شهداء العودة في فلسطين.. دماء زكية تحكي بطولات النضال


١٨ مايو ٢٠١٨ - ٠٨:٥٨ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية - محمد عبد الكريم

غزة – نفضت غزة عنها غبار جمعة العودة، وشيعت شهداء الجمعة الأخيرة الـ62 بعد أن تسربلت بسواد الحداد، إلا أن خلف كل شهيد منهم حكاية وقصة، تروي عمق المأساة ومرارة الحرمان التي يمر بها أهالي قطاع غزة، الذين اجتمع عليهم الحصار، والاحتلال، والفقر، والقتل.
 
 
شهيد يتبرع بدمه وهو حي لينقذ جريحًا كاد أن يموت

فدى معتز النونو بدمه فلسطين حيا وميتًا، فقد كان قبل استشهاده أحد مئات الشبان الذين اصطفوا أمام مستشفى الشفاء بغزة للتبرع بدمائهم، للجرحى وللمصابين الذين تخطوا الآلاف خلال الأسابيع الأخيرة احتجاجًا على نقل السفارة الأمريكية في إسرائيل إلى القدس المحتلة.

معتز الشاب العشريني، لم يكن يعلم أن دماءه التي أنقذت جريحا، ستسيل لاحقا، دون يقدر أحد على انقاذه هو من رصاص الاحتلال ليرتقي بعدها بيومين شهيدا، في الاحتجاجات قرب الحدود مع فلسطين المحتلة لعام 48.
 
قصة معتز لا تنتهي هنا، فبعد وصوله جريحًا إلى مستشفى الشفاء، تفاجأ شقيقه معتصم وهو أحد الأطباء العاملين في المستشفى، بوصول شقيه معتز جريحا وهو في خضم عمله بين دماء آلاف الجرحى الذين توافدوا إلى المستشفى من خط المواجهة مع الاحتلال.
 
حاول الأخ إسعاف أخيه لكن النهاية كانت محتومة وبات معتز النونو شهيدًا جديدًا يضاف إلى قائمة عشرات الشهداء في ذلك اليوم.




الملاك الشهيد
 
فيما يتسابق الأطفال في كل العالم للحصول على أجمل الألقاب، أطلق على الرضيعة ليلى الغندور (8 شهور)  لقب "الملاك الشهيد"، والتي استشهدت خنقاً بفعل قنابل الغاز السّام الملقاة من طائرات العدو الإسرائيلي، بينما كانت تحبو في إحدى خيام العودة.
 
وتقول مريم الغندور والدة الرضيعة ليلى وهي تمسح دموعها، أنها لم تكن برفقة طفلتها في المسيرات، حيث مكثت في المنزل لمرض ألمّ بها، وأن شقيقها الصغير عمار البالغ من العمر 13 عاماً، هو من أخذها دون علمها، ووضعها إلى جانب والدتها (جدة الطفلة)، التي كانت مشاركة في المظاهرات السلمية.
 
وتضيف أن الرضيعة ليلى كانت مبعث بهجة وسرور في المنزل، وكانت تبتسم لكل من يراها وتداعبه. وتحمّل الوالدة مريم إسرائيل المسؤولية الكاملة عن استشهاد طفلتها ليلى، بالاختناق جرّاء استنشاق الغاز المدمع؛ والمحرم دولياً.





وأما الجدة هيام عمر (37 عامًا)، التي كانت مشاركة في المسيرات، فتؤكد أن الجيش الإسرائيلي كثّف من إطلاق النيران وقنابل الغاز رغم وجود أطفال في مسيرة العودة.
 
وأثناء حالة التصعيد التي شهدها مخيّم العودة الحدودي، حمل ابنها عمار الرضيعة ليلى بين ذراعيه خوفاً عليها، وبدأ بالركض نحو والدته (جدة الطفلة) كي تحميها من الغاز المنبعث من القنابل الإسرائيلية.
 
لكنه لم ينجح في ذلك، واستنشقت الرضيعة الغاز، كما تروي الجدّة التي حضنت ليلى بين ذراعيها وحاولت أن تحميها من الوحشية الإسرائيلية.
 
حينما عادت الجدة إلى بيتها الكائن في حي الصبرة بمدينة غزة، تغيّر لون الرضيعة للون الأزرق، حسبما ذكرت، فهرعت إلى المستشفى، لكن الطبيب أخبرهم أن الرضيعة استشهدت جرّاء استنشاقها للغاز.





الشهيد ابو صلاح يلحق بقدميه الى الجنة
 
في 14 مايو عام 2008، كاد الشاب الفلسطيني فادي أبو صلاح (30عامًا)، أن يفقد حياته، بعد تعرضه لقصف جوي إسرائيلي، نجا منه بأعجوبة، لكنه فقد طرفيه السلفيين بالكامل.
 
