إيران تنتظر حزمة الضمانات الأوروبية للبقاء في الاتفاق النووي .. وأوروبا ليس لديها إلا الشركات الصغيرة


٣١ مايو ٢٠١٨ - ٠١:٠٦ م بتوقيت جرينيتش

رؤية - بنده يوسف

بعد ثلاثة أسابيع وبدعوة إيرانية يلتقي وزراء خارجية المجموعة الدولية وإيران من دون الولايات المتحدة، للاطلاع على ما ستنجزه فرق العمل والخبراء التابعين للأطراف الستة خلال الأسابيع الفاصلة، وسيتسلم محمد جواد ظريف حزمة الاقتراحات المقدمة من الدول الأوروبية والصين وروسيا وعندها ستحدد إيران إذا كانت أوروبا تلبي الضمانات الكافية لبقاء الاتفاق.

هروب الشركات الكبرى

كشف مسؤول في "لوك أويل" ثاني أكبر شركة منتجة للنفط في روسيا، أمس الثلاثاء، أن الشركة قررت عدم المضي قدما في خطط تطوير مشاريع بإيران في الوقت الراهن، بسبب التهديد بفرض عقوبات أمريكية.

وكانت "لوك أويل" تجري محادثات مع إيران بشأن تطوير حقلي "أبتيمور ومنصوري" النفطيين.

وبهذا التطور، تتواصل انسحابات الشركات العالمية من خطط عمل أو مشاريع قائمة ومحتملة في إيران، في أعقاب التهديدات الأمريكية بفرض عقوبات على طهران.

إمهال توتال

وقال وزیر النفط الإیراني بیجن زنكنه: إن لدینا خططاً وأفکاراً لتصدیر النفط ونسعى من خلال خبراتنا للحد من انخفاض صادرات النفط.

وأضاف، إن إیران اتخذت إجراءات في هذا الشأن لا نرید الإفصاح عنها الآن کي لا تضع الولایات المتحدة عراقیل أمام تنفیذها.

وحول خروج شرکة "توتال" الفرنسیة من إیران، قال زنكنه بأن أمام هذه الشرکة 60 یوماً لاتخاذ القرار وإلّا سیتم استبدالها بشرکة النفط الوطنیة الصینیة (CNPC)، مستبعداً في نفس الوقت أن تحصل هذه الشرکة الفرنسیة على ترخیص من واشنطن لمواصلة نشاطها في إیران.

وأکد زنكنه على مواصلة إیران بیع نفطها وتصدیره إلى الهند والصین بعد الانسحاب الأمریکي من الاتفاق النووي، مشیراً إلى إشارات إیجابیة لحظتها إیران من هاتین الدولتین.

وبالنسبة لقضیة نقل عوائد بیع النفط النقدیة إلى البلاد، قال وزیر النفط: إن إیران لدیها آلیة مع الصین في هذا الشأن، لکن تعاوننا مع الجانب الأوروبي یحتاج الى وجود بنک وسیط، واصفاً زیارة ظریف إلى أوروبا بأنها کانت مقدمة لمفاوضات تهدف إلى التوصل إلى اتفاق حول التفاصیل.

وکانت إیران قد وقعت العام الماضي، اتفاقاً مع کونسرتیوم دولي بقیادة توتال ویضم سی.إن.بي.سي الصینیة وبترو بارس الإیرانیة لتطویر المرحلة الـ11 من حقل الغاز المذکور، في صفقة هي الأضخم بعد رفع العقوبات عن إیران في 2016.

وتبلغ قیمة مشروع تطویر الحقل 8ر4 ملیار دولار، ومن المتوقع بعد تدشین المرحلة الـ11، رفع طاقة استخراج إیران من الحقل المشترک مع قطر، بواقع 56 ملیون متر مکعب یومیاً من الغاز.

وبعد انسحاب الولایات المتحدة من الاتفاق النووي، أعلنت توتال بأنها لن تواصل نشاطها إذا لم تحصل على ضمانات من فرنسا وباقي دول الاتحاد الأوروبي تعفیها من العقوبات الأمریکیة، وستبدأ إجراءات الخروج من الصفقة.

