في عهد ترامب.. اليمين الإسرائيلي يعيش عصره الذهبي


١٥ مايو ٢٠١٨ - ٠١:٤١ م بتوقيت جرينيتش

رؤية - محمد عبد الدايم

صعد حزب هاليكود اليميني الإسرائيلي إلى حكم إسرائيل أول مرة عام 1977 بعد الفوز في انتخابات الكنيست التاسعة التي أسقطت اليسار الصهيوني وحزب هاعفودا، ومنذ ذلك الوقت وحتى الآن يواصل اليمين الإسرائيلي صعوده الواثق، وتربعه في صدارة المشهدين السياسي والاجتماعي في إسرائيل.

لم يختف حزب هاعفودا الممثل الرئيس لليسار الصهيوني طيلة الفترة من 1977 حتى الآن، لكنه بالتأكيد ظل يتراجع بشكل كبير حتى وصل إلى مرتبة لا تؤهله الآن للدخول في منافسة مع هاليكود وحلفائه من اليمين الديني.

رغم فضائح الفساد المتتالية التي تواجه حكومة نتنياهو، وتواجهه هو شخصيا وأفراد أسرته، فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي يتربع بأريحية أكبر على منصبه، ويقود اليمين الإسرائيلي إلى زعامة إسرائيل منفردا، دون منافسة حقيقية من اليسار الذي يتوارى يوما بعد يوم، إما لضعف عام أصاب كوادره، أو بسبب تحول اليسار نفسه إلى ذراع لليمين الإسرائيلي.






الرئيس "المجنون" هو الداعم الأكبر

اليوم أصبح نقل السفارة الأمريكية بإسرائيل إلى القدس أمرا واقعا، وكما قال المحرر الصحفي في الشئون السياسية بموقع "ماقور ريشون" إنه من حظ إسرائيل أن الرئيس "المجنون" إلى جانبها، في الإشارة إلى ترامب بالطبع، الذي ينفذ الآن وعده لإسرائيل بإعلان القدس عاصمة لها عبر نقل سفارة بلاده إلى المدينة العتيقة رغم معارضة قوى سياسية إقليمية وعالمية، ليضرب ترامب بعرض الحائط أية محاولة -ولو ضعيفة- نحو اتفاق سلام، ويدعم بشكل صريح السعي الاستيطاني الإسرائيلي نحو احتلال دائم للقدس، وإنهاء لمسألة القضية الفلسطينية بفوز إسرائيل وحدها.



جنون ترامب وصرعة إيران

لم يكتف الرئيس المجنون بنقل سفارة بلاده إلى القدس، لكنه أعلن مؤخرا انسحاب بلاده من الاتفاق النووي مع إيران، ودعا الدول الأوربية للسير على خطاه في هذا الأمر الذي سماه نتنياهو بالخطوة "الشجاعة".

وقع باراك أوباما هذا الاتفاق النووي مع إيران وظلت إسرائيل منذ ذلك الوقت تهاجم خطوة الرئيس الأمريكي السابق، حتى حقق لها الرئيس الحالي ما أرادت وألغى الاتفاق من جانبه، يُضاف إلى ذلك هذه المحاولة الإيرانية نحو السيطرة على الشرق الأوسط وكأنه جزء من إرث فارس القديم.

من حظوظ اليمين الإسرائيلي بقيادة نتنياهو أن آمال إيران التوسعية قد فاقت حدودها، لتتحرك من أجل السيطرة على العراق وسوريا واليمن، إلى جانب أنها أحد الأوصياء على حماس في غزة، مما يمنح إسرائيل فرصة ذهبية لاعتبارها عدوها الأكبر الذي يسعى لتأسيس إمبراطورية شيعية ثم تطويق إسرائيل.

مع استمرار القتال في سوريا استثمرت إسرائيل الموقف للتدخل، فتكررت الضربات الجوية لأهداف إيرانية في سوريا، وبادلتها القصف قوات إيران المتمركزة في قواعد بشار الأسد، وهو ما أعطى للعالم صورة واضحة عن مساعي إيران لافتعال حرب مع إسرائيل، لكنها تشعل لهيب الحرب من أرض سوريا بعيدا عن طهران حتى الآن.

