قمة "الناتو" في بروكسل.. المضامين والانعكاسات


١٠ يونيو ٢٠١٨ - ٠٧:٤٦ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية ـ جاسم محمد
 
اعتبر الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبرغ يوم 7 يونيو 2018 أن "الخلافات الكبيرة" بين الاتحاد الأوروبي وواشنطن حول التجارة والاتفاق النووي الإيراني، تؤثر على الحل. وقال ستولتنبرغ: "طالما أن المشاكل مستمرة، يتوجب علي العمل للحد من عواقبها على الحلف". ومن المقرر أن يوقع قادة دول الناتو والاتحاد الأوروبي، خلال قمة الحلف المقبلة في 11 يوليو 2018 ، على إعلان جديد حول الشراكة الموسعة بين الحلف والاتحاد الأوروبي.
 
وأكد ينس ستولتنبرغ، أن الناتو لا يسعى إلى عزل روسيا، لكنه يتبع استراتيجية مزدوجة تجاهها تتمثل في ممارسة الترهيب والترغيب بشكل متزامن. لكن رغم هذه التصريحات السياسية فإن ما يجري على الأرض، عند الخاصرة الشرقية إلى أوروبا، غير ذلك، فالتعزيزات العسكرية والمناورات خلال العامين الاخيرين شهدت تصعيدا. وفي هذا الإطار بدأت يوم 3 يونيو 2018 تدريبات عسكرية تضم 18 ألف جندي من 19 دولة معظمها من حلف الناتو، بقيادة واشنطن في بولندا ودول البلطيق.
 
وتقود الولايات المتحدة مجموعة قتالية تابعة للحلف الأطلسي متعددة الجنسيات في بولندا. وتقود ألمانيا وبريطانيا وكندا ثلاث مجموعات أخرى في دول البلطيق القريبة (إستونيا ولاتفيا وليتوانيا) حيث تجري تدريبات "سابر سترايك".
 
وأعلنت مفوضة السياسة الخارجية الأوروبية، فيديريكا موغيريني يوم 8 يونيو خلال انعقاد قمة حلف الناتو في بروكسل، أن الحديث يدور بشكل خاص عن التعاون في مجال التنقل العسكرية، تبسيط تنقل القوات والمعدات الحربية في جميع أنحاء دول الاتحاد الأوروبي، وكذلك التعاون في مجال الأمن السيبراني وفي العراق، حيث يساهم الاتحاد الأوروبي في تطوير قطاع الأمن المدني وتدريب عناصر الشرطة والأجهزة الأمنية في العراق.
 
وسبق أن تعهد وزراء دفاع "الناتو" يوم 15 فبراير 2018، على بدء مهمة تدريب جديدة في العراق، حيث ساعد الحلف الدولي في خروج تنظيم "داعش" تركز على إزالة الألغام والطب العسكري واللوجستيات.
 
وقال ماتيس -يوم 7 يونيو 2018- "إن الولايات المتحدة وتركيا تعملان على سبل مراعاة المصالح الأمنية المشروعة لتركيا، حليفنا في الناتو، وهي الدولة الوحيدة التي تحصل اضطرابات عند حدودها".
 
أما وزير الداخلية الإيطالي ماتيو سالفيني، فاتخذ منحى آخر بالقول: إنه يريد من "الناتو" المساعدة في الدفاع عن سواحلها الجنوبية في مواجهة تدفق المهاجرين، في علامة على أن الحكومة الجديدة ستتبنى نهجا أشد صرامة للسيطرة على الهجرة. وطرح ماتيو سالفيني مقترحا ربما لم يلق اهتماما من الدول الأعضاء وهي معارضة إيطاليا للعقوبات الاقتصادية المفروضة على موسكو.
 
 
معادلة جيوسياسية جديدة للعمل الأوروبي المشترك
 
تحت عنوان "روسيا الاتحاد الأوروبي - الولايات المتحدة"، كتب ألكسندر بيدروسوف، في "إزفستيا"، عن معادلة جيوسياسية جديدة للعمل الأوروبي المشترك للتحرر من الهيمنة الأمريكية المدمرة. وجاء في المقال: اختيار الرئيس الروسي النمسا للقيام بأول زيارة دولية في ولايته الجديدة ليس صدفة، إنما مشحون بالرمزية. فيينا المحايدة، يمكن أن تصبح وسيطا فعالا بين موسكو والاتحاد الأوروبي، فتتمكن أخيرا من تحريك المسألة التي طال انتظارها وهي إلغاء العقوبات ذات الحدين ضد روسيا.
 
