رجال واشنطن وطهران في العراق لتشكيل مرحلة ما بعد الانتخابات


١٧ مايو ٢٠١٨ - ١٠:٤٤ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية

جاءت النتائج كالصاعقة على إيران وأثارت مخاوفها نوعا ما بعد أن أبعد تيار "سائرون" المتصدر للمشهد الانتخابي دولة القانون من هذه التشكيلة المزمع تبنيها في الأيام القادمة. وقد أكد أمس، زعيم التيار الصدري الفائز في الانتخابات العراقية التوجه لحكومة تكنوقراط توفر رزقًا للشعب.

وكتب الصدر الإثنين الماضي في تغريدة: "إننا (سائرون) بـ(حكمة) و(وطنية) لتكون (إرادة) الشعب مطلبنا ونبني (جيلا جديدا) ولنشهد (تغييرا) نحو الإصلاح وليكون (القرار) عراقيًا فنرفع (بيارق) (النصر) ولتكون (بغداد) العاصمة وليكون (حراكنا) (الديمقراطي) نحو تأسيس حكومة أبوية من (كوادر) تكنوقراط لا تحزب فيها".

بينما المشهد كذلك، تحدثت مصادر الثلاثاء الماضي، عن تواجد قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني في المنطقة الخضراء ببغداد. وأشارت المصادر إلى أن سليماني موجود لإجراء حوارات مع رئيس دولة القانون نوري المالكي ورئيس ائتلاف الفتح هادي العامري إضافة إلى قياديين في هيئة الحشد الشعبي لتشكيل الكتلة الأكبر في مجلس النواب وعزل زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر ورئيس ائتلاف النصر حيدر العبادي في حال امتناع الأخير عن الالتحاق بالتحالف الذي تسعى إيران لتشكيله.

وبالتزامن مع زيارة سليماني إلى العراق، كان مبعوث الرئيس الاميركي "بريت ماكغورك" يجري مباحثات لحل المشكلات العالقة في اربيل مع رئيس حكومة اقليم كردستان قبل أن يتوجه إلى بغداد وخاصة بعد عدم الرضى والرفض لنتائج الانتخابات من قبل أطراف وأحزاب مشاركة في العملية السياسية.

المراقبون لا يستبعدون أن يكون كلاهما اجتمعا سراً في بغداد لتبادل الأفكار في كيفية النجاح في مهمتها التي تضمن تشكيل الحكومة المقبلة بسلام.

وقد أكد رئيس حكومة إقليم كردستان العراق نيجرفان بارزاني، أن مبعوث الرئيس الأمريكي، أبلغه برغبة واشنطن في تشكيل حكومة عراقية تخدم الجميع.

إلى بغداد

وقد أنهى المبعوث الرئاسي الأمريكي بريت ماكغورك زيارة إلى أربيل وبدأ جولة جديدة في بغداد اليوم للقاء الزعماء العراقيين. والتقى الخميس بنائب الرئيس العراقي زعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي.

وقال بيان أصدره مكتب المالكي ونشر على الإنترنت إن "الشعب العراقي يتطلع إلى تشكيل حكومة قوية قادرة على تحقيق طموحاته المشروعة".

ويريد المالكي العودة إلى الساحة السياسية من جديد بعدما تعرض للعزل في أعقاب الهجوم الذي شنه داعش واستولى خلاله على ثلثي مساحة البلاد عام 2014.

وبحسب النتائج غير النهائية حل ائتلاف دولة القانون بزعامة المالكي في المرتبة الخامسة على عكس ما كان يتوقعه أنصار المالكي في الانتخابات.

ويسعى المالكي للعودة لمنصب رئيس الوزراء مرة أخرى وهي خطوة يعارضها الفائزون في الانتخابات وبخاصة مقتدى الصدر الذي يدعم ائتلاف سائرون.

وقال المالكي للمبعوث الرئاسي الأمريكي إن "مرحلة ما بعد الانتخابات ستكون مرحلة بناء وإعمار ورفع مستوى الخدمات لاسيما في المناطق التي تضررت من جراء الحرب على الإرهاب" في إشارة إلى المدن التي سقطت بقبضة داعش في فترة حكمه.

وجاء لقاء ماكغورك بالمالكي بعد نحو يومين على لقاء قائد المهمات الخارجية في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني بالزعماء الشيعية ومنهم المالكي.

وتريد طهران تشكيل حكومة تحظى بدعمها في الوقت الذي تميل فيه واشنطن إلى إعادة ترشيح العبادي لفترة ثانية. وهذه التجاذبات قد تطيل أمد تشكيل الحكومة.

ويخشى كثير من العراقيين من أن تصبح بلادهم ساحة للصراع بين طهران وواشنطن في ظل التوتر القائم بينهما على خلفية الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي الإيراني.

ولا يحظى المالكي بشعبية في المناطق السنية مقارنة بخلفه حيدر العبادي الذي حل في المرتبة الثانية متقدما بفارق ضئيل على تحالف الفتح بزعامة هادي العامري.

ومن المستبعد أن يتحالف العبادي مع المالكي أو العامري لكنه قد يكون الأقرب إلى التحالف مع ائتلاف "سائرون" الذي يدعمه الصدر والشيوعيون.

