أردوغان وهندسة الانتخابات .. حياة سياسية غير مختلفة في تركيا


٠٦ مايو ٢٠١٨ - ٠٤:١٩ م بتوقيت جرينيتش

رؤية

أكد الرئيس التركي السابق، عبد الله جول، الذي كان يدرس خوض السباق الرئاسي في الانتخابات التي تجرى شهر يونيو المقبل، أنّ رئيس أركان الجيش، قام بزيارته قبل أيام من إعلان أنه لن يخوض السباق.

وقال جول -للصحفيين في اسطنبول -"حدثت تلك الزيارة، في وضح النهار، على مرأى من العالم أجمع. بالتالي، ليست سرا. وأيضا أي نوع من التهديد، بفرض فكرة، أو عدم احترام غير وارد".

فيما أكد متابعون للشأن التركي على أنّ ما جرى خلال الزيارة كان العنصر المحدد في قرار الرئيس السابق بالانسحاب من السباق، مُشيرين إلى الضجة التي أحدثتها الزيارة في تركيا وما تبعها من خطوات.

وتحدثت تقارير في وسائل إعلام تركية ودولية بشأن ضغط على جول ودائرته الداخلية لعدم الترشح.

وأثارت زيارة الجنرال، خلوصي آكار اهتماما واسع النطاق داخل تركيا، وهي دولة خضعت لأربع انقلابات عسكرية ومنذ سنوات شهدت اضطلاع الجيش بدور مهم في السياسة.

وكانت قناة "خبر تورك" التلفزيونية قد تحدثت أولًا عن الزيارة الأسبوع الماضي، لكن سرعان ما تمّ إزالة هذا النبأ من موقعها الالكتروني.

واستقال رئيس التحرير، المسؤول عن هذا النبأ على الفور، مما أثار مخاوف بشأن الضغوط على الإعلام.

وتحتل تركيا المرتبة الـ157 بين 180 دولة، على مؤشر حرية الصحافة لمنظمة "مراسلون بلا حدود".

لغة التهديد

لم تصدر أي تصريحات تكذِّب ما تردد عن قيام صديق الدراسة الثانوية أكار، و"رفيق دربه القديم" كالين، خلال هذه الزيارة الغامضة، بنقل رسالة تحذيرية لعبدالله جول لحثه على "الانسحاب"، ليضعنا أمام فرضية أن يكون وراء صمت جول إقرارٌ بصحة هذا الطرح، أو أن يكون قرار الانسحاب قد اُتُخِذ رغماً عنه.

في الوقت نفسه، صدرت تصريحات منسوبة لزعيم حزب الشعب الجمهوري، كمال كليجدار أوغلو، مفادها أن الرسالة التي أُرسلت إلى جول بواسطة أكار، وكالين كانت نوعاً خطيراً من "فرض الوصاية". وقد تزامنت مع هذا تصريحات أخرى لنائب رئيس الكتلة البرلمانية، التابعة لحزب الشعب الجمهوري في البرلمان، أنجين ألتاي، قيَّم خلالها الوضع الراهن بقوله "صار الوضع أكثر سوءاً من نظام الوصاية في 28 فبراير".

أما المتحدث باسم حزب الشعوب الديمقراطي، "أيهان بيلغين"، فوصف ما يحدث بأنه "ضربة من صديق".

ولم تجد هذه التصريحات أي صدى من جانب جول، أو السلطة الحاكمة؛ بشكل عكس حقيقة تعرّض جول "للابتزاز من أجل الانسحاب".

في الوقت نفسه، أثار قول جول "ليس لدي أنا أو عائلتي أي طموحات شخصية تتعلق بالمستقبل. لم يعد الأمر بالنسبة لنا مطروحاً للنقاش"، الجدل من جديد باتجاه أن تكون "الرسالة المُرسلة إليه قد تضمنت بعض التحذيرات لعائلته نفسها"، في مشهد يعيد للأذهان سيناريو الأحداث التي تعرّض لها رئيس بلدية بالِق آسير، التابع لحزب العدالة والتنمية، أحمد أديب أوغور، مرة أخرى.

والمثير للسخرية، أن أردوغان لطالما أعلن تصديه لتدخل الجيش في الحياة السياسية، بينما استخدم الجنرالات العسكريين في نقل رسالة التهديد إلى الرئيس السابق "جول".

