الاتفاق النووي الإيراني.. عندما يغرد الأوروبيون خارج السرب الأمريكي


١٧ مايو ٢٠١٨ - ٠٦:٣١ م بتوقيت جرينيتش

حسام السبكي

يبدو أن حالة التنافر في العلاقات الأمريكية الأوروبية، آخذة في التصاعد في الآونة الأخيرة، مع رفض متزايد للسياسة الإقصائية والحمائية التي تتخذها الإدارة الأمريكية الحالية، وقد بدا ذلك جليًا فيما يتعلق بالسياسة التجارية الأمريكية الجديدة مع الدول الأوروبية، فباتت أوروبا على موقفٍ موحدٍ، رافض للابتزاز الأمريكي، وساعيًا إلى الاستقلالية، متخذًا طريقه نحو المواجهة الشاملة.

الاتفاق النووي الإيراني، كان الحلقة الجديدة، من حلقات المواجهة الأوروبية الأمريكية، التي رأت فيها القارة العجوز، فرصة لكبح جماح الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب"، الطامع إلى تنفيذ الأجندة الصهيونية على المنطقة والعالم، ولا أصدق على هذا من قراره المشين، بالاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الغاصب، تلاه قرار الانسلاخ من الاتفاق النووي المبرم مع الإيرانيين قبل نحو 3 أعوام.

 نقطة نظام أوروبية

بالاجماع، قرر القادة الأوروبيون اليوم، في اجتماعهم الذي احتضنته العاصمة البلغارية "صوفيا"، التغريد خارج السرب الأمريكي، والالتزام بمقررات الاتفاق النووي المبرم بين مجموعة 5+1 وإيران في عام 2015، مخالفةً بذلك المزاج الأمريكي، الذي قرر الانسحاب المفاجئ من الصفقة، لعدم جداوها.

فقد صرح "دونالد توسك"، رئيس المجلس الأوروبي، خلال مؤتمرٍ صحفي على هامش قمة الاتحاد الأوروبي، بأن قادة الاتحاد قرروا بإجماع الآراء، احترام الاتفاق النووى الإيرانى طالما التزمت به طهران.

وعلى الرغم من كون الاتفاق النووي مع إيران "ليس مثاليًا"، بحسب ما صرحت به المستشارة الألمانية "أنجيلا ميركل"، إلا دول الاتحاد الأوروبي قررت الإبقاء عليه والمواصلة فيه، مع استمرار المفاوضات مع الإيرانيين بشأن "الصواريخ الباليستية"، والأوضاع الإقليمية.

وفي نفس الإطار، أشار الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" أن أولويات بلاده في الحفاظ على الاتفاق النووي الإيراني، تأتي في المقام "الجيوسياسي" أولًا، بهدف تفادي التصعيد في منطقة الشرق الأوسط، والعمل على استقرار الدولة الإيرانية، والمساهمة في الانفتاح من جانبها.

وشدد "ماكرون"، على أن الاتحاد الأوروبي قرر الحفاظ على الاتفاق النووي، ووضع مصالح دوله في المقدمة، مضيفًا أن القارة العجوز ينبغي أن تكون موحدة بشكل أكبر وتتمتع بالسيادة في القرارات والإجراءات المتخذة في هذا الشأن وغيره.

المصالح الأوروبية أولًا

وعلى ذكر المصالح الأوروبية، والاقتصادية منها على وجه الخصوص، فقد أبدى القادة الأوروبيون امتعاضًا وانتقادًا صارخًا، للسياسة الأمريكية الساعية لفرض العقوبات الصارمة على النظام الإيراني، بما فيها الشركات الأوروبية العاملة داخلها، ضمن إجراءات ما بعد الانسحاب من الاتفاق النووي.

في هذا الإطار، أوضح "جان كلود يونكر"، رئيس المفوضية الأوروبية أن الاتحاد الأوروبي، قرر إطلاق عملية تهدف لحماية الشركات الأوروبية التي تعمل داخل من إيران، من سيف العقوبات الأمريكية، مشددًا على أن أوروبا تريد حقها الكامل في الرسوم الجمركية التي فرضتها الولايات المتحدة على التجارة.
وأكد الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون"، في هذا السياق أيضًا، أن القمة الأوروبية عبرت عن رؤية واضحة مفادها تعذر إجراء أي مفاوضات عميقة مع الولايات المتحدة في مجال التجارة، مالم تتم إعفاء الدول الأوروبية من هذه الرسوم.

وفي خضم التحركات الأوروبية ضد العقوبات الأمريكية، أعلن "يونكر"، أن الاتحاد الأوروبي يستعد غدًا الجمعة لإطلاق حزمة من الاجراءات الهادفة للتصدي للعقوبات الأمريكية المفروضة على إيران، في مقدمتها تفعيل القانون الخاص بمنع الشركات الأوروبية من الالتزام بالعقوبات الأمريكية، ولا تعترف بأية أحكام قضائية تضع تلك العقوبات محل التنفيذ.

وفي هذا الصدد، أشار رئيس المفوضية الأوروبية: "لدينا كمفوضية أوروبية التزام بحماية الشركات الأوروبية. نحن في حاجة الآن إلى التحرك، ولهذا نحن ندشن عملية تفعيل (قانون الحجب) الذي يعود إلى عام 1996. سنقوم بذلك صباح غد في الساعة العاشرة والنصف"، مضيفًا: "قررنا أيضا السماح لمصرف الاستثمار الأوروبي بتسهيل استثمارات الشركات الأوروبية في إيران. المفوضية نفسها ستواصل تعاونها مع إيران".

قبلة حياة جديدة للإيرانيين

يبدو أن التصريحات القوية، التي أطلقها الساسة البارزين في إيران، واللقاءات المكثفة، التي عُقدت مع القادة الأوروبيين، أتت بثمارها أخيرًا، بمباركة أوروبا للاتفاق النووي، وتجديد الثقة به، متحديةً بذلك الولايات المتحدة نفسها، ومقررة تغليب مصالح دول الاتحاد الأوروبي.

ولعل اللقاء الأخير الذي جمع "فيديريكا موجريني"  المفوضة العليا للسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، ووزير الخارجية الإيراني "محمد جواد ظريف"، أصدق دليل على ذلك، حيث توصل الجانبان إلى ضرورة الالتزام بالاتفاق النووي الموقع في 2015، خصوصًا مع إلتزام طهران به، واعتباره الوسيلة الأفضل لتحقيق المصالح العليا لكلا الطرفين.

وفي هذا تحدث "ظريف"، أنه عقد اجتماعًا بناءً مع موجيريني، الثلاثاء الماضي، وإنه متفائل من أن الاتفاق النووى يمكن أن يحفظ مصالح إيران رغم انسحاب الولايات المتحدة.

وعلى ذكر التصريحات، فقد سبق القرار الأوروبي اليوم بأيام، تصريحات قوية من قبل القادة الإيرانيين، كان في طليعتها، ما أكده "علي أكبر صالحي" رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، على ضرورة تعويض الاتحاد الأوروبي النتائج المترتبة على الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي، محذرًا في الوقت نفسه من أن بلاده ستضطر لنقل برنامجها النووي نحو مستويات أكثر تقدمًا مما كان عليه قبيل الاتفاق.

كما صرح الرئيس الإيراني "حسن روحاني"، أن بلاده ستبقى في الاتفاق النووي الإيراني، طالما حقق المنفعة المتبادلة، مطالبًا الاتحاد الأوروبي بالوقوف في وجه التحركات الأمريكية المفتقرة للشرعية والمنطق، على حد تعبيره.


اضف تعليق