ما علاقة القيم والثقافة الألمانية بالترحيل القسري للاجئين؟


٢٧ مايو ٢٠١٨ - ١٠:٤٥ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية ـ جاسم محمد
 
يأتي الترحيل القسري، عندما تجبر السلطات الألمانية اللاجئين المرفوضة طلباتهم، ولا يملكون وثائق الإقامة، على مغادرة ألمانيا، طالبو اللجوء المرفوضين الذين لا يحصلون على حماية في ألمانيا يتم إحاطتهم علما بأنه يجب عليهم المغادرة في غضون 30 يومًا، وأنهم سيُجبرون على ذلك في حالة الرفض. بينما يتعين على طالبي اللجوء من البلاد التي تعرف بـ"الدول الآمنة" المغادرة في غضون أسبوع.
 
وافق الائتلاف الحكومي الجديد لعام 2018، المكون من التحالف المسيحي والحزب الاشتراكي الديمقراطي، على إقامة مراكز استقبال لطالب اللجوء، بحيث يبقون فيها إلى حين البت بطلبات لجوئهم. وقال وزير الداخلية هورست زيهوفر أنه يعتزم وضع الخطة قيد التنفيذ بأسرع وقت ممكن، وتُسمى تلك المراكز بـ"مراكز المرساة".
 
يصدر المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين (بامف) مذكرة تتضمن رفض طلب اللجوء وقرارا بالترحيل، في حال رفض طلب اللجوء لشخص ما،  تبين فيها الفترة الزمنية التي سوف سيرحل فيها طالب اللجوء، وتحذر فيها من أن الشرطة سترحل الشخص في حال رفضه الامتثال للقرار. غير أنه من حق طالب اللجوء الطعن في القرار أمام المحكمة.
 
وكانت الحكومة الاتحادية طرحت خطة من 16 نقطة لتحقيق هذا الهدف. ومن بين تلك النقاط المطروحة إعداد عدة مراكز للترحيل يتم فيها تجميع الأشخاص الذين تقضي القوانين بترحيلهم. كما تتضمن الخطة إنشاء "مركز لدعم العودة" يقوم عليه كل من الحكومة والولايات لتيسير عمليات الترحيل الجماعي.
 
هناك عدة مراحل للطعن، الذي يقدم بداية للمحكمة الإدارية، وفي حال رفضه، يطعن في الحكم أمام المحكمة الإدارية العليا في الولاية، وبعدها تأتي المحكمة الإدارية الاتحادية. وبعد ذلك يمكن للشخص تقديم طعن واعتراض على قرار رفض اللجوء إلى المحكمة الدستورية العليا، أو المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في ستراسبورغ، في حال اعتقاد طالب اللجوء أن القرار ينتهك حقه الذي تضمنه له اتفاقيات حقوق الإنسان الدولية.
 
 
تراجع عدد طلبات اللجوء
 
أعلنت وزارة الداخلية الألمانية يوم 16 يناير 2018، تراجع عدد طلبات اللجوء الجديدة في ألمانيا خلال عام 2017  إلى نحو 186 ألف طلب. وبذلك استمر تراجع عدد طلبات اللجوء الجديدة في ألمانيا، حيث بلغ عدد الأشخاص الذين قدموا طلبات لجوء خلال عام 2016 نحو 280 ألف شخص، فيما بلغ 890 ألف شخص تقريبا في عام .2015 وأوضحت الوزارة أن عدد الترحيلات تراجع أيضا خلال عام 2017 إلى نحو 26 ألف حالة ترحيل، فيما بلغت حالات الترحيل 28 ألف حالة تقريبا في عام .2016 وأن عدد الحالات القديمة الخاصة بطلبات اللجوء ومدة العمل على إجراءات اللجوء انخفضت أيضا بشكل واضح خلال عام 2017.
 
كشف تقرير لصحيفة "نويه أوسنابروكر تسايتونغ" الألمانية يوم 11 يناير 2018 أن إجراءات طلب اللجوء منذ تقديمه وحتى البت به تستغرق وسطيا 10,7 أشهر، وهذه المدة هي أطول مما كانت تستغرقه هذه الإجراءات عام 2016 حيث كانت المدة 7,1 شهرا. وبالعودة إلى عام 2015 فإنها ضعف المدة التي كانت لازمة للبت بطلبات اللجوء التي كانت حوالي 5,2 شهرا؛ حسب تقرير الصحيفة التي استندت في معلوماتها إلى إحصائيات المكتب الاتحادي للهجرة واللجوء "بامف".
 
 
اللاجئون من دول البلقان وأفغانستان والعراق
 
بدأت ألمانيا بتسريع عملية ترحيل اللاجئين الذين وصلوا المانيا من دول البلقان أفغانستان والذي قدموا إلى ألمانيا لأسباب اقتصادية، وبالفعل بدأت المانيا في  ترحيل أعداد كبيرة من لاجئي أفغانستان والبلقان من ألمانيا منذ بداية العام 2015 .
 
شهد  عام 2016 وعام 2017 وكذلك عام 2018 رفض وترحيل الكثير من اللاجئين العراقيين الذين لا يملكون أسباب تمنحهم حق اللجوء مثل اللاجئين القادمين من المحافظات الآمنة مثل محافظة بغداد، ولكن الكثير من هؤلاء اللاجئين تم ترحيلهم إلى البلاد التي عبروا منها إلى المانيا ولهم بصمة فيها، وبالتالي عاد الكثير منهم أدراجه إلى العراق لكون المانيا كانت هدفهم وليس البلد الذي تم ترحيلهم اليهم.
 
