واعمل ليلاتي هوليلة تلاتين ليلة


٢٠ مايو ٢٠١٨ - ٠٦:١٤ م بتوقيت جرينيتش

رؤية - شيرين صبحي

"يا مسحراتي دقلنا تحت الشباك/ سمعنا واسهر خلينا نتلف معاك/ واعمل ليلاتي هولّيله تلاتين ليله حلوه جميله".. ما زالت صورة المسحراتي التي انطبعت في أذهاننا صغارا لها رونقها الخاص على مر الزمان، رغم أن البعض يعتقد أن هذه المهنة أصبحت أشبه بالتراث أو الفلكلور الشعبي، لكن الكثير ممن يقومون بها لا يعتبرونها مهنة بل وهبة منهم لوجه الله تعالى لذلك يتمسكون بأدائها رغم عدم اعتماد الناس عليها مؤخرًا حيث يمتد السهر في ليالي رمضان حتى صلاة الفجر، أو الاعتماد على وسائل أكثر تقدمًا للإيقاظ.

بدأت مهنة المسحراتي منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، ويعتبر بلال بن رباح رضي الله عنه أول مسحراتي في التاريخ الإسلامي حيث كان يجوب الطرقات لإيقاظ الناس للسحور طوال الليل، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول "إن بلالا ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم".

واشتهر في هذه المهنة رجل يدعى "الزمزني" في مكة حيث كان يصعد إلى المئذنة ويعلن من فوقها بدء السحور، وفي كل مرة يكرر فيها النداء كان يدلي بقنديلين كبيرين معلقين في طرفي حبل حتى يشاهدهما من لا يسمع النداء.

وفي مصر كان أول من قام بمهمة إيقاظ الناس للسحور هو الوالي عنتبة بن إسحق سنة 832هـ ، والذي كان يسير علي قدميه من مدينة العسكر في الفسطاط، وحتى مسجد عمرو بن العاص تطوعًا وهو ينادي "عباد الله تسحروا فإن في السحور بركة"، ومنذ تلك الفترة أصبحت مهنة المسحراتي تلقى الكثير من الاحترام والتقدير بعد أن قام بها الوالي بنفسه.

يا نياما قوما
 


كان المسحراتي في العصر العباسي ينشد شعرا شعبيا يسمى "القوما"، وكان "ابن نقطة" في بغداد أشهر من عمل بالتسحير، حيث كان موكلا إليه إيقاظ الخليفة الناصر لدين الله العباسي، وكان يتغنى بشعر مخصص للسحور، وهو شعر شعبي له وزنان مختلفان ولا يلتزم فيه باللغة العربية، وقد أطلق علية اسم القوما لأنه كان ينادي ويقول "يا نياما قوما.. قوما للسحور قوما"، وقد أعجب الخليفة بذوقه.

وعندما مات أبو نقطة خلفه ولده الصغير وكان ذكيا أيضا في النظم، فأراد أن يعلم الخليفة بموت أبيه ليأخذ وظيفته فلم يتيسر له ذلك، فانتظر حتى جاء رمضان ووقف في أول ليلة منه مع أتباع والده قرب قصر الخليفة وغنى "القوما" بصوت رخيم فانتشى به الخليفة، وحين هم بالانصراف انطلق ابن أبي نقطة ينشد "يا سيد السادات لك في الكرم عادات / أنا ابن أبي نقطة / تعيش أبي قد مات"، فأعجب الخليفة بحسن ذوقه فأحضره وأعطاه من الأجر ضعف ما كان يأخذ والده.


وظهر الإيقاع أو الطبلة في يد المسحراتي بمصر حيث كان يجوب شوارع القاهرة وأزقتها وهو يحمل طبلة صغيرة ويدق عليها بقطعة من الجلد أو الخشب وغالبا ما كان يصاحبه طفل صغير أو طفلة ممسكة بمصباح لتضيء له الطريق وهو يردد "اصحي يا نايم وحد الدايم" أو ينطق بالشهادتين ثم يقول "أسعد الله لياليك يا فلان"، ويذكر اسم صاحب المنزل الذي يقف أمامه وغالبا ما كان يعرف أسماء جميع الموجودين في المنزل من الرجال، ويردد الدعاء لهم واحدا واحدا ولم يكن يذكر اسم النساء إلا إذا كان بالمنزل فتاة صغيرة لم تتزوج فيقول "أسعد الله لياليك يا ست العرائس".
 