تكميم الأفواه

كان أردوغان قد حث، في رسالة مماثلة، أوغور الذي كان واحداً من رؤساء البلديات المنتمين لحزب العدالة والتنمية، على الاستقالة؛ تحت زعم "أنه لم يقدم جديداً". حاول أوغور أن يبدي قدرا من المقاومة في البداية، ثم ما لبث أن خرج على الصحفيين في 30 أكتوبر من عام 2017 بعيون دامعة، وخطب فيهم قائلاً:-

"قد يتعرّض المرء لضغوط تطال عائلته وبيته، وقد تصل هذه الضغوط إلى حدّ التهديد. لقد وصل الأمر إلى حالة؛ لا يمكن لأحد أن يتحملها. لم يعد لدي القدرة على ممارسة العمل السياسي من خلال حزب العدالة والتنمية؛ لذا أعلن عن وفائي بإرادتي الجزئية، الضئيلة لأمتي، مستسلماً للإرادة الكلية المهيمنة (إرادة رئاسة الجمهورية). أُعلِنُ من هنا انفصالي عن حزبي، وعن عملي كرئيس للبلدية".

يمكن القول إن أردوغان قد تدبَّر أمر جول، ولم يعد أمام جبهة التحالف، الذي يقوده حزب العدالة والتنمية الآن، سوى حزب الشعب الجمهوري. لقد دأب المتحدثون باسم الحزب الحاكم في الفترة الأخيرة على التحدث عن حزب الشعب الجمهوري، وطرح أسماء قد تترشح تحت قائمة الحزب في الانتخابات الرئاسية المبكرة.

ولم يقتصر الأمر على المتحدثين باسمهم فحسب، بل مارس أردوغان -نفسه، ومن بعده رئيس وزرائه بن علي يلدريم الضغوط على حزب الشعب الجمهوري بقوله "نحن مقبلون على انتخابات بعد أيام معدودة، كل هذا وحزب المعارضة الرئيس في تركيا لا يُحرِّك ساكنا؛ فلم يصدر عنه أية حركة أو صوت. فليكن هذا مرشحكم، أو ذاك! هل يتوجب علينا إحضار مرشح لكم من القمر أو من المريخ؟! ألا يوجد من بينكم من هو قادر على ترشيح نفسه للرئاسة؟!"،

وأعلن الخامس من مايو موعداً نهائياً للتقدم للترشح في انتخابات رئاسة الجمهورية، وفق برنامج الانتخاب، الذي وضعته الهيئة العليا للانتخابات.

وقد ركَّز المتحدث باسم حزب الشعب الجمهوري، بولنت تزجان، في قوله "نعلم يقيناً أنهم سينصبون لنا المزيد من الفخاخ على الطريق إلى 24 يونيو" خلال اجتماعٍ مع رؤساء الحزب في المحافظات المختلفة، على سيناريوهات "قطع الطريق" المتعلقة بمرشحي الرئاسة، الذين ستطرحهم المعارضة، بعد إقصاء جول.

شروط تعجيزية

ووفقا لهذا، فإن أردوغان، وحزب العدالة والتنمية سيستهدفون في المرحلة الجديدة الأسماء التي ستترشح بعد جمع 100 ألف توقيع. وتبدأ حملة جمع التوقيعات وفقاً لجدول الانتخابات المعلن من قبل الهيئة العليا للانتخابات في الأول من مايو. وتستمر في الفترة بين 4- 9 مايو وفق أسس الانتخابات وقواعدها المعمول بها في المدن.

وتعلن الهيئة العليا للانتخابات القائمة الأولية للمرشحين بحلول العاشر من مايو، إيذاناً بفتح الباب أمام تقديم الطعون. وتنتهي المدة المحددة للطعن مع حلول مساء اليوم التالي؛ أي في الحادي عشر من مايو. ثم تنظر الهيئة العليا للانتخابات في الطعون المقدمة في الثاني عشر من مايو؛ لتعلن القائمة النهائية للمرشحين على منصب رئيس الجمهورية في الثالث عشر من مايو.

وبالتالي سيكون بمقدور الحزب الحاكم أن يزرع "الألغام"، التي تحدث عنها تزجان، خلال هذه المراحل.

