بعد 73 عامًا.. هتلر لم يرقد في سلام بعد


٢١ مايو ٢٠١٨ - ٠٩:٤٣ ص بتوقيت جرينيتش

كتبت – ولاء عدلان

في صباح 30 أبريل 1945، كان السوفيت على بعد 500 متر من مقر إقامة الفوهرر أدولف هتلر، بينما كان هو وزوجته إيفا براون يتفقدان الجنود داخل قبو وسط برلين،  وذلك قبل أن يقرران الانتحار بجرعة من السيانيد على أريكة صغيرة داخل غرفتهما بالقبو، الذي شهد على زواجهما قبل يومين فقط من هذه النهاية المأسوية.

هذه هي الرواية الأكثر شهرة عن وفاة الفوهرر ونهاية ألمانيا النازية، لكن الشكوك ظلت تدور حول حقيقة هذه القصة لسنوات طويلة، وعلى الرغم من تأكيد المخابرات السوفيتية وقتها التخلص من جثة  الزعيم النازي وزوجته فور العثور عليهما في مقر المستشارية الألمانية حرقا، إلا أن بعض الروايات شككت في موت هتلر بالأساس، وزعمت أنه هرب على متن غواصة إلى خارج برلين.
 


في العام الماضي، تحدثت تقارير إعلامية عن وثائق تؤكد رواية هروب هتلر إلى أمريكا الجنوبية، هذه الوثائق كشف عنها القائدان السابقان في وكالة المخابرات الأمريكية بوب باير وتيم كندي، وتتضمن وثيقة سرية من المخابرات البريطانية أكدت أن الزعيم النازي جرى نقله من ألمانيا من طرف الطيار بيتير بومجارت، ليلة وفاته، وأنه توجه إلى الدنمارك أو كولومبيا ومنها إلى الأرجنتين.

ويقول القائدان إن ما يعزز هذه الرواية هو أن عشرات الآلاف من النازيين وصلوا إلى الأرجنتين في أعقاب انتهاء الحرب العالمية الثانية.

في أبريل الماضي، أفادت وسائل إعلام بريطانية، بالعثور على غواصة نازية في أعماق البحر على بعد عشرة أميال من سواحل الدنمارك الشمالية، وبعد فحصها تبين أنها غرقت في مايو 1945 جراء تعرضها للقصف من قاذفة بريطانية، هذه الغواصة غذت الاعتقاد بأن هتلر قد استخدمها للهروب إلى الدنمارك ومنها إلى الأرجنتين.

لكن مدير المتحف الدنماركي، خيرت نورمان أندرسون قال للصحافة: لا يوجد دليل على ركوب هتلر للغواصة، موضحا أن الغواصة عندما غرقت كانت في طريقها إلى النرويج، لا إلى أمريكا الجنوبية، كما تذكر روايات تاريخية تفتقر إلى الدقة.

ومن بين هذه الروايات، رواية تستند إلى وثائق كشف عنها مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي عام 2014، تفيد بأن هتلر وصل إلى الأرجنتين بعد أسبوعين ونصف من سقوط برلين في أبريل 1945، ولم ترحب الحكومة الأرجنتينية بالديكتاتور الألماني وحسب ، بل ساعدته على الاختفاء، وبناء قصر على سفوح الأنديز، بأموال مهاجرين ألمان أثرياء.

وللرئيس الأمريكي أيزنهاور تصريح مشهور في هذا الصدد يقول فيه: هناك احتمال قريب من الصحة، بأن هتلر يعيش بأمان وراحة في الأرجنتين.


روسيا لعبت دورا كبيرا في السماح بنسج الروايات التاريخية حول حقيقة انتحار الفوهرر، ليس فقط كون الجيش السوفيتي سارع فور دخوله برلين بإخفاء رفات هتلر وزوجته، ونقل أجزاء منها إلى موسكو، بل أنها لم تسمح بفحص هذه الرفات من قبل علماء الآثار، إلا في عام 2009، عندما سمح للباحث الأمريكي نيك بيلانتوني بإجراء فحص الحمض النووي على ما تبقى من رفات هتلر المحفوظ في متحف روسي، إلا أن الأبحاث توصلت وقتها إلى أن الرفات لا تعود لهتلر.