استمرار التعاون عبر الشركات الصغيرة

كلمة الرئيس الفرنسي، ماكرون خلال مشاركته في منتدى بطرسبورج الاقتصادي الدولي، الجمعة الماضية، كشفت عن الآلية التي تسعى أوروبا إلى استخدامها للالتفاف على العقوبات الأمريكية على إيران؛ فهي لا تريد الدخول في صدام مع واشنطن، ولن تستطيع حماية شركاتها الكبرى التي لها مصالح اقتصادية مع الولايات المتحدة الأمريكية؛ ولذلك قال ماكرون "لا بد من حماية الشركات الفرنسية من التأثير المحتمل للعقوبات الأمريكية التي فرضت مؤخرا على إيران، لكن ليس عندما تؤثر هذه العقوبات على نشاط الولايات المتحدة".

وأضاف أن الشركات الفرنسية يجب أن تقرر بنفسها فيما إذا كانت ستواصل نشاطها في إيران في ظل العقوبات الأمريكية المفروضة على طهران، مشددا على أن الحكومة الفرنسية لن تستخدم أموال دافعي الضرائب لتعويض الشركات الفرنسية المتضررة من العقوبات.

أي إن فرنسا وكذلك هي الرؤية الأوروبية؛ لا تدافع عن إيران من أجل التصدي لترامب، وإنما من أجل حماية مكاسب أوروبا الاقتصادية، وإن لم يتحقق ذلك فأوروبا لن تجازف بأي خسارة جراء تعاملاتها مع إيران.

وستكون الشركات الصغيرة هي الفرصة المتبقة لتعاملات أوروبا داخل السوق الإيراني، ولذلك سيكون بالنسبة لأوروبا خروج الشركات الكبرى من إيران؛ لأن لا أحد سيتحمل غرامة خساراتها جراء أي عقوبة أمريكية.

وكان رئيس المفوضية الأوروبية، جان كلود يونكر قد صرح "لقد أظهرت قمة صوفيا الوحدة الأوروبية"، واعترف بأن "العقوبات الأميركية لن تكون بلا تأثير لذلك لدينا واجب وهو أن نفعل ما بوسعنا لحماية الأعمال الأوروبية وخاصة الشركات الصغيرة والمتوسطة". وفي الوقت نفسه أكدت المفوضية الأوروبية على "التزام الاتحاد الأوروبي بالحفاظ على التعاون الأساسي الموجود مع الولايات المتحدة في المجالات المتعددة... وتبقى الولايات المتحدة شريكا وحليفا رئيسيا".

وبعد أن أطلقت المفوضية الأوروبية، الإجراءات الرسمية التي تهدف إلى تفعيل "قانون التعطيل" من أجل الحد من تأثير العقوبات الأميركية على الشركات الأوروبية التي تريد الاستثمار في إيران. اعترف جان كلود يونكر بأن "العقوبات الأمريكية لن تكون بلا تأثير لذلك لدينا واجب وهو أن نفعل ما بوسعنا لحماية الأعمال الأوروبية وخاصة الشركات الصغيرة والمتوسطة".

وهو ما يظهر المعضلة التي تعيشها أوروبا بين إرضاء الولايات المتحدة الأمريكية والحفاظ على مصالحها في إيران، وأنه لا سبيل أمام أوروبا إلا الالتفاف على العقوبات الأمريكية على إيران عبر الشركات الصغيرة.

ضمانات غير مضمونة

وترتكز الاستراتيجية الإيرانية المبدئية على الخطوات المتفق عليها في نظام رفع العقوبات تبعاً للقرار الدولي 2231، ما يعني رفع مستوى التبادل التجاري مع أوروبا إلى الحد الأقصى أو بحجم موازٍ تقريباً لحجم التبادل التجاري مع الصين، الذي بلغ العام الماضي نحو 37 مليار دولار، فيما لامس حجم التبادل التجاري مع أوروبا عام 2017  الـ 21 ملياراً.

لكن الواقعية الإيرانية التي أخذت بعين الاعتبار القدرات القصوى لدول الاتحاد الأوروبي وهامش حركة هذه الدول في ظل التهديدات الأميركية للشركات الأوروبية، اختارت سياسة الخطوة خطوة إذ تبدأ الخطوة الأولى بتثبيت مستوى التبادل الحالي، وهو بالمناسبة مرتفع جداً مقارنة مع العام 2016 (13,4 مليار دولار) وأقل من 5 مليارات خلال فترة الحصار، قبل الانتقال في المرحلة التالية إلى رفع حجم التبادل إلى مداه الأقصى.

