أحمد زكي.. الصورة دايما حلوة


٣١ مايو ٢٠١٨ - ٠٨:٤٦ ص بتوقيت جرينيتش

أماني ربيع

كيف تستطيع أن تقاوم هاتين العينين هذه الملامح السمراء وكأنها منحوتة من طمي النيل وجه بسيط إحساس طاغ وتقمص يشبه السحر، إنه "البريء" الصعيدي الفهلوي في "البيه البواب" الضابط القاسي في "زوجة رجل مهم"، عبده الطبال في "الراقصة والطبال" مصطفى المحامي الفاسد في "ضد الحكومة" وعم سيد في "اضحك الصورة تطلع حلوة" الرئيس والصعلوك المحتال وصاحب المبادئ هو.. أحمد زكي.


سؤال شغل بال كثيرين عندما كانوا يعبرون أمام سينما مترو في منطقة وسط البلد بالقاهرة، عندما وجدوا ملصقات أحمد زكي في كل مكان، ما دفع إلى سؤال آخر، هو أحمد زكي غايب من امتى"، 13 سنة مرت على غيابه دون أن نشعر فهو الحاضر الذي لا يغيب.

أعاد الإعلان الذي قدمه مجموعة من الفنانين من أجل زميلهم الراحل لصالح إحدى المستشفيات الخيرية الحنين إلى حضور هذا المشخصاتي الثري صاحب عشرات الأدوار التي رسمها بروحه على الشاشة الفضية، ورغم تواجده بالصور والأفلام طغى حضوره على جميع النجوم المشاركين، وأجمع الجمهور أنه لم ير في الإعلان إلا أحمد زكي.


 كان زكي، موهبة طاغية فرضت نفسها رغم الجسد النحيل والوجه الأسمر والشعر المجعد، منذ تخرجه من معهد السينما عام 1973.
 
وصف البعض "صمته " في مسرحية "مدرسة المشاغبين" بأنه أكثر براعة وبلاغة من قفشات سعيد صالح وعادل إمام الكوميدية إضافة إلى تقديم الكوميديا والحركة بأسلوبه الخاص والمميز في أعمال "مستر كاراتيه"، "حسن اللول"، "البيه البواب"، "كابوريا" مرورا بالغلب والحسرة في أعمال أخرى مثل "الحب فوق هضبة الهرم" و"اضحك للصورة تطلع حلوة ".
 
"الجهل عدو للحرية وخادم للأنظمة الديكتاتورية"

"البريء"


فكرة أن يكون الجهل خادم السلطة، تحت إدارة عاطف الطيب، وبسيناريو محكم للرائع وحيد حامد، عن قصة حقيقية حدثت مع وحيد حامد شخصياً خلال انتفاضة 17 و18 يناير 1977، كانت عينا أحمد زكي هي البطل في هذا الفيلم النموذج.
 
هذا الفلاح البسيط بعيونه التي تحتضن الكون في براءة ودهشة تأسرك، نجح زكي ببراعة لا تخلو من سلاسة في تجسيد المواطن الجاهل الذي لا يفقه شيئا عن تاريخه وحاضره وعن حقوقه وواجباته، أشبه بآلة بفي النظام يتحكم به كيفما يشاء، وعندما حاول استخدام عقله لمرة واحدة مرة واحدة فقط انتهى به الأمر في زنزانة واحدة مع صديقه حسين وهدان الذي مات في المعتقل..

"البلد دي مش هتتقدم إلا بمواجهة أخطاءها مش عيب إننا نبقى بلد متخلف... العيب الحقيقي إننا نحط راسنا في الرمل ومواجهش التخلف إذا كان حد قلبه ع البلد دي بصحيح لازم يقف يحاسب ويتحاسب".

"ضد الحكومة"



على النقيض نجد زكي في "ضد الحكومة" لعاطف الطيب أيضا، كان أحمد زكي وقد وصل إلى قمة النضج في فيلم يدين الزمن الذي أفرز أمراضا عدة مثل الفساد والإهمال واستهانة السلطة بأرواح الأبرياء.

يقدم زكي دور المحامي الفاسد رجل أفقده الغرق في الفساد دهشته، لكن لا مبالاته بالواقع حوله تصطدم بحالة خاصة جدا وهي تعرض ابنه الوحيد لحادث مؤلم راح ضحيته عشرات الأطفال الأبرياء.. ويبدأ الصراع والتحول الذي عبر عنه زكي ببراعة منقطعة النظير في مشهد المرافعة الأخير في الفيلم عندما يصرخ في قاعة المحكمة “كلنا فاسدون.. حتى بالصمت العاجز ولا أستثني احدا”.