وكان من عادة النساء في ذلك الوقت أن يضعن قطعة معدنية من النقود ملفوفة داخل ورقة ثم يشعلن أحد أطرافها ويلقين بها إلى المسحراتي الذي يلتقطها ويرتفع صوته بالدعاء لأهل المنزل جميعا ثم يقرأ الفاتحة.

وفي العصر المملوكي كادت مهنة المسحراتي تختفي تماما لكن الظاهر بيبرس أعادها وعين أناساً مخصوصين من العامة وصغار علماء الدين للقيام بها ليتحول عمل المسحراتي إلى موكب محبب، وخاصة للأطفال الذين تجذبهم أغاني المسحراتي وغالبا ما يحملون الهبات والعطايا التي كان يرسلها الأهل إليه.

وانضمت النساء إلى قافلة المسحراتية ففي العصر الطولوني كانت المرأة تقوم بإنشاد الأناشيد من وراء النافذة وغالبا ما تكون من صاحبات الصوت الجميل ومعروفة لجميع سكان الحي الذي تقطن فيه.

وفي الريف والقرى كان العمدة هو الذي يتولى بنفسه مهمة إيقاظ أهل القرية أو يتولى تقسيم شوارع القرية على عدد من المسحراتية ويبدأ كل منهم العمل ابتداء من ليلة رؤية هلال رمضان وحتى ليلة عيد الفطر وهي الليلة التي يبدأ فيها المسحراتي التردد على جميع المنازل للحصول على أجره الذي غالبا ما يكون بعض المال أو كعك ولحوم العيد.

العيدية


ارتبطت أجرة المسحراتي ببعض التغييرات على مر العقود، ففي منتصف القرن التاسع عشر كانت الأجرة مرتبطة بالطبقة التي ينتمي إليها المتسحر، فمنزل الشخص من الطبقة المتوسطة مثلا عادة ما يعطى المسحراتي من قرشين إلى أربعة قروش في ليلة العيد، ويعطيه البعض الآخر مبلغاً زهيداً كل ليلة، ولم يكن للمسحراتي أجر معلوم أو ثابت، غير أنه يأخذ ما يجود به الناس صباح يوم العيد فيما يعرف بـ"العيدية"، وعادة ما كانت من الحبوب سواء ذرة أو قمحاً، وأحيانا كثيرة كان يتقاضى أجرته كحك العيد.

وحتى اليوم لم يختف المسحراتي من الريف والأحياء الشعبية، والذي يجوب الشوارع سيرا على الأقدام أو ركوبا على "الحمار" في القرى، وعلى "العجلات" في المدينة، وغالبا يرث القائمون بالتسحير هذه المهنة من الآباء والأجداد، ولكن مؤخرا أخذ دور المسحراتي يتقلص كثيرا لدرجة أنه بدأ يدون أسماء الأشخاص الذين يقبلون أن يتولى مهمة تسحيرهم ثم يبدأ في النداء عليهم دون غيرهم .

في حي عين شمس يقوم ‫الحاج أحمد أبو النور الشهير بأبي نجوى بمهمة تسحير الحي، يسير بمفرده ليلا من الثانية صباحا وحتى ما بعد الثالثة، بينما يحمل على كتفيه ميكرفونا صغيرا ببطارية وهو أمرا مستحدثا لأن صوته أعلى من الطبلة التي ربما لا يصل صوتها بسبب الزحام.

