"يوم الحزن".. الذكرى السنوية لتهجير الشركس


٢٤ مايو ٢٠١٨ - ١٠:٠٨ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية – محمود سعيد

يصادف 21 أيار/ مايو من كل عام، الذكرى السنوية لتهجير الشركس عن موطنهم الأصلي في شمال القوقاز، على يد روسيا القيصرية، قبل نحو قرن ونصف القرن.

فانتصار روسيا القيصرية على شعوب القوقاز في وادي "كبادا" قرب مدينة "سوتشي" الشهيرة، المطلة على البحر الأسود، كان هذا التاريخ بمثابة "بداية النهاية" للشركس، وشعوب شمال القوقاز المسلمة.

وبعد مرور 154 عامًا على تهجير الشركس، بسبب سياسة التغيير الديمغرافي التي كانت تتبعها روسيا القيصرية تجاه منطقة شمال القوقاز. لم تُقدم موسكو في وقتنا الحالي على أيِّ خطوة تجاه إعادة الاعتبار للشركس، أو للتخفيف من ألم الجرح الغائر في ذاكرتهم.

ويطالب الشركس حول العالم روسيا، التي تعد وريثة روسيا القيصرية، بالاعتذار والاعتراف بـ 21 أيار/ مايو كيوم يرمز لـ "الإبادة الجماعية والتهجير بحق الشركس".

تهجير الشركس

بين عامي 1763-1864، شهد شمال القوقاز حربًا استمرت 101 عام بين الروس وشعوب المنطقة المسلمة، صنفت على أنها من أكثر الحروب دموية على مر التاريخ، حيث أسفرت المعارك عن مقتل أكثر من 500 ألف من سكان القوقاز، وتهجير مئات آلاف الشركس وغيرهم من شعوب المنطقة.

في 21 أيار/ مايو 1864، بعد انتصار روسيا القيصرية على شعوب القوقاز في وادي "كبادا" قرب مدينة "سوتشي" الشهيرة، المطلة على البحر الأسود، كان هذا التاريخ بمثابة "بداية النهاية" للشركس، وشعوب شمال القوقاز المسلمة.

اتبعت روسيا القيصرية سياسة التغيير الديموغرافي، فقامت بتهجير 1.5 مليون شركسي من مدن "سوتشي" و"توابسي" و"سخومي" الساحلية، إلى مناطق سيطرة الدولة العثمانية، وعلى رأسها مدينة "فارنا" (مدينة بلغارية مطلة على البحر الأسود) وصامسون وسينوب وطرابزون (ولايات تركية مطلة على البحر الأسود).

وقضى خلال عمليات التهجير القسري بحسب أرقام غير رسمية ما بين 400-500 ألف شركسي، بسبب الأوبئة والجوع، ونُفي معظم الشركس إلى منطقة الأناضول والأجزاء الأوروبية الخاضعة لسيطرة العثمانيين، ثم هاجر قسم منهم من تلك المناطق إلى سوريا والأردن.
مآسي وحكايات الشركس

وقد ألف عضو المجلس العشائري الشركس في الأردن محمد أزوقة كتاباً يروي قصصاً عن تاريخ ومآسي الشركس أثناء حروب روسيا القيصرية على القوقاز من الفترة من (1763-1846) وهجرتهم إلى تركيا وصولاً إلى دول الشام ومنها الأردن أواخر القرن الثامن عشر.

وقال أزوقة إن مؤلفه يضم أيضاً قصصاً عن المعارك التي شهدتها أرضه "القوقاز"، والصعوبات التي واجهتهم في رحلة الهجرة أواخر القرن الثامن عشر، من بينها قصة "الأسير" وتتناول كيفية تعامل الشركس مع الأسرى الروس ومعاملتهم بشكل حسن وتشغيلهم مع أهالي القرى في الزراعة وحتى تزويجهم من بناتهم في حال أشهروا إسلامهم، وهو أمر كان نتاجه عدم هروب الأسرى الروس، جراء المعاملة الحسنة التي تلقوها.

ويمضي بالقول: إن هناك قصة أخرى بعنوان "المدفعية" وتتناول كيف حرص الشركس في القفقاس/القوقاز بمغامرات على تدمير المدفعيات الروسية، والتي كانت أكثر آلة قتل يستخدمها الروس بين الجبال لقتل الشراكسة.
وأوضح أن مصادر قصصه كانت مبنية على ما سمعه من أجداده ومن كبار السن الشراكسة الذين كانوا يحرصون على الحفاظ على الموروث الشركسي.

وذكر ألكسندر أوهتوف رئيس هيئة الحكم الذاتي الثقافي الاتحادي الوطني للشركس الروس في مقابلة مع صحيفة كورمسانت الروسية أن استعمال مصطلح إبادة جماعية مبرر فقال: "نعم، أعتقد أن مفهوم الإبادة الجماعية بحق الشركس يعد أمراً مبرراً. لتفهم لماذا نتحدث عن إبادة جماعية يجب أن تلقي نظرة على التاريخ. لم يَطرد الجنرالات الروس خلال الحرب الروسية القوقازية الشركس فحسب بل تعداه الأمر ليصل إلى تدميرهم جسدياً. لم يقتلوهم في ساحات القتال وحسب ولكن حرقوا مئات القرى بمن فيها من مدنيين. لم ينجو الأطفال ولا النساء ولا كبار السن. وقد أحرقت حقول المحاصيل الناضجة بأكملها، وقطعت بساتين الفاكهة، بحيث لم يتمكن الشركس من العودة إلى مساكنهم. أليس تدمير السكان المدنيين على نطاقٍ واسع إبادةً جماعيةً؟".