"ويل للعالم اذا انحرف المتعلمون وتبهيظ المثقفون"

"البيضة والحجر"



مستطاع مدرس فلسفة شاب صاحب مبادئ لكن "من امتى المبادئ بتأكّل عيش"، يستغل دراسته ويلبسها رداء الشعوذة الأقرب لقلوب البسطاء والأغنياء على السواء، يبزغ نجمه ويثري ثراء كبيرًا، ثم يضيق بتصرفاته فيسلم نفسه لرجال الشرطة ويطالب بمحاكمته، وأداء سهل ممتنع مع سيناريو أكثر من رائع لمحمود أبو زيد، وإخراج علي عبد الخالق.
 
"كلهم كدابين وكلهم عارفين إنهم كدابين وكلهم عارفين إننا عارفين إنهم كدابين"

"الحب فوق هضبة الهرم"



علي شاب بسيط من الطبقة المتوسطة التي تآكلت بفعل الانفتاح، يقدم "الحب فوق هضبة الهرم" مشاكل الشباب أي شباب في أي وقت السكن الزواج العادات والتقاليد، ينجح أحمد في تقديم الشاب الطموح المطحون الذي تجبره ظروفه على دفن نفسه في أجواء من الإحباط، يمضي الوقت بالتسكع في الشوارع، راتبه الشهري ضئيل لا يسمح له بالتفكير في الزواج يرتبط علي بعلاقة حب مع رجاء "آثار الحكيم" ويتفقان على الزواج، لكن الظروف والتقاليد تحاصرهما من كل جانب. لدرجة أنهما يجدان صعوبة للاختلاء بنفسهما حتى بعد زواجهما، وينتهي بهما المطاف في السجن.

"يا ست إلهام هانم هو انت اسمك إيه"

"البيه البواب"



على العكس من علي الشاب المثقف نجد عبد السميع البواب الصعيدي الفهلوي القادم من أسوان بأحلام الثراء تواجهه أحضان القاهرة بالصدود والنصب، ناقش فيلم البيه البواب قضية هامة من قضايا الثمانينات وهي قضية انقلاب الهرم الاجتماعي وتمكٌن طبقة من الطبقات الدنيا مثل طبقة البوابين من التحكم كيفما تشاء فيمن حولها والارتقاء بمستواها ننتيجة احتكارهم لمهنة السمسرة.

قدم أحمد زكي الدور بحس فكاهي شديد تراه "ساذج وطماع وغلباوي"، فنجح بحرفيته المعتادة وموهبته في إضفاء السعادة وإثبات أنه قدير بأن يعيش أي شخصية أيا كانت أبعادها وأن ينتقل من دور إلى دور.

مشوار مرصع بالجوائز


لم تغب الجوائز عن ترصيع مشواره الفني الثري، فنال  العديد من الجوائز ومنها جائزة عن فيلم "طائر على الطريق" في مهرجان القاهرة وجائزة عن فيلم "عيون لا تنام" من جمعية الفيلم، وجائزة عن فيلم "امرأة واحدة لا تكفي" من مهرجان الإسكندرية عام 1989 وجائزة عن فيلم "كابوريا" من مهرجان القاهرة السينمائي عام 1990.
 
وفي الاحتفال بمؤوية السينما العالمية عام 1996 اختار السينمائيون 6 أفلام قام ببطولتها أو شارك فيها الفنان أحمد زكي، وذلك ضمن قائمة أفضل مئة فيلم في تاريخ السينما المصرية وهي "زوجة رجل مهم، والبريء، وأحلام هند وكاميليا، والحب فوق هضبة الهرم، وإسكندرية ليه وأبناء الصمت".
 
ما هي كلمة السر في تفسير ظاهرة أحمد زكي التي لم تقف عند موته الذي انتقل من العمل بالسخرة في "شفيقة ومتولي" إلى مقعد الرئيس في "ناصر 56" و"السادات" قدرته تشخيصية غير عادية قدمها "الفتى الأسمر" في إطار لم يخل من مضمون فجاءت اختياراته الفنية تفاعلا مع مع قضايا مجتمعه وألامه وأوجاعه، تجلت في أعمال مهمة مثل "معالي الوزير" و"زوجة رجل مهم" و"ضد الحكومة". وغيرها من الأفلام.
 
لم يقع زكي يوما في فخ الابتذال أو النمطية رغم العديد من الأعمال التجارية التي قدمها، وتعاون مع عدد من كبار المخرجين لعل أبرزهم محمد خان في "زوجة رجل مهم" "أحلام هند وكاميليا" و"موعد على العشاء" و عاطف الطيب في "ضد الحكومة" و"البريء" و"الهروب".


الكلمات الدلالية أحمد زكي أخبار المشاهير

اضف تعليق