اليمين المتطرف يعصف بالاتحاد الأوروبي وميركل أكبر الخاسرين


١٦ يونيو ٢٠١٨ - ٠٨:١٣ ص بتوقيت جرينيتش



رؤية ـ جاسم محمد

تجددت أزمة اللاجئين داخل دول الاتحاد الأوروبي منتصف شهر يونيو 2018، عندما استقبلت إسبانيا سفينة أكواريوس محملة بأكثر من 600 لاجئ، بعد أن ظلت عالقة في البحر قبالة السواحل الإيطالية، التي رفضت استقبالها رغم وجود أعداد كبيرة من الأطفال وحالات إنسانية تستلزم العلاج، رغم انتقادات بعض دول الاتحاد إلى الحكومة الإيطالية أبرزها انتقادات الرئيس الفرنسي ماكرون، والذي اتهم إيطاليا بالتخلي عن مسؤوليتها.
يأتي الموقف الإيطالي هذا بعد صعود حكومة يمينية متطرفة إلى سدة السلطة في إيطاليا، استلم جوزيبي كونتي رئاسة الوزراء في إيطاليا على رأس حكومة ائتلافية شعبوية، في الأول من شهر يونيو 2018. 

ويعرف ماتيو سالفيني، زعيم حزب رابطة الشمال، المتحالف مع رئيس الوزراء السابق برلسكوني، بأنه حزب شديد التعصّب والكره للأجانب، حيث وصف المهاجرين بـ"الدود".

التحقت إيطاليا بموجة الصعود اليميني انتخابيا، وذلك بعد النمسا وبلجيكا وهولندا في الانتخابات البرلمانية، وبعد تمكن مرشح اليمين من الحلول في المركز الثاني في الانتخابات الرئاسية الفرنسية، حيث انتصرت القوى الشعبوية في إيطاليا على منافسيها وافتكت الأغلبية في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، ما غير من المشهد السياسي الإيطالي ووضع الحكومة في ورطة حرجة، في انتظار حسم مسألة التحالفات وتشكيل الحكومة الجديدة.

أظهر اقتراح مشترك للحد من الهجرة، أن ألمانيا وفرنسا تريدان أن يخفف الاتحاد الأوروبي ضمانات حقوق الإنسان، بما يتيح لهما ترحيل طالبي اللجوء قبل أن ينظر القضاء أمرهم. ويقضي الاقتراح بعدم اللجوء إلى هذا الخيار إلا في أوقات التدفق الجماعي للمهاجرين على الاتحاد الأوروبي، ويأتي في وقت يعمل فيه الاتحاد على زيادة صعوبة دخول المهاجرين واللاجئين على السواء إلى الدول الأعضاء.

ومع صعود حزب الحرية النمساوي اليميني FP�  إلى الحكومة الجديدة مطلع شهر أبريل 2018 ، ظهرت مواقف وأصوات جديدة مناهضة للهجرة في أوروبا، أبرزها لغة وزير الداخلية النمساوي، هربرت كيكل، وهو عضو في حزب الحرية اليميني المتطرف في النمسا.

أعلن المستشار النمساوي سيباستيان كورتس، يوم 13 يونيو 2018، أن بلاده تدرس مع بعض دول الاتحاد الأوروبي إقامة مراكز استقبال للمهاجرين خارج الاتحاد لإيواء وتقديم حماية، لكن ليس حياة أفضل، وأضاف كورتس هذا مشروع نعمل عليه مع عدد صغير من الدول بطريقة سرية للغاية من أجل زيادة إمكانية تحقيقه. 

وكان كورتز أعلن، قبل ايام من ذلك، أن وزراء الداخلية في كل من النمسا وألمانيا وإيطاليا قاموا بتشكيل "محور" للتصدي للهجرة غير الشرعية إلى أراضي الاتحاد الأوروبي.

وتأتي هذه المواجهة وسط ظروف تسبق انتخابات برلمان ولاية بافاريا، إذ يشعر الاتحاد الاجتماعي المسيحي الحاكم هناك بالقلق إزاء اختراق من اليمين الشعبوي، الذي حقق نتيجة تاريخية في الانتخابات التشريعية العامة في سبتمبر 2017 من خلال اللعب على المخاوف المتعلقة بالهجرة واللجوء.

وكانت هذه المجموعة قد أثارت الكثير من الجدل داخل الاتحاد الأوروبي واتهمت الاتحاد بخرق قواعده التشريعية عندما صوتت غالبية الدول الأعضاء بشأن قرار ملزم في سبتمبر 2015 لتحديد حصص لإعادة توزيع ما يصل إلى 120 ألف لاجئ في إيطاليا واليونان على بقية دول أوروبا.

التحالف المسيحي الألماني على المحك
بات مستقبل التحالف المسيحي الألماني على المحك إثر الخلاف بين المستشارة ميركل وحليفها البافاري زيهوفر. الخلاف لم يعد على الهجرة واللجوء فحسب، بل تعدى ذلك إلى جوهر العلاقة بين الحزبين الشقيقين وتحدي البافاريين لسلطة المستشارة. ويعود السبب إلى القرار الذي اتخذته المستشارة بوقف مشروع لمراجعة سياسة اللجوء عرضه وزير الداخلية وأطلق عليه "الخطة الرئيسية" المكونة من 63 نقطة. 

ويريد وزير الداخلية سيهوفر إعادة طالبي اللجوء، الذين يصلون إلى ألمانيا، وقد سبق أن سجلوا في بلد آخر في الاتحاد الأوروبي. وطلبت ميركل من معسكرها المحافظ إعطاءها بعض الوقت للتفاوض مع القادة الأوروبيين من أجل التوصل إلى حلول خلال قمة الاتحاد الأوروبي المقررة نهاية يونيو ا2018.

