90 عاما على "نهضة مصر".. "مختار" يترجم ثورة شعب في تمثال جرانيت


٢١ مايو ٢٠١٨ - ٠٦:٤٠ م بتوقيت جرينيتش

أماني ربيع

90 عاما مرت على إزاحة الستار عن تمثال نهضة مصر للفنان المصري محمود مختار، هذا التمثال الذي اعتبر رمزا لثورة مصر على الاستعمار، وثورتها على القديم وإيذانا بدخول الدولة المصرية إلى عصر جديد عنوانه النور والحرية.

 عام 1919 كان التمثال مجرد فكرة في رأس المثّال الشاب الذي رغم دراسته للفن التشكيلي في باريس لم ينس وطنه، وظل دائما يحملها في قلبه.

عندما كان مختار في باريس شارك مع الطلبة المصريين في تكوين حركة لدعم الثورة المصرية والدعاية لها باسم "الجمعية المصرية"، وتحولت الحركة لمساندة الوفد المصري في باريس بقيادة سعد زغلول ومساعدته في الدعاية للقضية المصرية.

قد يستغرب البعض كيف يكون مختار رمزا للوطنية إنه مجرد فنان وكيف للفن أن يكون عنصرا فاعلا ضد الاستعمار أو داعما لقضية وطنية، لكن مختار غير النظرة إلى الفن التشكيلي باعتباره فنا نخبويا.


كان اسم التمثال "نهضة مصر" تعبيرا عن روح مصر الجديدة وعملية البعث التي أخرجت الهوية المصرية من التبعية للهوية العثمانية أو الفرنسية أو الإنجليزية والانحياز للهوية الوطنية المصرية بكل موروثاتها، فنحت فلاحة مصرية بجانب أبو الهول، في رمزية تربط نهضتنا المعاصرة بتراثنا المصري القديم.

التمثال الذي أنجزه مختار عام 1919، قدمه لمعرض الفنون الجميلة في باريس ونال عنه شهادة تقدير، في ذلك الوقت كان الوفد المصري في باريس والتقى أعضاؤه بمختار وشاهدوا تمثاله قبل عرضه على الجماهير، وعبر سعد زغلول رئيس الوفد المصري عن إعجابه بالتمثال في رسالة خطية قال فيها:

"حضرة المصور الماهر مختار

شاهدت المثال الذي رمزت به لنهضة مصر فوجدت أبلغ رمز للحقيقة، وأنهض حجة على صحتها، فأهنئك على هذا الخيال الواسع وهذا الذوق السليم وهذا الفن الساحر، وأهنئ مصر بأنك من أبنائها العاملين على إعادة مجدها وأرجو الله أن يعين هذه النهضة حتى تبلغ كمالها فتشفع مثال النهضة بمثال الاستقلال والسلام.

سعد زغلول
باريز 6 مايو سنة 1920"



وبدأت أصداء تمثال مختار في الوصول إلى مصر مع سلسلة مقالات كتبها مجد الدين حفني ناصف بعنوان "النهضة الفنية في مصر"، في جريدة الأخبار التي كان يصدرها أمين الرافعي.

وهو ما دفع الدكتور حافظ عفيفي، أحد أعضاء الوفد المصري، بالاقتراح على أمين الرافعي رئيس تحرير الأخبار أن تتبنى الجريدة الدعوة لاكتتاب عام لإقامة تمثال النهضة في ميدان من ميادين العاصمة، وهو ما فعله الرافعي، وبالفعل نشر نداء لاكتتاب قومي عام كان عنوانه: "نهضة مصر دعوة إلى الأمة المصرية"، وساند الفكرة ويصا واصف وواصف غالي، فنشر ويصا واصف مقالة عنوانها: "محمود مختار والنهضة الفنية في مصر"، أما واصف غالي فكتب مقالة عنوانها: "واجبنا نحو مختار".


ولنا أن نتخيل أنه في تلك السنوات المبكرة من القرن العشرين يكون هناك اكتتاب شعبي لإنشاء تمثال، فكيف كان وعي المصريين في ذلك الوقت على رقة حالهم وبساطة مدخولهم، نجح الاكتتاب في تجميع 6500 جنيه وهو مبلغ كبير بمقياس تلك الفترة، وأكملت الحكومة تكلفة إقامة التمثال الذي أزيح عنه الستار في 20 مايو 1928، في ميدان باب الحديد مكانه الأول، بحضور الملك فؤاد ومصطفى باشا النحاس.

وفي كتاب بدر الدين أبو غازي "المثال مختار"، نصوصا لبعض الرسائل التي بعث بها المصريون من أجل اكتتاب إنشاء تمثال نهضة مصر، والتي تعبر عن روح الوطنية والوعي لدى هذا الشعب، نشر نصوص هذه الجوابات عماد أبو غازي وزير الثقافة الأسبق عبر حسابه على فيسبوك، في ذكرى إزاحة الستار عن تمثال نهضة مصر.