السوريون والعراقيون والإريتريون الفارون باتجاه ألمانيا يتمتعون حاليًا بوضع خاص، إذ تندرج طلباتهم تحت نطاق طلبات اللجوء المستعجلة. كل ما عليهم فعله هو ملء استمارة خاصة بذلك. مدة دراسة الطلب تستغرق عادة بين شهرين وثمانية أشهر. أما طلبات اللجوء العادية (الأفغان مثلا) فتستغرق أحيانا سنتين أو أكثر.
 
واجهت ألمانيا انتقادات شديدة باقامتها مراكز "المرساة" لاستقبال اللاجئين من أجل فرض رقابة أكثر ويكونو من الذين لا يملكون حظوة بالحصول على حق اللجوء. وفي هذا الإطار قال رئيس الحزب البافاري بالوكالة، مانفرد فيبر، إن القضية الأساسية في أوروبا لعام 2018 ستكون "الحل النهائي" لمسألة اللاجئين. وأعادت عبارة "الحل النهائي" إلى الأذهان ما خرج النازيون به عام 1942 بخصوص "الحل النهائي للمسألة اليهودية". وبعد تصريح مانفرد بوقت قصير اقترح وزير الداخلية النمساوي كيربرت كيكل أن يتم "تجميع اللاجئين في مكان واحد"، الأمر الذي قاد إلى عقد مقارنات مع معسكرات الاعتقال النازية.

 
برامج REAG/GA
 
أطلقت الحكومة الألمانية في عامي 1979 و 1989،برنامج  REAG من قبل الوزارة الاتحادية لشؤون الأسرة والمرأة والشباب والصحة آنذاك بالتعاون مع المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة، في حين تم إطلاق مبادرة GARP من قبل وزارة الداخلية الألمانية. وقد تم الجمع بين هذين البرنامجين عام 2000. بالإضافة إلى REAG/GARP، يمكن للراغب بالعودة الحصول على المساعدة المالية من برنامج StarthilfePlus. ويهدف هذا البرنامج الاتحادي، الذي طرح في أوائل عام 2017 استجابة لأزمة اللاجئين، إلى تشجيع أولئك الذين يرغبون في العودة إلى بلدانهم الأصلية على أنهم مستعدون للاندماج مجدداً في المجتمع. ويمكن للراغبين بالعودة من 45 دولة أن يحصلوا على المساعدة من هذا البرنامج، بما فيها جميع الدول التي شهدت تدفقاً كبيراً من الهجرة في ظل أزمة اللاجئين. وتعتمد الحوافز المالية المختلفة في StarthilfePlus على وقت التقدم بطلب للحصول على البرنامج.
 
 
ارتداد سياسة الأبواب المفتوحة
 
لقد تغيرت سياسة الأبواب المفتوحة تماما التي تبنتها المستشارة الألمانية ميركل منذ عام 2015، والآن تعيش المانيا حالة ارتداد قوي لهذه السياسة، لتنعكس بالضد ضد اللاجئين والمهاجرين بتسريع الترحيل القسري، وهي إجراءات وسياسات لم تشهدها المانيا من قبل.
 
المشهد يعطي انطباع بأن الحكومة الائتلافية الألمانية لعام 2018، تتجه بدون شك نحو اليمين، وما يدفع ذلك هو وجود وزير الداخلية الألماني زيهوفر، البافاري المعروق باتجاهاته نحو اليمين وبمعاداة اللاجئين. فمن المتوقع أن تشهد ألمانيا خلال هذا العام 2018 والسنوات القادمة تسريع أكثر إلى ترحيل المهاجرين واللاجئين إلى بلدانهم.
 
المشكلة هي ليست في القرارات، ولكن بالطريقة والأسلوب والإجراءات التنفيذية بالترحيل، التي تكاد تكون قريبة إلى معتقلات النازية، وهذا ما دفع أعدادًا كبيرة من اللاجئين الذين لم تحسم طلباتهم بمفادرة ألمانيا. يشعر بعض طالبي اللجوء الذين يصلون إلى ألمانيا بخيبة أمل بعد الوصول بفترة قصيرة، لأسباب عديدة منها الإجراءات البيرقراطية والمتطلبات المختلفة لدخول سوق العمل، بالإضافة إلى إتقان المهارات اللغوية الأساسية وغيرها من الأمور التي قد لا تتوافق مع ما اعتاد عليه أولئك المهاجرون في بلدانهم الأصلية.
 
الترحيل القسري، هي مواقف سياسية أكثر ما تتعلق بإجراءات إدارية، ولا تعود أسباب هذه السياسة، إلى قضية مادية واقتصادية، بقدر ما تعتبرها ألمانيا أنها تمثل ["خطرًا" على "ثقافة ألمانيا و"قيمها"]. تأتي هذه السياسات نتيجة تراجع الحزب الاشتراكي والديمقراطي المسيحي وأحزاب اليسار أمام المد اليميني، وهذا يعني أن الحكومة الائتلافية الحالية، تغازل اليمين بتسريع الترحيل للاجئين من أجل الحفاظ أو استرجاع شعبيتها ومقاعدها في البرلمان، وهذا ما سيكون ربما أبرز أوجه السياسة الألمانية خلال هذا العام.
 
 
 



الكلمات الدلالية اللاجئين بألمانيا ألمانيا

اضف تعليق