احتجاجات شركسية

وقد وضع أعضاء اتحاد الجمعيات الشركسية في تركيا، إكليلًا أسود قرب القنصلية العامة الروسية بمدينة إسطنبول؛ بمناسبة الذكرى السنوية الـ154 لتهجير الشركس من وطنهم الأم شمال القوقاز على يد روسيا القيصرية.

ودائما ما يردد المشاركون في المسيرات الشركسية شعارات على غرار: "شركيسيا لن تكون أرضا روسية"، "الإبادة الجماعية جريمة ضد الإنسانية"، "سنحاسبكم على الإبادة الجماعية"، ويقول الفنان ومقدم البرامج "اسحق أكباي": " لم ننس رغم مرور 154عاماً، ولن ننسى حتى لو مر 1500عام".

بدوره أوضح رئيس "الحركة الديمقراطية التعددية" "كنعان قابلان"؛ أن الشعب الشركسي الذي تعرض للإبادة الجماعية عام 1864، جرى نفيه إلى الأراضي العثمانية، مشيراً إلى أن الشركس يعيشون اليوم في 40 دولة بعيداً عن وطنهم الأم بسبب ذلك، في ظل خطر فقدان هويتهم ولغتهم وثقافتهم.

من جهته أكد رئيس اتحاد الجمعيات الشركسية "نصرت باش"؛ أن تسليط الضوء على الأحداث التي جرت قبل 154 عاما؛ لا يأتي بدافع الانتقام، وإنما في إطار السعي نحو العدالة، مشيراً إلى أن روسيا الاتحادية تعد وريثة روسيا القيصرية، مطالباً موسكو "الاعتراف بجريمة الإبادة الجماعية، والاعتذار من الشعب الشركسي،  والإقدام على خطوات عملية لإزالة تأثير النتائج السلبية المستمر حتى يومنا".

الإبادة الجماعية

وقد أقر الرئيس الروسي السابق بوريس يلتسين في تصريح صدر عنه في شهر مايو من عام 1994 بأن مقاومة القوات القيصرية كانت مشروعة، ولكنه لم يعترف بـ"ذنب الحكومة القيصرية في الإبادة الجماعية". أرسل قادة قبردينو - بلقاريا وأديغيا نداءات لمجلس الدوما خلال عام 1997 وعام 1998، وذلك لإعادة النظر في الوضع وإصدار الاعتذار المحتاج إليه؛ حتى الآن، لم يصدر أي جواب من موسكو.

ودائما ما يوجد حالة من القلق في الحكومة الروسية بخصوص ما قد يحمله الاعتراف بوقائع الإبادة الجماعية بمطالب محتملة لدفع تعويضات مالية فضلاً عن الجهود الرامية إلى إعادة الشراكسة المغتربين إلى موطنهم في شركسيا.

أصدر البرلمان الجورجي قراراً بتاريخ 21 مايو عام 2011 ينص على أن عمليات القتل الجماعي "التي خُطط لها مسبقاً" والتي نفذتها روسيا الإمبراطورية بحق الشركس وما صاحبها من "المجاعة المتعمدة وانتشار الأوبئة" ينبغي الاعتراف بها على أنها "إبادة جماعية" وينبغي اعتبار الأشخاص الذين تم ترحيلهم خلال تلك الأحداث من وطنهم على أنهم "لاجئين". وقد بذلت جورجيا جهوداً للتوعية بقضايا الجماعات الإثنية في شمال القوقاز منذ عام 2008، وذلك عقب الحرب الروسية الجورجية.

أوضاعهم الحالية

حالياً يعيش الشراكسة الأديجة في جمهورية الأديجيه وفي إقليم الشابسوغ بالنسبة للقبائل الغربية، وفي جمهورية قرة چاي شركسك وجمهورية قباردينو-بلقاريا بالنسبة للقبائل الشرقية بالإضافة إلى الكيانات التي شكلت بعد إعادة رسم الخرائط عند الاحتلال مثل محافظة كراسنودار.

ويتواجد الشراكسة حالياً في تركيا، الأردن، سوريا، لبنان، وكوسوفو (والذين تم إعادة توطينهم في جمهورية الأديجيه بتاريخ 1998، بعد تهديدهم بالتصفية من قبل جيش تحرير كوسوفو، نتيجة لإدانتهم للمارسات غير الإخلاقية لاضطهاد الأقليات الموجودة في كوسوفو والذي تم تفسيره كدعم للأقليات ومنها الأقلية الصربية)
 




الكلمات الدلالية القوقاز الشركس

اضف تعليق