هل العقوبات على إيران من أجل معركة الغاز الأمريكي في العالم؟


٢٤ مايو ٢٠١٨ - ١٢:٣٢ م بتوقيت جرينيتش

رؤية

إن الولايات المتحدة الأمريكية تبحث عن قرن جديد من الهيمنة والنفوذ في العالم، بعد آفول القرن الأول؛ ولذلك هي تسخر من أدوات جديدة لتحقيق هذه الهيمنة، سيما أنها تريد الهيمنة أو ترويض أقطاب منافسة مثل روسيا والصين، وتستهدف أسيا بشكل أكبر.

وفي إطار القيود التجارية التي تفرضها على أوروبا والصين، تأتي معركة الغاز واحدة من هذه الأدوات التي تستخدمها الولايات المتحدة لترويض العالم في خدمة مصالحها، فيبدو أن المعركة الجيو -اقتصادية الحقيقية بين روسيا والولايات المتحدة قد انطلقت بالفعل، إذ أن الكثير من المعلومات، تشير بأن الولايات المتحدة ستتربع على عرش الطاقة النظيفة في العالم، أي الغاز.

إن بدء الولايات المتحدة تصديرها للغاز سيشكل عامل استفزازياً لروسيا ليس لكونه يصب أموالاً في خزائنها فحسب، بل لأنه سلاح جيو-استراتيجي فمن خلاله تستطيع موسكو تأكيد نفوذها العالمي، وعبر شركاتها المتخصصة في هذا المجال تفرض سيطرتها على مناطق جغرافية واسعة، إضافة إلى إمسكاها بعصب الطاقة النظيف الجديد.

لذلك، أشارت إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، إلى أنها تعتزم إضفاء العدالة والتوازن على أسواق الطاقة، عبر عرض غاز أمريكي على أوروبا وآسيا، مشيرة إلى الحاجة لتقليص ما أطلقت عليه القوة المشوهة للسوق لجهات فاعلة مثل روسيا وأوبك.

التنقيب وتجهيز البنى التحتية

في تحدٍ لقرارات الرئيس السابق باراك أوباما حول قانون حماية البيئة، أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، عن فتح مياه السواحل الأمريكية في شكل كامل تقريباً للتنقيب عن النفط والغاز في البحر، بما في ذلك قبالة سواحل كاليفورنيا وفلوريدا والقطب الشمالي، حيث يطاول المشروع، الذي يبدأ تنفيذه عام 2019 في إطار برنامج خمسي جديد لإدارة الموارد البحرية من الطاقة، 90% من المياه الساحلية الأميركية التي تختزن 98% من الموارد غير المستغلة من النفط والغاز. 

من هنا، أوضح وزير الموارد الطبيعية الأمريكي، رايان زينك، أن "السلطات الأمريكية تريد منح 47 رخصة تنقيب على مدى سنوات المشروع الخمس.. فالأحكام السارية حالياً تحصر التنقيب في 6% من المناطق البحرية المعنية".  ومن بين هذه الرخص، ستُخصص 19 لمياه سواحل ألاسكا، و7 للمحيط الهادئ و12 لخليج المكسيك و9 في المحيط الأطلسي.  في تكملة لما سبق، تشير التقديرات إلى وجود كميات من الغاز الطبيعي المسال المنتجة في تكساس ولويزيانا الأمر الذي يؤدي إلى وفرة موسعة في الإنتاج وانخفاض أسعار الطاقة عالمياً.

إضافة إلى ذلك، تشير الكثير من المصادر الاقتصادية بأن غالبية عقود الغاز الطبيعى طويلة الأجل كانت تصل إلى 20 عاماً، وسينتهي أغلبها بين العامين: 2018 و2020، لذا تسعى أمريكا لإعادة تشكيل نمط التجارة الراسخ منذ زمن طويل، سيما وأن السوق العالمية للغاز الطبيعى سيعاد تشكيلها من جديد في العام 2018.  في هذا السياق، يشير كاثلين إيسبرنر، الرئيس التنفيذي لشركة "نكست ديكاد" التي تسعى لبناء محطة تصدير في تكساس ومنشأة استيراد في ايرلندا، أن إنهاء عقود الغاز الطبيعي المسال فرصة هائلة"، مضيفاً "إن العام الجاري 2018 سيكون محورياً.

واستعداداً لهذا الوضع الجديد، تسعى الولايات المتحدة إلى زيادة العمل في البنى التحتية لقطاع الغاز حيث يرى العديد من الباحثين بأن كمية الصادرات الأمريكية الحالية يمكن أن تشكل نسبة أكبر مما هي عليه لولا قيود البنية التحتية، فلا يوجد ميناء في الولايات المتحدة يستطيع مناولة ناقلات النفط العملاقة وهي أكبر السفن الناقلة في العالم، كون الولايات المتحدة تمتلك حالياً ميناء نشطاً لتصدير الغاز الطبيعي المسال، ولديها 6 موانئ قيد التشييد، ومشاريع لبناء 30 ميناء آخر في المستقبل.