‫يرتدي أبو النور الذي يتعدى عمره الستين عاما القميص والبنطلون، ولا يمر على جميع المنازل بل مع من يتفق معهم قبل بداية الشهر لتسحيرهم، وينادي على الأشخاص بأسمائهم ولا يقول "اصحى يا نايم وحد الدايم" كما يحدث بالتلفزيون وإنما يقول "السحووووووووور"

‫وفي الجمالية بلياليها الساحرة وعبقها التاريخي يقوم الحاج عطا بعملية التسحير تسير معه ابنته الصغيرة، وقبل أن يبدأ الشهر يمر بالمنطقة يكتب أسماء من سيوقظهم وينادي بأسماء الأطفال الصغار. والحاج عطا "صنايعي" وقد قرر أن يقوم بالتسحير وهبة لوجه الله تعالى لذلك لا يستطيع أن يكف عنه حتى لو كانت الناس لا تحتاجه بعد الآن.

مسحراتي منقراتي


انجذب عدد كبير من الفنانين والشعراء إلى فكرة المسحراتي حتى نجحوا في نقلها من الشارع إلي الإذاعة والتليفزيون، ويعتبر المطرب محمد فوزي هو أول من قدم المسحراتي في الراديو بكلمات بيرم التونسي في مطلع الستينيات، ثم قدم المؤلف عبد الحميد زكي نفس الشخصية في عدد من الحلقات ألقاها في حفلات الإذاعة.

وبالرغم من المحاولات العديدة لكتابة المسحراتي، لكن يظل مسحراتي فؤاد حداد هو الأشهر، حيث ابتدع قالبا شعريا خاصا به يتكون من خمسة مقاطع، والتزم في كتابته بطريقة الموال، وتعود البداية إلى عام 1964 عندما أعلن الراديو عن مسابقة لتقديم المسحراتي، وكان حسن فؤاد سكرتير تحرير مجلة "روزاليوسف" قد أعجبه كلمات فؤاد حداد للمسحراتي فعرضها على سيد مكاوي الذي قام على الفور بتلحينها وتقدما بها للمسابقة، ووقع الاختيار عليها لتكون هي مسحراتي الإذاعة بجدارة، والتي استمرت على مدى عشرين عاما قدم فيها ما يقرب من 130حلقه.

وفي عام 1985 وقبل حلول شهر رمضان بأسابيع قليلة رحل فؤاد حداد، وصُدم سيد مكاوي كثيرا معلنا انه لن يقدم المسحراتي، ولكن أمام إلحاح المسئولين في التليفزيون لعدم توقف المسحراتي لجأ مكاوي إلى عدد من شعراء العامية هم سيد حجاب، كمال عمار، أمين فؤاد حداد، وعمر الصاوي، الذين كتبوا المسحراتي في عمل جماعي مشترك ولكنهم لم يستطيعوا الخروج من عباءة حداد.

وفى عام 1995 حاول سيد مكاوي تطوير المسحراتي موسيقيا فادخل عليها آلات موسيقية بسيطة كالناى والكمان وبعدما سجل حوالي 15حلقة عدل عن الفكرة قبل إذاعتها وقام بعمل مكساج للحلقات وحذف هذه الآلات واكتفى بالطبلة فقط حتى تكون أكثر منطقية وتظل متسمة بالطابع الشعبي .

وبعد عامين في 1997 طلب التليفزيون من سيد مكاوي تقديم حلقات جديدة من المسحراتي ففكر أن يكتبها له الشاعر أمين حداد ابن فؤاد حداد الذي اعتذر، فطلب مكاوي من كبار شعراء العامية عبد الرحمن الأبنودي وأحمد فؤاد نجم وسيد حجاب، أن يكتبوها فاعتذروا جميعا لأنهم سيخرجون من عباءة فؤاد حداد.

وإنقاذا للموقف رشح له الأديب خيري شلبي الشاعر فؤاد قاعود الذي قدم أشعاره إلى اللجنة الموحدة بالإذاعة والتليفزيون فأجازتها وأشادت بمستواها الفني وظهر المسحراتي عام 1997بمقدمة ونهاية فؤاد حداد وأشعار قاعود وكانت آخر مسحراتي قدمها سيد مكاوي.
 


الكلمات الدلالية المسحراتي

اضف تعليق

التقارير و المقالات ذات صله