 وخرج الباحث لوسائل الإعلام ليقول: إن قادة الرايخ الثالث أو ألمانيا النازية، عندما أدركوا الهزيمة خططوا للفرار، لذا يرجح أن هتلر ونحو 30 ألفاً من أنصاره ذهبوا إلى الأرجنتين، وذلك بمعرفة بريطانيا وأمريكا، إلا أن موسكو عارضت هذه التصريحات بشدة.

لكن دراسة حديثة أجريت ما بين مارس ويوليو 2017، يبدو أنها ستحسم هذا الجدل حول نهاية الزعيم النازي، تقول "الإندبندنت" في تقرير نشرته أمس،  توصل باحثون فرنسيون بعد فحص لأجزاء من أسنان هتلر المحتجزة في موسكو منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، إلى أن الفوهرر انتحر بلا أدنى شك في ذلك.

يقول فريق البحث الذي نشر أخيرا في مجلة طبية أوروبية: يمكننا دحض كل نظريات المؤامرة حول وفاة هتلر، فهو لم يهرب إلى الأرجنتين على متن غواصة ولم يختبئ في قاعدة بأنتركتيكا أو في الأنديز، فبعد فحص بقايا أسنانه وجمحمته التي تتحفظ عليها المخابرات الروسية، تبين وجود ثغرة في الجزء الأيسر من الجمجمة، على الأرجح نجمت عن إطلاق هتلر الرصاص على رأسه.

ويؤكد الفريق أن الجمجمة التي جرى فحصها تتوافق تماماً مع الصور الإشعاعية لهتلر والتي التقطت قبل عام من وفاته، وكذلك الأسنان، والتي عرفت للوهلة الأولى كونها كانت صناعية ولم تحتوِ على آثار لحوم كون الزعيم الألماني كان نباتيا، كما أظهرت صور الأسنان تحت المجهر الإلكتروني رواسب زرقاء قد تشير إلى تفاعل كيميائي بين "السيانيد" وأطقم الأسنان المعدنية.

الدراسة الفرنسية تؤكد أن هتلر انتحر داخل قبوه في برلين 30 أبريل 1945 مع زوجته إيفا براون، لكنها لم تحسم الجدل الخاص بعظام الجمجمة ففي دراسة أمريكية سابقة وبفحص الحمض النووي تم التأكد من أن الجمجمة تعود لأنثى قد تكون السيدة براون ولا تتطابق مع الحمض النووي لهتلر.

يقول أحد الباحثين فيليب شارلي لـ"الإندبندنت": لم يسمح لنا بأخذ عينات من الحمض النووي الخاص بالجمجمة، وفقط سمح بالنظر إليها وفحصها بالأشعة، وهنا فرصة تحديد الجنس بصورة صحيحة تكون بنسبة 55% فقط، لكن مهما كانت حقيقة الجمجمة، فإن الأسنان تعود للفوهرر وتثبت أنه لم يكن هناك قصة خارقة لهروبه من قبضة السوفيت.

وبحسب الوثائق التاريخية كان الزعيم السوفيتي ستالين حريصاً على طمأنة نفسه بأن هتلر قد مات، وحريص في الوقت نففسه على إخفاء هذا الأمر عن بريطانيا وأمريكا، لذا كلف فرقة من المخابرات السوفيتية بالبحث في برلين عن كل الوثائف الخاصة بهتلر وبنقل رفاته إلى موسكو وكل متعلقاته التي كان من بينها أطقم أسنانه الصناعية، وذلك بعد التأكد من أنها تعود إليه عبر استجواب طبيبه الخاص.

وسواء أكانت الدراسة الفرنسية أكثر حظا في دحض نظريات المؤامرة أم لا؟، فلا يزال هناك العديد من الألغاز الخاصة بليلة وفاة الفوهرر في طيات التاريخ، لعل أبسطها ثغرة الجمجمة، وكأن هتلر قرر أن يظل لغزا حتى بعد وفاته، هربا من قبضة الأعداء.
   


اضف تعليق