاث سنوات، وكانت الإجابة المعتادة "مسافر"، وفي داخلي كانت "لا أعلم، ليت المعجزة تحدث ويعود قريبا".

تقول الصحيفة الأمريكية: بينما كانت مروة قد فقدت الأمل في اللقاء، كان عمر داخل فرع الخطيب التابع لسلطة أمن الدولة -وهو أحد أكثر السجون شهرة في وسط دمشق-  يقبع في زنزانة مساحتها 4 في 5 أمتار مع عشرات السجناء الآخرين، يتبادل الأحاديث والذكريات مع المعتقل محمد، لدرء الملل واليأس، وقد ملأته الاعترافات الزائفة التي تمت بشكل متكرر تحت وطأة التعذيب بالعار.

وتنقل عن محمد شهادته: أجبرت نفسي على نسيان كل شخص خارج جدران السجن، لكن عمر رفض، وكان يصر على أننا سنخرج يوما ما، ويتحدث في بعض الليالي فقط على ذكرياته السعيدة مع مروة وشعوره بالذنب حيال طفله الذي تركه وحيدا، واستمر الحال على هذا المنوال إلى أن تم فصلنا، وبعد وقت طويل التقيت عمر في ممر السجن وبدا عليه آثار التعذيب والحرمان من الطعام.
 


يضيف محمد: في ديسمبر 2013 خرجت دون تفسير كما تم اعتقالي، 10 أيام فقط قضيتها في دمشق قبل أن انتقل إلى لبنان وتركيا ومنها إلى هولندا عبر قارب للتهريب، وهناك بدأت أبحث عن اسم عمر على الفيس بوك إلى أن توصلت إلى صفحة والدته ومنها توصلت إلى رقم هاتف زوجته، وسريعا اتصلت بمروة وقدمت نفسي لها، ومن ثم أخبرتها بأن عمر لا زال على قد الحياة ينتظر العودة إليها، ويخطط لذلك، ويطلب منها الغفران.

تختم مروة حديثها: كانت هذه آخر مرة تصلنا أخبار عن زوجي، والآن أنا لست أنا، و"كابوس" الثورة و"حريتي" ما الفائدة؟، كل شيء يهون نظير يوم واحد مع عمر.

نذكر في العام الماضي كيف فجع العالم بوثائقي "الصرخة المكبوتة" -الذي عرضه التلفزيون الفرنسي- ليفضح جريمة أخرى تشهد عليها جدران سجون الأسد.. "الاغتصاب" الممنهج الذي تتعرض له السوريات بغرض كسر الرجل السوري زوجا كان أو أبا، تقول ضابطة سورية منشقة في مقطع من الوثائقي: كانت حالات الاغتصاب تتم بمنهجية كـ"سلاح حرب" بغرض إجبار الرجال على الاستسلام للأمن، أي رجل شارك في الثورة تتعرض إحدى نساء عائلته للاعتقال، وكانت رسالة الابتزاز واضحة: إما أن تسلم نفسك وإما أن نحتفظ بزوجتك أو أختك.. لكن ماذا فعل العالم "الديمقراطي" لأجل نساء سوريا، أو أطفال خان شيخون وحلب ودوما، لا شيء سوى فقاعات إعلامية.

هناك ألف مروة وألف عمر وآلاف المعتقلين خلف جدران الموت، ربما ذنبهم الوحيد أنهم يحملون الجنسية السورية وأنهم اعتبروا الثورة بمثابة بزوغ لفجر جديد، إلا أن جنود الظلام حجبوا الشمس حتى مات الياسمين الدمشقي خنقا على غصونه.
 


اضف تعليق