الصراع في كشمير.. جروح قديمة ونضال لا ينتهي


٠٥ يونيو ٢٠١٨ - ١١:٤٥ ص بتوقيت جرينيتش

كتبت - أسماء حمدي

"رأيت شرطيًا يحمل مسدسًا يستهدفني، وأطلق النار عليّ مباشرة، هذا هو آخر شيء رأيته"، هذا ما قاله الشاب فرزان الشيخ الذي يعيش في كشمير الهندية في حديثه لـ"ناشيونال جيوجرافيك".

كان فرزان الشيخ في منزله حين سمع ضجة خارج منزله، في وقت متأخر من يوم 28 مارس 2017، وكان موكب جنازة يمر في حي سريناجار في كشمير الهندية، لفت هذا الموكب فضول شاب في السادسة عشرة من عمره، حيث شاهد جثة يحملها المعزون، ثم سمع شعارات مؤيدة لكشمير وشاهد الشرطة الهندية تستخدم الغاز المسيل للدموع والرشاشات لتفريق الحشود، ركض الفتى عائدا إلى منزله، لكنه لم يصل.

سقط على الأرض، ينزف من عينه اليسرى، واخترق الرصاص الجانب الأيسر من بطنه وعنقه ويمتلئ صدره بكريات رصاص لا حصر لها، وهرع شخص غريب على دراجة نارية بنقله إلى مستشفى SMHS في سريناجار، وهو المرفق الرئيسي الذي تديره الدولة، حيث وجده والداه.

وأطلق على الشيخ النار بسلاح طالبت منظمة العفو الدولية الهند بحظره، حيث تحتوي كل خرطوشة بندقية على ما يصل إلى 630 شظية معدنية تتفرق دون تمييز، والتي تستخدمها قوات الأمن الهندية لقمع الاضطرابات، لكن الرصاصات ما زالت قادرة على تشويه الناس.





لا يزال الصراع في كشمير مستمرا، والذي بدأ مباشرةً بعد تقسيم الهند في عام 1947م، أمّا الصين فقد لعبت دورًا ثانويًا في بعضِ الأوقات وتسيطر على ما يقرب من خمس كشمير، وقد تنازعت الهند وباكستان حول كشمير ثلاثَ مرّات.

يضم القسم الذي تديره الهند، ولاية جامو وكشمير، وهي الولاية الوحيدة في الهند حيث يفوق عدد المسلمين عدد الهندوس بنسبة كبيرة -حوالي 68٪ إلى 28٪- مع بقية السيخ والبوذيين والمسيحيين.

وطوال عقود، سعى العديد من الكشميريين إلى الاستقلال، بينما يسعى آخرون إلى الانضمام إلى باكستان أو الهند.

منذ العام 1989، كثف الجناح المسلح للحركة الانفصالية الكشميرية النزاع الإقليمي، وتعتبر الحكومة الهندية العنصر المسلح تمردا إرهابيا، واندلعت العديد من المواجهات بين الشرطة والمسلحين، ما أدى إلى مصرع 40.000 شخص بحسب  السلطات الهندية أو ما يقرب من 95000 وفقا للانفصاليين الكشميريين.

على الرغم من أن الاحتجاجات على مختلف القضايا التي تحدث بشكل دوري في جميع أنحاء الهند، إلا أن الشرطة الهندية استخدمت فقط  في كشمير بنادق الخرطوش، والتي تم استخدامها في الصيف الدامي في عام 2010، الذي قتل فيه أكثر من مائة متظاهر بالرصاص، كما تم استخدام تلك الأسلحة  في يوليو 2016، عندما قُتل برهان واني وهو زعيم انفصالي في معركة بالأسلحة النارية مع القوات الحكومية.

وقد أدى موت واني إلى إخراج الكشميريين إلى الشوارع واندفاعهم إلى إضراب عام دام لمدة أشهر، وفرضت الدولة حظر التجوال، واستخدمت العنف لقمع الاضطرابات، مما أسفر عن مقتل العشرات وتشويه الآلاف، كما قُتل أو جُرح عدد من أفراد قوات الأمن.

يتمركز في جميع أنحاء كشمير التي تديرها الهند ، رجال مسلحون يرتدون الزي العسكري في الأسواق، وعلى طول الطرق السريعة، ويقول زاهور واني -أحد كبار حملة منظمة العفو الدولية في سريناجار- "إذا قذف أحد المدنيين حجرًا، فسيطلقون النار عليه، يعاملون المواطنين نفس المعاملة التي يلقاها المتشدد".

ويقول عمر فاروق الزعيم الروحي لمسلمي كشمير، "إن كشمير مشكلة سياسية، وليست مشكلة دينية"، لكنه قال: إن إدخال الأيديولوجيات عبر الوطنية في الصراع الكشميري هو "خوف حقيقي".

