بعد انهيارها.. الليرة التركية تربك حسابات السلطان


٣٠ مايو ٢٠١٨ - ٠٨:٤٩ ص بتوقيت جرينيتش

كتبت – ولاء عدلان

تركيا على صفيح ساخن قبيل انتخابات يبدو أن نتائجها محسومة سلفا، ووسط مشهد متقلب على الصعيدين السياسي والاقتصادي، ولعل الأخير يربك حسابات السلطان أكثر، نظرا لكون آثاره تضرب الناخبين مباشرة وتؤثر على حياتهم اليومية سواء كانوا من الطبقة المتوسطة أو العليا بالمجتمع، فلا فرق عندما نتحدث عن انهيار العملة فالهم واحد.

خسرت الليرة التركية منذ مطلع العام الجاري نحو 21% من قيمتها، ما دفع البنك المركزي للتحرك بعد دعوات متعددة من المستثمرين لإنقاذ العملة الوطنية، فأعلن الأربعاء الماضي عن رفع أسعار الفائدة بواقع 300 نقطة، في خطوة غير مسبوقة، إذ يؤمن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بأن أسعار الفائدة المرتفعة هي أساس كل الشرور.


وفي نحو أسبوع أخد المركزي حزمة من القرارات لدعم الليرة وامتصاص تداعيات انهيارها، كان أبرزها طرح تسهيلات جديدة للبنوك فيما يتعلق بتسديد قروض إعادة الخصم المسحوبة قبل 25 مايو الجاري، والمستحقة حتى 31 يوليو المقبل، على التصدير وخدمات عائدات النقد الأجنبي، والإعلان عن تبسيط السياسة النقدية وأن سعر إعادة الشراء لأجل أسبوع سيصبح في يونيو المقبل هو ذاته سعر الفائدة الرئيسي وذلك عند مستوى مساوِ لسعر التمويل الحالي البالغ 16.5 بالمئة.

فيما أعلنت بورصة اسطنبول في 22 مايو الجاري، أنها حولت جميع العملات الأجنبية الزائدة عن احتياجاتها على المدى القصير إلى الليرة التركية، تأكيدا على ثقتها في العملة الوطنية.

ساهمت هذه الخطوات في تعويض نحو 3% من خسائر الليرة الإجمالية منذ مطلع العام، حيث ارتفعت عقب إعلان المركزي عن تبسيط سياسته الإثنين الماضي بنسبة 0.7%، لكن هذا غير كافٍ بحسب خبراء ومحللين اقتصاديين، فالأزمة الحقيقة وراء هذا التراجع المتسارع هي الرئيس نفسه فسياسات التحفيز الاقتصادي التي فرضها عقب محاولات الانقلاب عام 2016 ساهمت في رفع معدلات التضخم بالبلد، فضلا عن أن محاولاته الدائمة لبسط سيطرته على المؤسسات المالية تثير قلق المستثمرين الأجانب وربما تدفعهم في المستقبل إلى عدم التفكير نهائيا في الدخول إلى السوق التركي الذين كانوا لعدة سنوات مضت أحد دعائم نموه بوتيرة غير مسبوقة بنسبة وصلت إلى 7.4% بنهاية 2017. 


أردوغان الذي دعا المواطنين إلى تحويل مدخراتهم من الدولار واليورو إلى الليرة، قائلا -أمام حشد انتخابي في أرضروم السبت الماضي- إخواني الذين لديهم دولارات أو يورو تحت الوسادة، اذهبوا واستثمروا أموالكم في الليرة لنحبط هذه المؤامرة سويا، يظن أنه بحديثه المستمر عن وجود مؤامرة وراء هذا الانهيار المتسارع للعملة، سيعلق أخطاءه على شماعة الأخرين ويذهب إلى الانتخابات في يونيو المقبل بقلب مطمئن، هذا غير صحيح فحتى إن كانت استطلاعات الرأي لا زالت في صالحه وتؤكد فوزه بنسبة 54%، فهو سيكون على موعد مع معركة اقتصادية ربما أقسى من معركة انقلاب 2016.