وفي نفس اليوم، وبعد 10 سنوات كاملة، (14 مايو/ أيار 2018) تعرض المقعد الفلسطيني، لرصاصة من قناص إسرائيلي في صدره، خلال مشاركته في مسيرات العودة الكُبرى على حدود غزة، أودت بحياته على الفور.
 
زوجة الشهيد، آمنة أبو صلاح، أُصيبت بالصدمة ولم تصدق ما الذي حلّ بزوجها، فلم تكن تتصور أن يقدم الجيش الإسرائيلي على إعدام رجل معاق، يعتلي كرسي متحرك (دراجة خاصة)، ولا يشكل أدنى خطر عليه.
 
وتقول: كنت أشارك مع زوجي وأطفالي باستمرار في مسيرات العودة، ولا يكاد يمر يوم إلا ونكون في مخيم العودة، وتعرضنا للاختناق بالغاز، واستهدف جيش الاحتلال دراجته التي تقله إلى هناك بقنابل الغاز أكثر من مرة".
 
وتشير الزوجة المكلومة إلى أن مشاركة زوجها المقعد “فادي” في مسيرات العودة رغم فقدانه طرفيه بالكامل، كان بهدف “إغاظة الاحتلال، والتأكيد على مدى تمسكنا بأرضنا ووطننا وقدسنا، ورسالة للعدو بأن أرواحنا فداء للمسجد الأقصى”.
 
وتضيف: “كنت بالمنزل مع أطفالي، وعند موعد الغداء اتصل عليّ، وأخبرني أنه لن يتمكن من الحضور (..) بعدها بقليل اتصل عليّ شقيقه وأخبرني باستشهاده".
 
وتكمل باكية: لم أصدق وخرجت مسرعة للمستشفى ولم يفدني أحد بمصيره، حتى رأيت شقيقه الآخر يقود دراجته الفارغة، فانهرت بالبكاء وأيقنت أنه استُشهد.
 
وسبق للجيش الإسرائيلي أن أعدم فلسطينيا معاقا، هو إبراهيم أبو ثريا، قرب السياج الحدودي، في حادثة تكاد تتطابق تفاصيلها مع قصة فادي أبو صلاح الذي كان يحتج على نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس.
 
فأبو ثريا، الذي قتله الجيش الإسرائيلي في 15 ديسمبر/كانون أول الماضي، برصاصة أطلقها قناص على رأسه مباشرة، قرب السياج الحدودي شرق مدينة غزة، كان يحتج على اعتراف الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل، وسبق أن فقد طرفيه السفليين في غارة إسرائيلية وقعت كذلك في ذات العام الذي أصيب فيه “أبو صلاح”، وهو 2008.





الشهيد المبتسم
 
لاقت صورة الشهيد المعتصم بالله فوزي أبو لولي (19 عامًا) تفاعلًا واسعًا في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، وذلك بعد أن بدا ضاحكًا بعد استشهاده.
 
وارتقى أبو لولي شهيدًا بعدما قنصه جنود الاحتلال بطلق ناري في رأسه، في أثناء مشاركته في مليونية العودة، أول من أمس، وشيع جثمانه في ذات اليوم.
 
"هو شاب ملتزم وطيب الأخلاق أحبه جميع من عرفه في مخيم الشابورة (رفح) والحارة التي يسكن فيها، تقول والدته.
 
الوالدة المكلوم تلقت خبر استشهاد نجلها بصعوبة لكنها لم تتفاجأ به، كون نجلها كان لحوحا في طلب الشهادة ودائم الحديث عن الشهداء وكراماتهم.
 
وتضيف: منذ انطلاق مسيرة العودة 30 مارس/ آذار شارك في فعالياتها بشكل يومي شرق رفح، وقد أصيب خلالها مرتين، إحداهما بالرصاص المغلف بالمطاط في قدمه، وأخرى في يده.
 
وتتابع أبو لولي: "قضى ابني ليلة السبت الأحد عند جدته المريضة يقدم لها المساعدة، وخرج من بيتها وهو يغني بكرا شهيد، بكرا شهيد، ومساء الأحد ودعني للذهاب لمخيم العودة، وظننت حينها أنه سيعود كما كل مرة يذهب فيها نحو مخيمات العودة"، لافتة إلى أنه بات تلك الليلة في المخيم استعدادا لمليونية العودة.
 
وعند سؤالها عن سر ابتسامته بعد استشهاده، قالت والدته: "كان مشتاقا للجنة وكان يخبرني دائما أنه يريد الشهادة، لذلك هو مبتسم".





اضف تعليق