الجواب الأول:


الجواب الأول:

"إنني رجل فقير جدًا، أشتغل بهندسة السكة الحديد الأميرية بوظيفة فاعل، ويوميتي 70 مليمًا، ومتزوج بيتيمة الأب، وأم زوجتي تبيع ترمسًا، ولي شغف بقراءة الصحف عن عهد النهضة المصرية الأخيرة، بينما كنت جالسًا أقرأ جريدتكم الغراء بكيت بكاء شديدًا، فسألتني زوجتي عن سبب بكائي فأخبرتها عن التبرع لتمثال نهضة مصر، ولم يكن معي نقود أتبرع بها خلاف 200 مليم، فقالت زوجتي: إنها تتبرع بمائة مليم أيضًا، وقالت أمها مثلها، وكذلك فعل أخوها وعمره 15 سنة، أما أختها البالغة من العمر 13 سنة فقالت إنها لا تملك إلا 50 مليمًا فتبرعت بها، ولي طفل عمره سنة ونصف كانت أمه وفرت له 50 مليمًا فأحضرتهم، فأصبح المجموع 600 مليما، فأرجوكم أن تتقبلوا منا هذا المبلغ القليل لتوصيله إلى أمين صندوق تمثال نهضة مصر، وتتوسطوا في قبوله ونكون لكم من الشاكرين، هذا وإني أدعو جميع الفعلة زملائي في الزقازيق وخلافها وأدعو أيضا جميع العمال للتبرع لتمثال نهضة مصر لنتسابق مع أسيادنا الأغنياء زادهم الله من فضله.

الشحات إبراهيم الكيلاني
الفاعل بهندسة السكة الحديد بالزقازيق"

الجواب الثاني من تلميذ في مدرسة خليل أغا الابتدائية، قال فيه:

"إن والدي يطلعني على ما كتب بجريدتكم بشأن نابغة مصر، وهو سيدي محمود مختار لأعلم أن النبوغ أكثر ما يكون من الطبقات التي أنا منها فأبذل جهدي لأكون عظيمًا، وإن المدح الذي كنت أسمعه من والدي لهذا النابغة جعلني أحبه حبًا لا مزيد عليه، واليوم علمت دعوتكم إلى الأمة المصرية، لتكتتب بمبلغ يدفع ثمنًا لتمثال نهضة مصر الذي أجاد إتقانه سيدي مختار ويكون ذلك مكافأة لذلك النابغة وبرهانًا على شعور الأمة الحي؛ وبما أني أرجو أن أكون رجلًا حيًّا فقد أردت أن أفتتح حياتي بالاشتراك في هذا الاكتتاب المقدس بنصف ما أملك وهو خمسة وعشرون قرشًا، وأقسم بوطنية مختار، وإنه لقسم كما تعلمون عظيم، إني لو كنت أملك مئات الجنيهات لاكتتبت بنصفها ولكن ما باليد حيلة.

مصطفى كمال التميمي

الجواب الثالث رسالة من متبرعة مصرية، قالت:

"سيدي الفاضل مدير الأخبار
إن المرأة المصرية التي كانت لها يد تذكر في تشجيع النهضة الوطنية في مصر لا تستطيع أن تحجم عن البذل في سبيل إقامة تذكار يخلد ذكرى هذه النهضة، ولا شك في أن السيدة برهنت في الحركة الأخيرة على مبلغ شعورها بالواجب وإدراكها لمعنى التعاون، لا شك في أنها ستقوم بتأدية ما هو مفروض عليها لتنفيذ هذا المشروع الجليل الذي سيكون شاهدًا على أن المصري والمصرية متكافئان في تقدير الواجب وتشجيع العاملين، وإني أرسل إليكم مع هذا خمسة وعشرين جنيهًا آملة أن يكون ذلك فاتحة اكتتاب كبير تقوم به سيداتنا العاملات حتى تبرهن المرأة المصرية مرة أخرى على أنها لا تتردد في الاشتراك في كل ما يعود على مصر بالنفع والخير.

حرم حسن الشريف"

الجواب الرابع رسالة من بعض أهالي كفر معوض بالشرقية، قالوا فيها:

"نحن المتبرعين بهذا (1 جنيه و650 مليم) فقراء كفر معوض، بندر الزقازيق، نتقدم إلى أغنياء الزقازيق طالبين منهم مشاركتنا في الاكتتاب لتمثال نهضة مصر، حتى نكون قد تساوينا بغيرنا من البلدان الأخرى، ولهم الشكر مقدمًا".


8 سنوات مرت بين عرض مختار نموذج تمثاله الأول في باريس مايو سنة 1920 وإزاحة الستار عنه في 20 مايو سنة 1928، لكن التمثال كان يستحق هذا الانتظار، فكان هذا أول تمثال ميدان ينحته مصري في العصر الحديث، بعد سنوات كان النحت في مصر يتم على أيادي أوروبيين، وكان اختيار الفلاحة المصرية رمزا للنهضة ثورة في حد ذاته، المرأة هي التي تستنهض أبو الهول من رقدته، ولأول مرة ينجز تمثالا ليس احتفاء بملك أو خديو أو أي شخصية شهيرة بل لفرد من الشعب هو رمز لكل الشعب، فنجح التمثال في ترجمة الثورة بمنحوتة رمزية.

لم يكن التمثال مجرد تفاخر بالماضي بل هو تطلع لمستقبل جديد يصنعه الشعب وليس الحكام، وكما يقول الدكتور عماد أبو غازي: "كان الالتفاف الشعبي حولين التمثال/ الرمز بداية لعلاقة جديدة بين المصريين والفنون التشكيلية، أو زي ما كانوا بيسموها وقتها "الفنون الجميلة"، التمثال حول فن النحت لفن جماهيري بيشغل عموم الناس زيه زي الأغنية".


اضف تعليق