ويضيف فاروق: "لا نريد لشبابنا ورجالنا أن يستهلكوا في العنف، لكن الحقيقة هي أنه لا يوجد سوى القليل مما يمكننا القيام به، نحن في وضع صعب لا يمكننا حتى التحدث عنه مع الناس، عندما لا تترك الناس يخرجون للمناقشة والتفاعل، فمن إذن المسؤول عن هذا التطرف؟".





فقد الأمل

في مستشفى SMHS في سريناجار، استيقظ  الشاب فرسان الشيخ، على طبيب يقف فوقه، ويسأله عن عدد الأصابع التي كان يمسك بها، لم يستطع الشيخ رؤية أي شيء من خلال عينه اليسرى، وبعد شهرين من فترة النقاهة في المنزل، عاد إلى المدرسة، معربا عن أمله في اجتياز امتحاناته على الرغم من إعاقته، وكحافز وعده صديق قديم بأنه إذا قام الشيخ بعمل جيد، فسيأخذه في رحلة تخييم تستمر لمدة ثلاثة أيام شمال سريناجار.

في 7 أغسطس عاد الشيخ إلى المنزل بعد الانتهاء من خطط التنزه، في تلك الليلة خرج لإطفاء مصباح الشارع الذي يضيء مباشرة في غرفة نومه، ويقول: "عندما أغلقت المفتاح، سمعت صوت سيارة ولم تكن هناك احتجاجات، لم يكن هناك شيء يحدث في ذلك الوقت، لكنها كانت مركبة تابعة لقوات الشرطة الاحتياطية المركزية كانت متوقفة في الشارع ولم اسمع سوى صوت رصاصة في هدوء الليل".

استعاد الشاب وعيه مرة أخرى في سرير المستشفى، بعد أن تم إطلاق النار عليه بواسطة بندقية خرطوش، في عينه اليمنى هذه المرة، قائلا: "عندما فتحت عيني كان الظلام كلي، كنت على ما يرام بعد عين واحدة ولكن بعد ما حدث لعيني الثانية فقدت الأمل تماما".

الشيخ هو واحد من بين أكثر من ألف عالجتهم إدارة طب العيون في مستشفى SMHS منذ يوليو 2016، في أسوأ الأيام يصل المستشفى 20 شخصا في اليوم.

ويضيف الطبيب: "العامين 2016 و2017 كانا أسوأ الأعوام في 15 عامًا مارس عمله فيها كطبيب في كشمير"، مشيرا إلى أن هناك ارتفاع في إصابات العين لم أرها من قبل والتي تؤدي إلى  فقدان البصر، ومضاعفات على المدى الطويل.

بالنسبة لبعض الضحايا، تتفاقم الصدمة الجسدية بسبب عدم قدرتهم على الحصول على ما يعتبرونه عدالة من الدولة، فبموجب القانون، فإن رجال الشرطة محصنين من المقاضاة في المحاكم المدنية منذ عام 1990 بموجب قانون السلطات الخاصة.

ووفقاً لمنظمة "واني" التابعة لمنظمة العفو الدولية، "تنص المادة 7 من هذا القانون على أنه حتى بعد العثور على أفراد من قوات الأمن متورطين في انتهاك لحقوق الإنسان، لا يمكن لمحكمة مدنية أن تتهمه ولا يمكن مقاضاته، ما لم تعطي الحكومة الهندية الإذن للمحكمة "للقيام بذلك.





انتظار طويل

وينتظر الكشميريون الآخرون أيضا العدالة والمساءلة، حيث تسبب بنادق الخرطوش والرصاص شكلاً من أشكال الضرر، في حين أن حالات الاختفاء القسري ترتفع بشكل ملحوظ.

ويقدر عدد المختفين قسريا بنحو 8000 إلى 10.000، بحسب منظمات حقوقية، فيما تنفي لجنة حقوق الإنسان التابعة للدولة العدد وتؤكد أنه أقل.




غضب
لن يضطرب الشاب فرسان شيخ البالغ من العمر الآن 17 عاما، مرة أخرى من ضوء الشارع الذي يضيء في غرفة نومه، فبعد ثلاث عمليات جراحية في عينه اليمنى وأربعة على يساره، يقول الأطباء إنه فقد كل الرؤية في عينه اليمنى، "أتعرف على الناس من خلال أصواتهم، أنا فقط أرى الظلام"، قال فرسان.

"لقد فقدت عيني من أجل لا شيء، أنا غاضب - غاضب من الجميع. اعتدت أن أكون غاضبا حتى في الأطباء. أنا غاضب جدا من رجال الشرطة الذين أطلقوا النار علي".



الكلمات الدلالية كشمير الهند

اضف تعليق