منح وجود حزب الله وإيران في سوريا فرصة ذهبية لنتنياهو كي يقنع العالم أن طهران هي العدو الأكبر، واستطاع بمساعدة ترامب "المجنون" أن يجند قوى عالمية ضد إيران التي تتحرك بجنون هي الأخرى نحو التوسع على أراض عربية مستثمرة تدهور الأوضاع السياسية والاجتماعية.

رغم السخط الشعبي على نتنياهو وحكومته، فإن هاجس إيران يعتبر الآن فرصة ذهبية لرئيس الوزراء الإسرائيلي كي يؤكد سيطرته على الحكم، مستخدما فزاعة الصواريخ الأرض جو التي تطلقها إيران من أراضي سوريا، ويبدو أن هذه الفزاعة تحقق نجاحا كبيرا لنتنياهو، فلا حديث الآن في إسرائيل سوى عن التهديد الإيراني لها.


فتح وحماس واستمرار الشقاق الفلسطيني

مع استمرار الشقاق الفلسطيني؛ لم يعد يتوقع أحد أن تظهر القوى الفلسطينية متماسكة معا من أجل الدفاع عن الأرض والقضية، فحركة فتح تعاني ترهلا باديا منذ سنوات، ومع انتهاء مدة ولاية أبي مازن منذ 2009 ومع الأنباء عن تدهور حالته الصحية، وعلى الجانب الآخر أسلمت حماس ولاية أمرها إلى أطراف إقليمية مثل إيران وحزب الله وقطر، دون النظر للمصلحة الفلسطينية؛ يمكن القول: إن هذا المناخ السياسي الفلسطيني هو الداعم الأكبر لليمين الإسرائيلي، حتى إن النغمة السائدة في إسرائيل الآن هي انتهاء فكرة "سلام بين دولتين".




في هذه المسألة تحديدا يجد نتنياهو دعما قويا من معارضيه قبل حلفائه، فقد أعلنت أحزاب اليسار الإسرائيلي رفضها لفكرة وجود دولة فلسطينية، محملة فتح وحماس مسئولية إخفاق عملية السلام، وهكذا يربح اليمين الإسرائيلي أيضا.

لكل هذه الأسباب يتصدر نتنياهو وحزبه أي استطلاع رأي يُجرى في إسرائيل، فالرجل الأول المتهم بحفنة قضايا فساد ينال -بسياسة اليمين وبمساعدة الرئيس المجنون ودعم القوى الفلسطينية- فرصا عظيمة تؤهله لأن يصبح أحد أهم رؤساء الوزراء في تاريخ إسرائيل التي تحتفل في عهده بذكرى قيامها السبعين، وباعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة لها، وإذا أضيفت إلى هذه المكاسب السياسية الطفرة الكبيرة في مجال الاقتصاد الإسرائيلي، والتوسع التجاري مع الهند شرقا، ودول أمريكا اللاتينية غربا، ناهيك عن اكتشافات الغاز في البحر المتوسط؛ يكون اليمين الإسرائيلي إذا في عصره الذهبي، يقبض بقوة على أواصر الحكم، ويزيح اليسار جانبا.



 


بعد مرور قرون منذ العصر الوسيط وحتى الآن؛ يمكن القول: إن العصر الذهبي لليمين الإسرائيلي نعاصره الآن، فمنذ صعود حزب هاليكود الإسرائيلي للمرة الأولى إلى سدة الحكم في إسرائيل لم ينجح في حصد مكاسب سياسية مهولة كما يحصد الآن تحديدا.

وتاريخيًا مثل العهد الإسلامي في الأندلس فترة الازدهار الكبيرة لليهود خلال العصر الوسيط، حتى أنها سُميت بالعصر الذهبي لليهود، ففي ظل الحكم الإسلامي للأندلس ازدهرت حياة اليهود اقتصاديا واجتماعيا وفكريا، بل وسياسيا، نتيجة للاحتكاك بالحضارة الإسلامية الراقية آنذاك، واستمرت حياة اليهود في الازدهار تحت لواء المسلمين حتى استطاع المسيحيون السيطرة على الأندلس، وانتهى الازدهار الحضاري الإسلامي كما زال العهد الذهبي لليهود في الأندلس.



اضف تعليق