في هذا السياق ينبغي النظر إلى زيارة فلاديمير بوتين إلى النمسا، التي هي بالمعنى الحرفي شريك أوروبي مثالي، كونها واحدة من الدول القليلة في الاتحاد الأوروبي التي ليست عضوا في الناتو.
 
وتقول "واشنطن بوست": إن "الثقة بين ضفتي الأطلسي ستضعف بسبب الصعوبات الاقتصادية، وأصبح من السهل انتشار الأساطير القومية، وكسب المناصرين تحت راية إغلاق الحدود والقيم القديمة". وتضيف الصحيفة: إن واشنطن قلقة من نتائج استطلاعات الرأي ونتائج الانتخابات في الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي؛ حيث إن الكثيرين من الأوروبيين يعدُّون الولايات المتحدة "عدوانية وغريبة".
 
العلاقة بين ضفتي الأطلسي سوف تشهد تدهورا أكثر
 
ما زالت العلاقة بين ضفتي الاطلسي، تحتاج إلى مزيد من الجهود لتعزيز الثقة، في اعقاب سياسات ترامب الجديدة أبرزها فرض التعريفة الجمركية والحمائية التجارية والانسحاب من اتفاقية المناخ الدولية الى جانب اعتماده مبدأ "لا يوجد أمن مجاني" وكذلك مسألة الملف النووي الإيراني. وظهرت الخلافات أكثر في قمة الدول الصناعية السبع المنعقدة في كندا يوم 8 يونيو 2018، بالتزامن مع قمة الناتو في بروكسل، والتي كشفت عزل ترامب، وعدم توقيعه حتى على البيان الختامي، مما يظهر حجم الخلافات بين ضفتي الأطلسي.
 
وهذه الخلافات تدفع دول أوروبا مجتمعة إلى محاولة إعادة النظر بعلاقاتها وتماسكها من الداخل، لكن يبدو أن أوروبا لوحدها غير قادرة حتى على حماية نفسها، بدون أميركا والناتو. ما تقوم به الآن أوروبا، هو التقارب مع روسيا والصين، ويبدو أن ألمانيا، هي من تقود هذا المسار الجديد، والذي من المتوقع أن يشهد تعزيزا في الأشهر القادمة.
 
تسعى دول الاتحاد الأوروبي خلال الفترة الحالية إلى إنعاش الاتحاد وإظهاره أكثر تماسكا، وذلك بتعزيز التعاون في مجال سياسات الأمن والاستخبارات والدفاع، لمواجهة تحديات باتت غير تقليدية عبر الجبهة الشرقية إلى جانب تهديدات المقاتلين الأجانب من الداخل وموجات اللاجئين. فالجبهة الشرقية للناتو، هي أولى اهتمام دول أوروبا، وربما تمثل حاجة وتهديد لها أكثر من واشنطن بسبب الجغرافية.
 
بات متوقعا، أن تستثمر روسيا ذلك لصالحها، وهذا ما كشفته زيارة بوتين إلى النمسا خلال شهر يونيو 2018، الدولة غير العضو في الناتو، ليبعث بوتين اشارة جديدة إلى دول أوروبا، بأنه يمكن أن يكون شريكا من جديد. فزعماء دول أوروبا ما زالوا ينظرون بتشاؤم إلى مستقبل العلاقة مع الولايات المتحدة في ظل حكم ترامب.
 
الخلافات بين ضفتي الأطلسي، أبرزها المسائل التجارية، تفرض بنفسها على اجتماعات "الناتو" ووحدته، رغم تصريحات الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبرغ، وإلى جانب العوامل الاقتصادية التي تنعكس على وحدة الناتو، هناك تمدد اليمين المتطرف داخل أوروبا، الذي يدعو إلى "تمترس الدولة القومية" والتقارب مع روسيا، وهذا ما يجعل الباب مفتوحا امام مستقبل العلاقات بين أميركا وأوروبا داخل الناتو.
 



اضف تعليق