جسر القرم.. "قلب العالم" في قبضة الدب الروسي


١٧ مايو ٢٠١٨ - ١٢:٠٠ م بتوقيت جرينيتش

هدى إسماعيل

العقوبات الدولية العصا التي طالما داعبت بها القوى الدولية بوتين ولكن الدب الروسي لم يستسلم لذا كانت جزيرة القرم هي الرد على التهديد الدائم ، فقد افتتح بوتين الجسر الجديد الذي يربط القرم بروسيا قائدا بنفسه شاحنة برتقالية اللون ليكن بذلك أطول جسر في أوروبا ، تقدمته طابور شاحنات روسية ، في رسالة صريحة لكل من أوروبا وأوكرانيا والولايات المتحدة بأن بوتين سيعود بالقوة الروسية إلى عصر الإمبراطورية السياسية والاقتصادية.

تهديد بالنسف




نشرت صحيفة "واشنطن أيكسمينير" مقالا تحت عنوان "يجب على أوكرانيا نسف جسر بوتين بالقرم "، يصف صاحب المقالة "توم روغان"، جسر القرم بأنه "إهانة فاحشة لجوهر أوكرانيا كدوله"، ويقترح أن تدمر عناصر هذا الجسر، ويشير صاحب المقالة إلى أنه، لحسن الحظ يمكن للقوات الجوية الأوكرانية، أن توجه ضربات جوية على الجسر بطريقه تجعله غير صالح للاستعمال، مؤقتا على الأقل، وأن طول الجسر الكبير سيقلل من خطر الضحايا، بين الناس الذين يمرون عليه.

ووفقا لما ذكره صاحب المقالة، فإن تعطيل الجسر سيؤدي بالتأكيد إلى تصعيد الوضع، ولكن كييف سترسل "إشارة واضحة" إلى موسكو بأن الأوكرانيين لن يسمحوا بالتعدي على أراضيهم".

إدانات دولية




خلال فترة بنائه مارست الدول الأوروبية وأمريكا سياسة فرض العقوبات على الجهات المشاركة فى بناء الجسر، وخصوصًا حليف بوتين رجل الأعمال "أركادى روتنبرج" الذي فازت شركته بعقد البناء.

وبعد البناء دانت القوى الغربية الأوروبية الأعضاء في حلف "الناتو" القرار الروسي، إضافة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، التي وصفت الخطوة التي أقدمت عليها موسكو، بأنها "خرق للقانون الدولي وعدوان على دولة مستقلة"، و"يجب التراجع عنها"، لكن في المقابل، تفهمت الصين التحرك الروسي وأعلنت أن "موقف الجانبين "الروسي والصيني" متطابق ومتفق".

رسالة موسكو كانت مباشرة إلى واشنطن  مفادها أن أمن البحر الأسود "خط أحمر"، وأن لا شيء يمكن أن يقف في وجه الحلم الروسي التاريخي بالسيطرة على موطئ قدم للوصول إلى "المياه الدافئة" في البحر المتوسط، عبر مضيق الدردنيل والبوسفور، وأن على الولايات المتحدة أن تكف عن تقديم المساعدات المالية لأوكرانيا، الحديقة الخلفية لروسيا.

رئيس الوزراء الأوكراني فولوديمير جرويسمان  قال إن "المحتل الروسي يستمر في انتهاك القانون الدولي"، متوعداً موسكو بـ "دفع الثمن غالياً جداً"، فيما دانت فرنسا تشييد جسر اعتبرته "يساهم في حرمان أوكرانيا من الوصول إلى مياهها الإقليمية المعترف بها دولياً، واستخدامها".

الجسر أمام العقوبات 




يقول "ألكسندر فيدروسوف" في مقال نشرته "إزفستيا" الروسية حول دور البنية التحتية في التكامل بين شبه جزيرة القرم وروسيا الأم، ومساهمة الشركات الغربية في بناء جسر القرم الأطول في أوروبا.

جاء في المقال: افتتح رئيس روسيا مع قيادة شبه جزيرة القرم الجزء الخاص بالسيارات من جسر القرم، فمنذ هذه اللحظة سيتمكن هذا البناء الضخم، الذي أُنجز إنشاؤه قبل موعده المقرر بستة أشهر، من نقل ما يصل إلى 40 ألف سيارة في اليوم، ويخطط لفتح خط الشاحنات في الخريف.