محاولة لإصلاح الصورة

أصبح واضحا للجميع ملامح العملية السياسية القادمة في العراق وأوجه الكتل والأحزاب السياسية الفاعلة فيها ودورها في قيادة القرار السياسي في العراق لأربع سنوات قادمة في خامس حكومة بعد الغزو الأمريكي للعراق، وبعد إعلان مفوضية الانتخابات تقدم تحالف (سائرون) على جميع المشاركين من الأحزاب والكتل السياسية في الانتخابات بحيث أصبح لزاما على جميع الساعين لدور سياسي قادم أن يبدأوا مشاوراتهم ولقاءاتهم للبدأ بتكوين تحالفات سياسية واسعة توصلهم للكتلة الأكبر في مجلس النواب ليكون لديها الأفضلية في الترشيح لرئاسة الوزارة في العراق وتقسيم فعالية العمل القادم في الوزارات والمؤسسات الحكومية.

المشهد السياسي العراقي أصبح معقدا بتقارب عدد المقاعد الانتخابية التي تمكنت كل كتلة من الحصول عليها، فنحن أمام تحالفات ثنائية أو ثلاثية ولكل منها وجهتها وعلاقاتها العربية والإقليمية والدولية وجميعها تسعى لجني ثمار سعيها ونشاطها السياسي في اعتلاء منصة القرار السياسي العراقي بعد أشهر من التحالفات واللقاءات والنشاطات الانتخابية التي أسست لمرحلة جديدة في العراق ومن الممكن أن يكون لها انعكاساتها الميدانية على طبيعة الأحداث الجارية في العراق والمنطقة العربية ومسايرتها للواقع الميداني الذي يعيشه أبناء المنطقة.

بدأت ملامح الائتلافات والتحالفات تدخل حيز التنفيذ بلقاءات بين قادة الكتل وأحاديث وإشارات هنا وهناك عن طبيعة الكتلة الكبيرة القادمة تقودها (سائرون) التي يسعى الجميع للتحالف معها أو الابتعاد عنها لتشكيل محور مضاد ضد تطلعاتها وإنجازاتها الانتخابية.

هناك صراعا سياسيا واضحا ابتدأ قبل الانتخابات بين كتلتي (سائرون والفتح) ولكل منهما توجهاتها وأرتباطاتها وأهدافها وأصبح الأمر أكثر وضوحا بعد نتائج الانتخابات وسعي كل منهما لأيجاد أئتلاف كبير يساعده على التحكم بالقرار السياسي في العراق.

وهنا برز التأثير والتدخل والنفوذ الدولي  والإقليمي متمثلا بالإدارة الأمريكية والنظام الإيراني لأهمية العراق بالنسبة للطرفين في أدامة مصالحهما ومشاريعهما السياسية والحفاظ على توازنهما في المنطقة فلكل من واشنطن وطهران أهداف تسعى لها وتحاول الحفاظ عليها وإدامتها بما يشكل لها عمقا أستراتيجيا تتحكم فيه بالآحداث القادمة في المنطقة في ظل التصاعد والخلاف السياسي بين أمريكا وايران.

توجه مبعوث الرئيس الأمريكي (بريت ماكغورك) إلى بغداد يوم 13 مايو /آيار الحالي أي بعد يوم واحد من انتهاء عملية الانتخابات وظهور ملامح النتائج الآولية لها ومعرفة الإدارة الأمريكية بتراجع تحالف (النصر) الذي يحظى باهتمامها وبدأ نشاط (ماكغورك) بعدد من اللقاءات والمشاورات مع رؤوساء الاحزاب والكتل السياسية العراقية ومحاولة رسم ملامح المرحلة السياسية القادمة وإيجاد تحالفات سياسية تفضي إلى دعم وإسناد العبادي في ولاية ثانية وهنا كانت الأدوات الإيرانية تراقب وتتابع عن كثب هذه المحاولات الأمريكية وتعلم حقيقتها وأهدافها فكان القرار الإيراني بتوجه (قاسم سليماني ) إلى بغداد يوم 15 آيار/مايو الحالي ليبدأ مرحلة جديدة وحاسمة من اللقاءات مع العديد من الكتل والأسماء المدعومة من طهران وأجهزتها ومؤسساتها وكانت باكورة هذه اللقاءات مع نوري المالكي الخاسر الأكبر في نتائج الانتخابات ولكنه يعتبر الحليف الاستراتيجي لإيران في العراق لتقويم عملية الانتخابات ونتائجها ومحاولة إيجاد عامل مشترك يجمع جميع الأحزاب والكتل السياسية الشيعية للوصول إلى هدف تسعى إليها إيران باستمرار سيطرتها ونفوذها في العراق بتكوين الكتلة الأكبر في المرحلة السياسية القادمة ولتبقي رئاسة الوزارة العراقية تحت هيمنتها وتأثيراتها.

إن التدخلات الإيرانية هي واقع حال لما أفرزه الغزو الأمريكي للعراق وإطلاق العنان والتغاضي عن عملية التمدد والزحف الإيراني تجاه العراق وأعتباره ممرا أساسيا لتحقيق المشروع الإيراني في المنطقة العربية، نحن أمام صراع سياسي ميداني أمريكي-إيراني في العراق وكلاهما يبحث ويسعى للحفاظ على مصالحه فيه والتمركز بشكل واسع لتحقيق مشاريعه السياسية.

وتبقى العملية السياسية في العراق رهينة التجاذبات الدولية والإقليمية وعلى الجميع أن يدرك هذه الحقيقة.

المصدر: رؤية - مركز الروابط للدراسات


اضف تعليق