العقوبات على إيران

يشتبه الأوروبيون في أن الولايات المتحدة تسعى إلى تجميد استغلال احتياطات غاز إيرانية ضخمة عبر فرض عقوبات على الجمهورية الإسلامية في إطار الملف النووي، بهدف زيادة إنتاجها الخاص الذي يشهد ازدهارا مع الغاز الصخري.

حيث قامت الولايات المتحدة التى تنتج كميات كبيرة من الغاز الطبيعي، مؤخرا بتسريع البحث عن أسواق عالمية في حملة تجارية يدعمها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

وقالت برين دوهيرتي المتخصصة في هذه المادة الأولية في "سوسييتيه جنرال" أن "الفترة 2018-2029 تعد منذ فترة طويلة فترة حاسمة للسوق العالمية للغاز الطبيعي".

وبفضل تقنيات الاستغلال الجديدة في الأحواض الصخرية وخصوصا فى منطقة الأبالاش في شمال شرق البلاد، أصبحت الولايات المتحدة منذ 2009 أول منتج للغاز الطبيعي في العالم. وقد بلغت الكمية التي استخرجتها في 2017 أكثر بقليل من ملياري متر مكعب يوميا.

وتصدر الولايات المتحدة جزءا من هذه الثروة الوفيرة عبر أنابيب الغاز إلى كندا والمكسيك، لكن لبلوغ أسواق أبعد، تعول الولايات المتحدة على الغاز الطبيعي المسال، الغاز المكثف بشكل سائل لتصديره بالطرق البحرية.

وبدأت صادرات الغاز الطبيعي المسال ترتفع في 2016 عندما استأجرت شركة "شينيير إينرجي" للمرة الأولى ناقلة انطلاقا من منشآتها في سابين باس في ولاية لويزيانا. وحتى ذلك الحين لم تكن الولايات المتحدة تصدر الغاز سوى من مرفأ في ألاسكا أغلق في 2015.

وارتفعت الصادرات بمقدار أربع مرات خلال عام ما جعل من الولايات المتحدة دولة مصدرة للغاز الطبيعي المسال للمرة الأولى منذ ستين عاما، وأكثر من 50% من هذا الغاز يتم تصديره إلى المكسيك وكوريا الجنوبية والصين، وحوالي الثلث إلى أوروبا.

ويتوقع أن ترتفع هذه الصادرات بشكل كبير إذ أن مجموعة "دومينيون إينرجي" تدير مرفأ جديدا في كوف بوينت بولاية ميريلاند على الساحل الشرقي للولايات المتحدة. وقد بدأ عمله فى مارس بينما يفترض أن تنجز أربعة مشاريع أخرى بحلول 2019، وستبلغ قدرة الولايات المتحدة على التصدير حينذاك 272 مليون متر مكعب يوميا.

المرتبة الثالثة

النتيجة، حسب الوكالة الأمريكية للمعلومات حول الطاقة هى أن الولايات المتحدة ستحتل المرتبة الثالثة بين الدول المصدرة للغاز الطبيعي المسال فى العالم، بعد أستراليا وقطر، متقدمة على ماليزيا.

ويمكن للشركات الأمريكية الاعتماد على طلب قوى على الغاز. فقد ذكرت وكالة الطاقة الدولية أن الطلب سيرتفع بنسبة 1.6% سنويا حتى 2040، مقابل 0,5 % للنفط و0,2% للفحم ،ويشجع الرئيس دونالد ترامب ازدهار هذا القطاع.

وستبلغ قدرة الولايات المتحدة على التصدير حينذاك 272 مليون متر مكعب يومياً.

فمنذ أن تحدث في يونيو 2017 عن "الهيمنة الأمريكية في مجال الطاقة"، أشاد ترامب مرات عدة بمزايا الغاز الطبيعي الأمريكي، وتحدث مثلا خلال زيارة إلى بولندا الصيف الماضي عن مصلحة الدولة الأوروبية فى تنويع مصادر تزودها بهذه المادة.

وآسيا مستهدفة بشكل خاص. فقد ذكرت وكالة الطاقة الدولية أن 80% من زيادة الطلب على الغاز حتى 2040 تأتي من الدول الناشئة وعلى رأسها الصين والهند.

واكد وزير الخزانة الأمريكي ستيفن منوتشين هذا الأسبوع أن قضية صادرات النفط والغاز الأمريكية تأتي في صلب المفاوضات التجارية مع الصين.

وقال مسؤولون أوروبيون أن قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني الذي يمكن أن يمنع طهران من استغلال احتياطاتها الهائلة من الغاز، او انتقاداتها الأخيرة لمشروع انبوب الغاز "السيل الشمالي 2" (نورد ستريم 2) الذي يربط بين روسيا وألمانيا، هما طريقة لتمهيد الطريق أمام الغاز الطبيعى الأمريكي.