وفي الوقت الذي يصرح فيه زعيم حزب السعادة، تمل قره ملا أوغلو، أن حزبه سيجمع لمرشحيه 500 ألف توقيع، وليس 100 ألف فقط، نجد أن هناك تدابيرَ أخرى يجري الإعداد لها من أجل إقصاء ميرال أكشينار، ومرشح حزب السعادة عن المعترك الانتخابي في اللحظة الأخيرة، باستصدار قرار بإبطال التوقيعات، بعد انتهاء فترة الاعتراض من جانب المعارضة.

من هنا يمكن القول "إن فترة الخطر، أو "فترة الفخاخ" المحتملة هي الأيام الأربعة الواقعة بين الخامس من مايو، وآخر يوم في جمع التوقيعات، التي ستُحدِّد مصير المرشح (في التاسع من مايو).

وقد قدمت زعيمة الحزب الصالح أكشينار بعد لقائها بزعيم حزب الشعب الجمهوري، كليجدار أوغلو، الشكر له على تقديم الدعم في التأسيس لتكتلٍ في داخل مجلس النواب، ولكنها أعلنت في الوقت نفسه أنها ستلجأ لجمع المائة ألف توقيع للترشح في الانتخابات الرئاسية، بعيداً عن التكتل البرلماني مع أحزاب أخرى.

وفي حالة عدم استفادة أكشينار من دعم التكتل الحزبي داخل البرلمان حتى الخامس من مايو، فسيسقط حقها قانوناً في الاستفادة من هذا التكتل مرة أخرى؛ لأنه مع انتهاء الفترة المخصصة لجمع  التوقيعات، في التاسع من مايو، ستتخذ الهيئة العليا للانتخابات قرارها بشأن اكتمال المائة ألف توقيع من عدمه، بعد استبعاد التوقيعات المكررة، أو غير الصالحة. وإذا ما قضت باستبعاد أكشينار من الانتخابات، ستكون هذه هي الضربة الثانية، التي يوجهها أردوغان للمعارضة بعد ضربة عبد الله جول.

وسيزيد من الطين بِلة تكرار السيناريو نفسه مع مرشح حزب السعادة. وفي هذه الحالة ستكون الهيئة العليا للانتخابات هي التي استبعدت المرشحين، مستندة إلى أنهم لم يستوفوا النصاب القانوني للترشح.

ومع هذا، يمكن للحزب الصالح أن يفسد هذا المخطط باللجوء إلى طرح مرشح احتياطي من أعضاء الكتلة النيابية للحزب في البرلمان، أيتون شيراي، أو أوميت أوزداغ، أو يوسف حلاج أوغلو، في الخامس من مايو، إلى جانب حملة جمع التوقيعات الخاصة بأكشينار، التي ستبدأ في الرابع من مايو. فإذا تأكد ترشُّح أكشينار للرئاسة، حينها يمكن للمرشح البديل أن ينسحب من الانتخابات.

كما أنّ عدم تعاطي أردوغان، وتحالفه مع هذا الاحتمال، سيكون بمثابة ضربة سياسية، وضربة للديمقراطية، أمام أعين العالم بأسره، لن يستطيع أن يتحملها.

وسوف تُستوفى التوقيعات الكترونياً، وفقاً لأسس الانتخابات ولقواعدها المعمول بها في المدن، استناداً للقرارات، التي ستتخذها الهيئة العليا للانتخابات. أي أن التوقيعات سيتم إرسالها للهيئة العليا للانتخابات إلكترونياً. وسيُعطى المواطن، حال طلبه، نسخة من بطاقة التوقيع الخاصة به.

ومع هذا، يظل من الصعب للغاية فحص 100 ألف بطاقة توقيع، في مدة لا تتجاوز 24 ساعة فحسب. أضف إلى هذا أن قرارات الهيئة العليا للانتخابات حاسمة، وأنها هي نفسها الجهة التي ستقوم بتقييم الطعون التي توجه ضدها!

وفي مقابل ذلك، سيدافع أردوغان وتحالفه عن قرارات الهيئة العليا للانتخابات ضد ما يوجه إليها من انتقادات، متذرعاً بأقوال من قبيل "إن الهيئة العليا للانتخابات هي أكبر هيئة قضائية مستقلة، وأنه لا مجال للتدخل في قراراتها، بأي حالٍ من الأحوال، وأن أعضاءها من أكبر القضاة في تركيا، وأن قرارها نهائي لا رجعة فيه".

