هل نجح إعلام أوروبا والغرب بالتعاطي مع دعاية الجماعات المتطرفة؟


٢٤ مايو ٢٠١٨ - ٠٨:٣٧ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية ـ جاسم محمد

الحديث عن كيفية تعاطي الإعلام الأوروبي والغربي مع إعلام ودعاية الجماعات المتطرفة، ومن ضمنها تنظيم داعش، يطرح اشكاليات كثيرة، كون الأمر يتعلق بغياب استراتيجية فاعلة في مواجهة التطرف والإرهاب، لا تتناسب مع حجم وقدرات دول أوروبا والغرب.

قدمت وسائل الإعلام الغربية بشكل غير مقصود خدمة إعادة نشر رسائل تنظيم داعش والجماعات المتطرفة، وذلك من خلال نقل البيانات وتهديدات التنظيم، بشكل غير مقصود، ساهم بنشر ايدلوجية الجماعات المتطرفة، شبكة الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، هي الأخرى ساهمت كثيرا أيضا بنشر دعاية التنظيمات المتطرفة، إلى جانب تقديم خدمة تشفير الاتصالات بين عناصرها.

وقعت أغلب وسائل الإعلام  في خطأ إعادة خطاب وصورة تنظيم داعش للمتلقي، أكثر من وقوفها بوجه الظاهرة الإرهابية، إذ ركزت على الحدث أكثر من التركيز على الظاهرة أي منح العمليات الإرهابية اهتماماً أكبر من محاربة الدعاية المتطرفة.

على سبيل المثال تغطية وسائل الإعلام الأوروبية لعمليات "الذئاب المنفردة" مثل الطعن بالسكين والدهس بالسيارات، يقول الدكتور ياسر عبد العزيز، كاتب ومستشار في مجال الاتصالات والإعلام في حديث له مع الـDW  الألمانية: إن غالبية تناول وسائل الإعلام لما يحدث بشأن داعش يذهب إلى تقديم الصورة كما ترد من منظومات داعش الإعلامية من دون عناية بتفكيك محتواها لبناء الرسائل المضادة، ومن دون النفاذ إلى عمق تأثيرها ولا عمق حواملها الرسالية،  وغالباً ما يُكتفى بنقل الخبر -الأسطوري ـ كما لو كان يخص عالماً مفارقاً للعالم العربي، مركّزين في غالب التحليلات على أن هذه الظاهرة "ليست من الإسلام في شيء"، كما لو أنها نبتة شريرة في حقل من الحنطة.

وسائل الإعلام الأوروبية

من خلال متابعة وسائل الإعلام الأوروبية، أبرزها الـ"بي بي سي" عربي والـDW وفرنسا 24، وقنوات ألمانية مثل القناة الألمانية الأولى وZDF كانت تقطع أخبارها الاعتيادية، وتعمل تغطية مباشرة لحادثة ما مثل عملية فاشلة للطعن بالسكين أو إطلاق نار، وتستضيف عدد من المحلليين، وأحيانا تستعجل بالحكم على العملية على أنها عمل إرهابي إسلاموي.

 تحليلات وتعليقات وسائل الإعلام المرئية تحديدا الأوروبية، في بعض الحوادث استعجلت بإعطاء العملية صفة إرهاب إسلاموي، رغم تحفظ أجهزة الشرطة الأوروبية بعدم تحديد الدوافع وعدم كشف الأدلة الجنائية والتحقيقات.

كانت حادثة تعرض باص نقل فريق دورتموند الرياضي من محل إقامته إلى الملعب ضمن الدوري الألماني يوم 10 أبريل 2017، مثالا لاستعجال الإعلام الأوروبي بالحكم المسبق على الحادث بأنه إرهاب من صنع الجماعات المتطرفة، لكن كشفت التحقيقات لاحقا، بأنها ذات دوافع شخصية واقتصادية مالية، تتعلق ببيع وشراء أسهم فريق دورتموند، وكشف المدعي العام الألماني لاحقا عن ذلك.

وهذا الحال ينطبق أيضا على الإعلام الأمريكي، ففي حادثة "لاس فيجاس" الشهيرة، عندما قام مسلح يبلغ من العمر 64 عاماً، بقتل 59 شخصاً، وأصاب 527 آخرين، أثناء حفل لموسيقى الريف، أعلنت وكالة أعماق التابعة لتنظيم داعش وقتها مسؤولية التنظيم عن إطلاق النار، لكن التحقيقات قالت: إن الدوافع نتيجة لاضطرابات نفسية وشخصية ولا علاقة لمنفذ العملية بتنظيم داعش، تماما عكس ما تناقلته "وكالة أعماق".

هذه الاحتمالات، دفعت بعض المعنيين بمكافحة الإرهاب، بالتروي من تقديم التحليل والرأي إلى وسائل الإعلام خلال التغطية المباشرة للاحداث (Break News ).