وكانت الحكومة الاتحادية  الألمانية قد طرحت خطة من 16 نقطة لتحقيق ترحيل سريع للاجئين ومن بين تلك النقاط المطروحة إعداد عدة مراكز للترحيل يتم فيها تجميع الأشخاص الذين تقضي القوانين بترحيلهم. كما تتضمن الخطة إنشاء "مركز لدعم العودة" يقوم عليه كل من الحكومة والولايات لتيسير عمليات الترحيل الجماعي.

التقرير السنوي لمنظمة العفو الدولية ذي الرقم  2016/17 الصادر ب400 صفحة، يوم 22 فبراير2017 ، لم يستثن ألمانيا من قائمة الدول التي وجهت إليها انتقادات. والسبب توجهات برلين نحو تشديد قوانين اللجوء والاعتداءات التي طالت الأجانب ومراكز اللاجئين. التقرير السنوي لمنظمة العفو الدولية الصادر الأربعاء، لم يستثن ألمانيا من قائمة الدول التي وجهت إليها انتقادات. والسبب توجهات برلين نحو تشديد قوانين اللجوء والاعتداءات التي طالت الأجانب ومراكز اللاجئين.

المجر" قبطان حماية الحدود الأوروبية"
اعتبر رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان نفسه في حديث مع الصحافة الألمانية من ولاية بافاريا وإلى جانب زيهوفر، رئيس الولاية سابقا ووزير الداخلية الألمانية الحالي مطلع يناير 2018 مدافعاً عن إرادة الشعب ونموذجاً لأوروبا، قائلاً إنه يرى نفسه "قبطان حماية الحدود الأوروبية". الحديث كان له دلالات واضحة أن يصدر من الرئيس المجري من داخل ولاية بافارية الألمانية المعروفة أيضا بالتشدد وذات التوجهات اليمينية للحزب المسيحي الاجتماعي الذي يسيطر على بافاريا ويشترك في الائتلاف الحاكم.

النتائج
المشهد العام لدول الاتحاد الأوروبي وأوروبا مجتمعة يتجه نحو اليمين المتطرف، وتكمن خطورة تمدد اليمين المتطرف في الجغرافية، الترابط الموجود ما بين المجر، النمسا، بافاريا الألمانية، إيطاليا، فرنسا.

الخطورة تكمن أيضا بوجود عمل سياسي منظم في هذه الدول، لإيجاد سياسة المحاور التي لم تخفي عدائها الى الهجرة واللاجئين، وهذا ما جاء على لسان المستشار النمساوي علنا بالاتفاق مع وزير داخلية ألمانيا.

مازالت ميركل وربما ماكرون يراهنون على إنقاذ الاتحاد الأوروبي " المحور الألماني الفرنسي"، خاصة ميركل تعتبر  قمة الاتحاد في بروكسل يوم 29 يونيو 2018، فرصة اخيرة لها، هي تتوقع ان تحصل على ردود أفعال إيجابية من داخل دول أوروبا، كونها تنظر ان حل قضية اللاجئين والهجرة لا يمكن ان يكون الا ضمن دول أوروبا مجتمعة. لكن المعطيات تقول: إن المستشارة الألمانية، ميركل تتجه في طريق مغلق، وهناك الكثير من التشاؤم بعقد القمة الأوروبية القادمة، والتي يمكن وصفها قمة  بدون حلول أي قمة "اللا حل". 

وهذا يعني أن ميركل ليس أمامها خيار إلا إقالة وزير داخليتها مع احتمالات انهيار الائتلاف الحاكم، أو الرضوخ إلى سياسات زيهوفر اليمينية، رغم تجاوزها على المحافظين داخل الحزب المسيحي الديمقراطي والائتلاف الحاكم.

اليمين المتطرف، يزحف داخل أوروبا، ويسحب قاعدة الأحزاب المحافظة، بشكل سريع، مستغلا أزمة الهجرة، لكن رغم ذلك لا يمكن للهجرة ان توسل أوروبا الى هذا الحد، مالم يكن هناك مزاج أوروبي، يتجه نحو اليمين المتطرف، والسبب واضحا، هو تصاعد صناعة الكراهية ولهجة "الحفاظ على القيم الأوروبية" وهذا ما يجعل دول أوروبا تفشل في سياسات الاندماج الاجتماعي على النقيض من الولايات المتحدة وأستراليا وكندا، لتثبت أنها بالفعل القارة العجوز، لا تتخلى عن قواعد قديمة وضعتها لنفسها.

الاتحاد الأوروبي يشهد الآن حالة تمرد من الداخل، قرارات الاتحاد اصبحت غير مرحب بها من قبل الدولالاعضاء وحتى ماتصدره محكمة العدل الأوروبية، أصبح موضع رفض من بعض الدول أبرزها مجموعة "الفيسغراد".

التوصيات
يجدر بالمجالس الإسلامية داخل أوروبا، أن توثق سياسات اليمين المتطرف، الصدرة من الأحزاب او ممارسات التيارات والمنظمات اليمينية، وان تجد ضغوطات على الحكومات الأوروبية، بتحديد الجماعات الراديكالية في أوروبا، ووضعها على قائمة الإرهاب الى جانب الجماعات الإسلاموية المتطرفة.

وألا تكتفي المجالس الإسلامية بذلك بل تعمل مع الأمم المتحدة لتفعيل المواثيق الدولية، بحق العيش والحرية، وحق الهجرة الشرعية وممارسة حرية العقيدة والرأي، التي بدأت تتراجع كثيرا في دول أوروبا.



اضف تعليق