إلا أن دوهيرتي رأت أنه "من المبالغة القول أن الطاقة هي الدافع الأول لهذه القرارات"، وأضافت أن هذه القرارات "لها مضاعفات لا شك فيها على سوق الطاقة" لكن "حاليا ليست لدينا أي رؤية لعواقب هذه الأفعال".

وتابعت أن "الشركات الأمريكية تتخذ القرارات الخاصة بها حسب الأرباح والخسائر التي يمكن أن تولدها".

وكانت واشنطن أعلنت متجاهلة تحذيرات الأوروبيين، عن اعادة فرض العقوبات التي رفعت بموجب الاتفاق المتعدد الاطراف المبرم عام 2015، على إيران مقابل تعهدها بتجميد برنامجها النووي.

وتهدد الولايات المتحدة طهران بالعقوبات “الاقوى في التاريخ” إذا رفض الإيرانيون شروطهم لإبرام "اتفاق جديد" يشمل برنامج إيران للصواريخ البالستية.

وحذر وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو من أن الشركات الأوروبية التي ستواصل التعامل مع إيران في قطاعات محظورة بموجب هذه العقوبات، “ستتحمل مسؤولية” ذلك.

حاجة أوروبية للغاز

وقد أطلقت الولايات المتحدة استراتيجية البحث عن أسواق لبيع غازها الطبيعي. وصدرت 17,2 مليار متر مكعب عام 2017 نحو موانئ الاتحاد الأوروبي. وبحسب مركز الدراسات "آي إتش إس ماركيت" فإن "القدرة الإجمالية لاستيراد الغاز الطبيعي لدى أوروبا ستزيد بنسبة 20% بحلول العام 2020″.

في كل سنة تستورد دول الاتحاد الأوروبي ثلث احتياجاتها للاستهلاك (66%). في العام 2017 شكل ذلك 360 مليار متر مكعب من الغاز بينها 55 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال بقيمة 75 مليار يورو بحسب الإحصاءات الأوروبية.

وحتى الآن، نصف الغاز الذي تشتريه أوروبا، روسي لكن الأوروبيين يسعون إلى كسر هذا الاعتماد على روسيا.

وقال مفوض الطاقة الأوروبي ميجيل إرياس كانتي، خلال زيارته الأخيرة إلى طهران، إن "الاحتياطي الإيراني هائل وإذا طورت إيران منشآت مناسبة فيمكن أن تتيح لهذا البلد أن يصبح مزود كبير لأوروبا".

وتملك طهران أكبر احتياطي غاز في العالم بعد روسيا وخصوصا مع حقل الأوفشور فارس الجنوبي. ويقدر بنحو 191 تريليون متر مكعب. وصدرت البلاد 10 مليارات متر مكعب عام 2017 عبر انبوب الغاز نحو تركيا والعراق. لكن الحل للمستقبل سيكون الغاز الطبيعي المسال كما يؤكد المسؤولون الأوروبيون.

وقدر وزير النفط الإيراني بيجن زنكنه احتياجات الاستثمار بنحو مئتي مليار دولار على خمس سنوات. وساهم قطاع الطاقة بحوالي 50 مليار دولار من عائدات الدولة عام 2017 بحسب المعطيات الأوروبية.

استهداف روسيا

الاتحاد الأوروبي ليس الجهة الوحيدة المستهدفة من قبل واشنطن.

وقال ميجيل كانتي "المنافس المستهدف الآخر هو روسيا مع مشروعها الرائد نورد ستريم 2". ويهدف هذا المشروع إلى مضاعفة قدرات أنبوبي الغاز "نورد ستريم1″ بحلول 2019 وإفساح المجال أمام وصول المزيد من الغاز الروسي بشكل مباشر إلى ألمانيا عبر بحر البلطيق وبالتالي بدون المرور عبر أوكرانيا.

ويطالب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالتخلي عنه. وجعل منه ورقة تفاوض لإعفاء الأوروبيين من الرسوم على الفولاذ والألمنيوم بحسب مصادر أوروبية مقربة من الملف.

وتدافع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بشدة عن مشروع أنبوب الغاز الاستراتيجي هذا. وقال مصدر حكومي ألماني "في الوقت الراهن، الغاز الطبيعي المسال الأمريكي أغلي من الغاز الروسي. لدينا سوق حرة، والغاز الطبيعي المسال يجب أن يكون موضع تنافس″.

لكن مشروع “نورد ستريم 2″ لا يساعد على تنويع مصادر الطاقة الذي تسعى إليه أوروبا كما اقر من جهته المفوض كانتي.

وقال متوجها إلى الولايات المتحدة إن "أوروبا تريد تطوير استراتيجية غاز مسال بهدف ضمان امن الطاقة لديها، وإيران تشكل مصدر إمداد مهما".


اضف تعليق