وأضاف المقال: "يجب إدراك أن أوكرانيا قد فعلت كل ما في وسعها بالمعني الحرفي لتحويل شبه جزيرة القرم إلى "قطعة معزولة"، فحصار النقل والطاقة وحتى الحصار المائي، حوّل القرم إلى جزيرة شبه معزولة" ، حيال ذلك، لم يبق أمام روسيا سوى دمج شبه الجزيرة عضويا مع بنيتها، وكان حل هذه المهمة صعباً للغاية، من دون إنشاء معبر نقل كامل، بدلاً من الاعتماد على العبّارات الخاضعة لتقلبات الطقس.

ويشير الكاتب: "أما من الجانب الدولي فقد شكل بناء الجسر خطوة هامة نحو إبطال العقوبات ضد روسيا بحكم الأمر الواقع، زد على ذلك، فإن الشركات الأجنبية لم تكتف بتجاهل عقوبات الغرب ضد شبه جزيرة القرم، إنما فعلت ذلك بشكل علني، بل شبه استعراضي: فقد طبعت هذه الشركات شعاراتها بحجم كبير على معدات البناء، سعيا إلى تأكيد مشاركتها النشطة في هذا المشروع العملاق".

لماذا جزيرة القرم ؟




على مدى التاريخ كانت القرم ملتقى للمصالح الاستراتيجية لدول عدة، في مقدمتها روسيا وتركيا، ودخلت إمارة القرم تحت السيادة الروسية عام 1783، في زمن حكم الإمبراطورة "كاثرينا" الثانية بعد انتصار روسيا على الدولة العثمانية.

وفيما بعد أصبحت شبه الجزيرة مسرحًا لمعارك شرسة في كل من الحرب الشرقية، التي خاضتها روسيا ضد تحالف بمشاركة كل من تركيا وبريطانيا وفرنسا، وفي الحرب العالمية الثانية، كانت مدينة سيفاستوبول، المقر التاريخي لقواعد أسطول البحر الأسود الروسي، في كلتا الحربين.

ومنذ تفكك الاتحاد السوفييتي عام 1991 وتقاسم أسطوله في البحر الأسود بين روسيا الاتحادية وأوكرانيا التي هي في الأصل الوريث الشرعي لشبة جزيرة القرم بموجب قرار إداري بتسليمها إلى أوكرانيا السوفييتية عام 1954 ، وفي الوقت ذاته أصبح بقاء الأسطول الروسي في القرم مشروطا وأمر شائكا بين موسكو وكييف، وتم تحديد وضع الأسطول القانوني من خلال سلسلة من الاتفاقيات بين الجانبين.

في عام 2004 قادت القوى المناهضة لروسيا في أوكرانيا مطالبات بإنهاء بقاء الأسطول الروسي في القرم، لكن الاتفاقية التي وقعها رئيسا البلدين في مدينة خاركوف الأوكرانية عام 2010 مددت مدة مرابطة الأسطول الروسي حتى عام 2042، مقابل دفع روسيا مبلغا مقداره 100 مليون دولار سنويا كأجرة لقواعدها البحرية في سيفاستوبول.

واُتى الانقلاب الأوكراني ليطيح بآمال روسيا فمن وصل للحكم بعد الانقلاب أعداء لروسيا، ليثير هذا الأمر بين جدران الكرملين ليكون شعب جزيرة القرم هم الوسيلة للخروج الآمن فقد دفعت روسيا الحراك الشعبي للانقلاب على الحكم الأوكراني والمطالبة بالانفصال ، وتقبل روسيا انضمام القرم لها .

قلب العالم




إصرار روسيا على الإقدام على تلك الخطوة جاء من أهمية شبة جزيرة القرم ، إذ تشكل كل من "بيلاروسيا- أذربيجان- أرمينيا- مولدافيا- جورجيا - أوكرانيا" الفضاء الحيوي لروسيا الاتحادية، اقتصاديا وعسكريا، فضلا عن أنها المدخل الأساسي للاتحاد الأوروبي نحو هذه البقعة الجغرافية التي تسمى "قلب العالم"، كون من يحكم شرق أوروبا يهيمن على منطقة القلب، ومن يحكم منطقة القلب"روسيا"، يسيطر على الجزيرة العالمية "أوراسيا"، ومن يحكم الجزيرة العالمية يسيطر على العالم كله"، وذلك حسب وصف مؤسس علم الجغرافيا السياسية البريطاني "هارولد ماكيندر"، هذا يفسر مدى ارتباط المصالح الحيوية الروسية بهذه الدول التي تتشارك نصفها حدودا جغرافية مع إيران، والباقي مع تركيا.

لا يمكن لبوتين أن يترك الاتحاد الأوروبي، يلعب في حديقته الخلفية، وعلى الغرب أن يتفهوا جيدا أن مصير أوكرانيا هو أن تكون جسراً للتواصل بين الغرب وروسيا، وليس موقعاً للتجاذب والاستقطاب.



اضف تعليق