كما أن مواصلة أردوغان وتحالفه الضغط على حزب الشعب الجمهوري، بهذا الشكل، من شأنه إقصاء مرشحي المعارضة كذلك عن المشاركة في الانتخابات بيد الهيئة العليا للانتخابات نفسها في المرحلة الأخيرة، وبذلك لن يتبقى سوى مرشح حزب الشعب الجمهوري فقط. وهو الأمر الذي سيساعد أردوغان على إنهاء السباق الانتخابي من الجولة الأولى.

وفي حالة نجاحهم في نصب فخ كهذا، ستعمل أحزاب المعارضة على مناقشة مقاطعة الانتخابات، اعتماداً على مرشح حزب الشعب الجمهوري، الذي سَيُجبَرون على تمثيله لهم منفرداً في الانتخابات.

هذا وقد وجدت أحزاب المعارضة، التي انتهت هذا الأسبوع من مباحثات التحالف من أجل انتخابات النواب، ومن التخطيط لتسليم البروتوكول الخاص بها إلى الهيئة العليا للانتخابات، نفسها مضطرة إلى العمل بالتوازي مع ذلك في سباق مع الزمن؛ من أجل مراقبة ما يُحاك لها، وإزالة كافة العقبات والعوائق، وإفساد الحيل التي تُدبَّر لها.

التنكيل بالصحافة

تشير تقارير إعلامية دولية إلى أنّ وسائل الإعلام التركية ترزح في ظل القمع الذي تفرضه السلطات التركية عليها، والتي تحاول التضييق على الحريات الصحافية التي أصبحت ضحية من ضحايا التنكيل بالحريات العامة في تركيا.

في الوقت الذي تتم فيه محاكمة مئات الصحافيين المعارضين لسياسات الحكومة التركية، تصر الحكومة التركية على أن سبب سجن الصحفيين هو ارتكابهم لجرائم وليس ناجما عن أدائهم لوظيفتهم.

أصدرت تركيا، التي تمارس حكومتها السلطة في ظل حالة الطوارئ التي فرضت بعد وقت قصير من وقوع الانقلاب الفاشل عام 2016، مجموعة من القوانين الصارمة لمكافحة الإرهاب والتشهير.

وأغلقت عشرات وسائل الإعلام التركية أبوابها منذ وقوع المحاولة الانقلابية، بينما فقد المئات من العاملين بمجال الإعلام وظائفهم أو تم سجنهم.

وتقدر منظمة "مراسلون بلا حدود" أنه تم سجن 125 صحفيا بتركيا في الوقت الحالي، بينما تزيد منصة "بي 24" المعنية بالدفاع عن الصحافة المستقلة عدد الصحفيين المسجونين إلى 165.

ومثل ما يقدّر بـ 520 صحفيا أمام المحاكم التركية خلال عام 2017 وحده لمحاكمتهم بتهم مختلفة، من بينها الإرهاب والتشهير، وغير ذلك من الاتهامات وفقا لما يقوله أوندروغلو، مضيفا إنه يتوقع استمرار تعرض العاملين بوسائل الإعلام للترهيب باستخدام القانون".

وتصر الحكومة التركية على أن سبب سجن الصحفيين هو ارتكابهم لجرائم وليس ناجما عن أدائهم لوظيفتهم.

وقال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان -في بيان أصدره بمناسبة "يوم الصحفيين المشتغلين" في يناير الماضي- إن "تركيا تعد إحدى الدول الرائدة في العالم فيما يتعلق بحرية الصحافة"، وجاء بالبيان أن وسائل الإعلام يجب أن تكون قادرة على نشر الأخبار والتقارير "بدون أن تتعرض لأية قيود".

وتحتل تركيا المكانة رقم 157 في قائمة تضم 180 دولة أعدتها منظمة "مراسلون بلا حدود" في إطار "مؤشر حرية الصحافة العالمية لعام 2018"، وتراجعت تركيا بذلك مركزين مقارنة بالعامين الماضيين، كما جاءت في المرتبة التالية بعد رواندا.

أغلقت عشرات وسائل الإعلام التركية أبوابها منذ وقوع المحاولة الانقلابية، بينما فقد المئات من العاملين بمجال الإعلام وظائفهم أو تم سجنهم.



اضف تعليق