الإعلام ما بعد هجمات باريس 

وشهدت وسائل الإعلام، المرحلة ما بعد هجمات باريس نوفمبر 2018 الأمر الذي أثار اهتماما غير مسبوق به وبممارساته، ولم تشهد وتيرة تسليط الإعلام الضوء على نشاطات داعش تغيرا جوهريا مع انطلاق العملية الجوية الروسية في سوريا ، وبقيت تغطيته معتدلة إلى أن عم صدى جرائمه في مدينة عين العرب السورية العالم، لتسجل "شهرته" في وسائل الإعلام شرقا وغربا بلا استثناء زيادة حادة وصلت إلى 150 % قياسا "بمؤشر" شهرته السابقة.

لقد نجح  إعلام الجماعات المتطرفة أبرزها تنظيم داعش بالتسلل إلى الإعلام الأوروبي، إلى درجة وصلت نقل نص ما تتناوله"وكالة اعماق" المقربة من تنظيم داعش، الذي اعتمد على استراتيجية إعلامية لتمرير رسائل دعايته في الترهيب، ووقعت دول أوروبا بالخطأ في التعامل مع هذه الدعاية، على سبيل المثال، تقديم عناصر تنظيم داعش العائدين من القتال إلى أوروبا على أنهم أبطال ومنحهم الدعم الاجتماعي والنفسي والرعاية، وعرض تجاربهم للجمهور.

وفي هذا الإطار، مثل "هاري إس" خلال عام 2017 أمام محكمة في هامبورج بعد انضمامه لتنظيم "داعش" في سوريا ثلاثة أشهر، التهمة الموجه له هي عضوية منظمة إرهابية، وقبل بدء محاكمته، كان هاري قد تحدث إلى عدة وسائل إعلامية عما عايشه في سوريا. "لم يعد البشر بشرا"، يقول هاري لإحدى مراسلات القناة الثانية الألمانية، التي أجرت معه مقابلة صحفية في سجن التحقيق.

ويتابع هاري: "بالطبع كنت أعرف أن هناك حرباً في سوريا، ولكني لم أقرر إدارة ظهري لـ"داعش" إلا بعد تصوير الفيديو، لقد تركت "داعش"، فأنا لا أريد أن أموت ويداي ملطختان بالدماء.

ويقول مروان أبو طعم وهو خبير في مكافحة الإرهاب بمكتب محاربة الجريمة في ولاية راينلاند بفالس: إن "الجهاديين" الحاليين في تنظيم "داعش" لم يعودوا ينشرون نصوصا طويلة في خطاباتهم، بل أصبحوا يركزون على الفيديوهات التي توضح للمشاهدين: "نحن لسنا ضحايا بل نكتب التاريخ ونحن منتصرون" ويعني ذلك - كما يستخلص المتحدث- أن أسلوب الحديث عن الانتصار يجعل تنظيم داعش أكثر جذبا، ولكن هذا الأسلوب ليس مقنعا على المدى البعيد، بل يدعو للتشكك.

كيف تعامل الإعلام الغربي مع دعاية داعش؟

وفي سياق كيفية تعامل الإعلام الغربي مع دعاية تنظيم داعش والجماعات المتطرفة، صدرت دراسة تحليلية عن مؤسسة التنمية والدعم الروسية المنبثقة عن نادي "فالداي" الدولي للحوار  تناولت الصورة التي يقدمها الإعلام الأجنبي عن "داعش" بهدف التعرف على الرسائل التي يوجهها الإعلام والأعمال الروائية المتلفزة حول هذا التنظيم الإرهابي.  

تقول الدراسة: إن الإعلام الغربي، كرس اهتمامها واسع لـداعش وظاهرته، وذلك في الفترة الممتدة مما دونه جورج أورويل الناقد الصحفي ومؤلف الشعر الخيالي، وصولا إلى نشاط تنظيم "القاعدة"، واعتداءات الـ11 من سبتمبر، وكشفت استخدام وسائل الإعلام الغربية تسمية "داعش"  دولة في 56% من تقاريرها، فيما تسميه تنظيما إرهابيا في 45 % من التقارير.

وضمن جهود المفوضية الأوروبية قررت شركات كبرى منها فيسبوك ويوتيوب الاستعانة بتقنية جديدة تمنع إعادة نشر الأفلام التي تحتوي على محتويات متطرفة أو تحتوي مثلا على مشاهد ذبح أو خطابات عنف، كأفلام تنظيم "داعش"، بعد التعرف عليها وتصنيفها كمواد محظورة، محاولة منها لمواجهة الدعاية المتطرفة.

هذا التنظيم يُجبرنا اليوم على مراجعة طرح الخطاب الإعلامي المضاد لتنظيم داعش وبقية الجماعات المتطرفة،  والتعاطي معه بمستوى يرتقي مستوى التهديدات القائمة والتماشي مع سرعة انتشار الخطاب المتطرف، عبر وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي والذي أصبح سمة مميزة.

الإعلام الغربي بالفعل ساهم كثيرا بنقل خطاب وصورة الجماعات المتطرفة، بغياب استراتيجية إعلامية تتفق عليها الأطراف المعنية في محاربة الإرهاب، وساهمت وسائل الإعلام الأوروبية والغربية بتمجيد عمليات تنظيم داعش الإرهابية، بنقل الصورة والخبر بدل من أن تمثل الإعلام المضاد لتنظيم داعش والجماعات المتطرفة.
 


اضف تعليق