 أوروبا الغربية تعتقد أن بإمكانها تثبيت مستوى التبادل التجاري في مستوياته الحالية على الرغم من العقوبات الأميركية المنتظرة وتهديد الشركات الأوروبية الكبرى بالانسحاب من السوق الإيرانية، لكن هذا الاعتقاد يبقى في إطار المعلن للرأي العام، فالأوروبيون مقتنعون بأن الحد الأقصى لهامش حركتهم في ظل التهديدات الأميركية يبقى متواضعاً ولأسباب عدة:

- الاقتراح الأوروبي بأن الشركات الكبرى المعرضة للعقوبات الأمريكية كتوتال وأنجي الفرنسيتين وسيمنس الألمانية وأليانز الأوروبية المتخصصة بالشؤون المصرفية والتأمين وغيرها، يمكن استبدالها بشركات صغيرة الحجم للالتفاف على العقوبات الأمريكية.

لكنه اقتراح يبقى نظرياً والمطلوب خلال نقاشات الأسابيع الفاصلة حتى موعد اللقاء الوزاري للمجموعة الدولية أن تقدم أوروبا ضمانات على إمكانية قيام هذه الشركات بالمهام ذاتها للشركات الكبرى.

- أوروبا غير واثقة حتى الآن من قدرتها على ضمان تأمين التحويلات الإيرانية عبر النظام المالي العالمي "سويفت" لأن هذه التحويلات تمر جميعها عبر نيويورك، وهي معرضة بالتالي للعقوبات الأميركية، وفي حال فرضت الولايات المتحدة عقوبات على التحويلات عبر هذا النظام، فستجد أوروبا نفسها أمام خيار صعب التحقيق يفرض استحداث نظام موازٍ للنظام المالي الحالي محصور بالتبادلات مع إيران يعتمد اليورو علمة للتبادل ويتولى البنك المركزي الأوروبي مهمة التحويل مباشرة إلى إيران  من دون المرور عبر نيويورك.

لكن لهذا القرار تداعيات سياسية واحتمال رد فعل عنيف من قبل الولايات المتحدة، وفي الوقت ذاته يواجه تعقيدات تقنية، إذ تبقى قدرات البنك المركزي الأوروبي على ضخ كميات هائلة من العملة الأوروبية في الأسواق محدودة جداً.

- لا يواجه قطاع النفط الإيراني مشكلة في تصريف المنتجات والمشتقات النفطية إلى الخارج، فالجزء الأكبر من هذه المنتجات لا تزال وجهته دول آسيوية في مقدمتها الصين وكوريا الجنوبية (مع تراجع استيراد الهند من النفط الإيراني مؤخراً واستبداله بنفط أمريكي). وقد تنجح شركات أوروبا الصغيرة بالحلول مكان الشركات الكبرى في مجال التنقيب عن النفط والغاز واستخراجهما، لكن تبقى أوروبا عاجزة عن تقديم المخارج لقطاعات أخرى يحتاج إليها الاقتصاد الإيراني.

ولا يتضح من هي الشركات التي ستحل محل "إيرباص" و"بوينج" في تزويد إيران بالطائرات المدنية، ومن هي شركات السيارات التي ستحل محل "رينو" و"بيجو" في إنتاج السيارات الإيرانية، ومن سيزود إيران بقطع غيار لطائراتها المدنية الحالية.

بدائل إيران عن التبادل التجاري مع أوروبا موجودة من خلال التوجه شرقاً، فإن الأسواق الروسية والصينية والآسيوية عامة مفتوحة أمام الإيرانيين منذ مرحلة ما قبل رفع العقوبات. وقد ارتفع حجم التبادل التجاري بشكل كبير مع هذه الدول وخصوصاً مع الصين (أكبر شريك لإيران تليه تركيا فروسيا) إلى الحدود القصوى خلال العام 2017 وتطور الاستثمار وارتفاع مستوى التبادل التجاري بين إيران وهذه الدول لن يتأثر بالعقوبات الأميركية إلا في الجزئية المتعلقة بالتحويلات المالية التي لا تزال تمر عبر نيويورك.

لكن دور روسيا والصين تبرز أهميته هنا كأسواق وسيطة بين أوروبا وإيران في عملية الالتفاف على العقوبات الأميركية. وإشارات التعاون الأوروبي - الروسي لإنقاذ الاتفاق النووي من السقوط، عمدتها زيارتا أنجيلا ميركل، المستشارة الألمانية وايمانويل ماكرون، الرئيس الفرنسي إلى روسيا قافزين فوق المواقف الأوروبية المتشددة تجاه موسكو في ملفات حساسة كالأزمة السورية وأوكرانيا والموقف من ضم روسيا للقرم.


اضف تعليق