ويعزو المسؤولون الأتراك عموما والصحف الموالية للنظام، تراجع سعر الليرة إلى مؤامرة ينفذها لاعبون محليون وأجانب في الأسواق، بهدف زعزعة استقرار الاقتصاد التركي، وقال رئيس الوزراء منذ أيام: نحن على علم بمصدر التلاعب، ونقول لهم وللمتعاونين معهم في الداخل "لن تنجحوا الآن كما لم تنجحوا بالأمس، مهما فعلتم وأحكمتم من مكائد".

وتحت عنوان "تركيا تنحي باللائمة على اللوبي اليهودي في أزمتها الاقتصادية" كتبت "التايمز" -في مقال نشرته اليوم- الرئيس التركي رجب طيب أردوغان طالما وجه أصابع الاتهام إلى ما أسماه بـ"لوبي الفائدة" لتبرير تقلبات سعر العملة، فيما أنحت وسائل الإعلام التركية باللائمة على "اللوبي اليهودي"، مستغلة تغريدة للأكاديمي الإسرائيلي إيدي كوهين  قال فيها: إن أزمة الليرة التركية بدأت بعد فترة قصيرة من صدور الأمر للسفير الإسرائيلي لمغادرة أنقرة بصورة مؤقتة، ألا يعلم أردوغان أن نصف ثروة العالم تخص عائلة يهودية واحدة فقط، وهي الداعم الرئيسي لإسرائيل؟ محذرا من أن القادم أدهى نتيجة لمناورات اللوبي اليهودي.

كلمة "مؤامرة" أثبتت أن أردوغان حقق مبكرا ما صرح به أخيرا لوكالة "بلومبرج" من كونه يتطلع في حال فوزه بالانتخابات إلى تعزيز قبضته على المؤسسات المالية بصورة أكبر، وإخضاع السياسة النقدية والقرارات الاقتصادية وقرارات البنك المركزي لسيطرته، نجد ذلك جليا في بيان لبورصة إسطنبول حمل اتهامات لمضاربين بمحاولة تشويه صورة الاقتصاد التركي، قبيل الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.



وزعم البيان أن المضاربات لا تتوافق مع المعطيات الاقتصادية الحقيقية  والتي تؤكد قوة الاقتصاد التركي الفعلية، من معدل نمو بلغ خلال العام الماضي 7.4%، وصادرات قفزت إلى أكثر من 157 مليار دولار، متجاهلا  تمام وصول معدل التضخم إلى 11% بنهاية أبريل الماضي، وارتفاع العجز التجاري بنسبة 84 % خلال يناير وفبراير 2018، وتجاوز الديون الأجنبية للشركات التركية حاجز التريليون ليرة، وتكلفة هذه الديون مرشحة للارتفاع مع استمرار تراجعات العملة.

بعيدا عن نظيرات المؤامرة، هناك وقائع لا يمكن تجاوزها قادت إلى انهيار العملة التركية منذ مطلع العام الجاري، أبرزها سياسة أردوغان المالية، إذ يميل لتشجيع خفض أسعار الفائدة ومعالجة عجز الميزانية والتضخم بمزيد من مسكنات التحفيز، كرفع المعاشات أو التوسع في سياسات الإعفاء الضريبي.

الواقع أن خفض الفائدة أغرق الشركات في ديون تتجاوز الـ200 مليار دولار، وهو ما قد يدخل البلد في نفق مظلم من الكساد، قد لا تستطيع تفاديه، حتى مع رفع أسعار الفائدة، إذ أن استمرار حالة التوتر السياسي بالبلد نتيجة حملة القمع التي يخوضها النظام ضد معارضية منذ 2016، وتفريغ الحكومة من الشخصيات التكنوقراط  لصالح أصحاب الثقة، واستمرار الحديث عن مؤامرات خارجية تحاك ضد الاقتصاد، جميعها عوامل طاردة لرؤوس الأموال، ناهيك عن أن رفع الفائدة لا يصب بالكامل في صالح الاقتصاد الوطني -بوضعه الراهن- ، إذ من شأنه التأثير سلبا على عجز الموازنة والدين العام.


   


اضف تعليق