هل حقا الإستخبارات الألمانية تجسست على النمسا ولصالح من؟


١٨ يونيو ٢٠١٨ - ٠٧:١٣ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية ـ جاسم محمد

طالبت الحكومة النمساوية ألمانيا يوم 16 يونيو 2018 بتقديم توضيحات حول مزاعم تناقلتها عدة صحف، مفادها أن الاستخبارات الخارجية الألمانية تجسست على عدد كبير من المؤسسات والشركات في النمسا، بينها وزارات سفارات ومنظمات دولية ومؤسسات إسلامية. ويشار إلى أن صحيفة "شتاندارد" أوردت في عدد ها يوم 16 يونيو 2018 أن لديها لائحة بأهداف تعرضت للتجسس من قبل الاستخبارات المذكورة بين 1999 و2006 تشمل نحو ألفي رقم هاتف من الشبكة الأرضية والنقالة وأرقام فاكس وعناوين إلكترونية لوزارات ومنظمات دولية وسفارات وشركات مقارها في النمسا. وأوردت صحيفة "بروفيل" النمساوية المعلومات نفسها.
 
وفي إطار فضائح التجسس، كشفت الصحافة الألمانية خلال عام 2015، أن الاستخبارات الألمانية تنصتت لحساب وكالة الأمن القومي الأمريكية NSA على وزارة الخارجية والقصر الرئاسي الفرنسيين والمفوضية الأوروبية.
 
وسبق أن اثارت فضيحة تعاون  ماركوس آر"، موظف ألماني في وكالة الاستخبارات الألمانية الخارجية "بي إن دي" مع أجهزة أمريكية خارجية الكثير من التساؤلات خلال شهر أغسطس 2015. وقالت النيابة: إن ماركوس، الموظف في إدارة الاستخبارات الخارجية الألمانية (بي إن دي) سلم بين 2008 و2014 وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي إيه) العديد من الوثائق مقابل "95 ألف يورو على الأقل"وبعيد ذلك، طردت برلين مسؤول الاستخبارات الأمريكية في ألمانيا.
 
وفقا لحديث المؤرخ "جوزيف فوشبوت" مع دوتشة فيلة الألمانية، إن الحكومة الإتحادية سمحت للحلفاء مثلا بحق القيام بعمليات استخبارية واسعة النطاق على الأراضي الألمانية، بالإضافة إلى حق التحكم في النظام البريدي ونظام الهاتف في ألمانيا الغربية. وأضاف "هذه الاتفاقيات لا تزال سارية المفعول وملزمة لجميع الحكومات الاتحادية المتوالية".
 
بدا العمل في برنامج التجسس الأمريكي في عهد ريتشارد نيكسون عام 1969. تعمل الدول الأوروبية على تشريع وتوقيع "اتفاقية حظر التجسس"، تتعهد فيها الأطراف المعنية بعدم التجسس على بعضها البعض.
 
ألمانيا تطرد ممثل الاستخبارات الأمريكية
 
وضمن ردود الأفعال، طردت ألمانيا ممثل الاستخبارات الأمريكية في السفارة الأمريكية في برلين منتصف عام 2014 في أعقاب كشف اتصالات السفارة الأمريكية في فيينا بعميل ألماني، يعمل داخل الاستخبارات الخارجية الألمانية (B.N.D). وأوفدت الحكومة الألمانية Gerhard Schindler "غيرهارد شيندلر"رئيس الاستخبارات الخارجية BND السابق، وكذلك Dr.Massen، رئيس الاستخبارات الداخلية الألمانية Bundesamt f�r Verfassungsschutz (BfV) ومنسق الاستخبارات الفيدرالية. إلى واشنطن "في اعقاب ذلك للوقوف على حقيقة عملية التجسس عبر القنوات الاستخبارية، والتحقق عن ما كشفه العميل الأمريكي سنودن عام 2013 من تفاصيل تجسس وكالة الأمن القومي NSA على ألمانيا ودول حليفة. الخبير الألماني في شؤون الاستخبارات “إريش شميت” يستبعد أن تغير الفضائح علاقات التعاون، وأنه بمجرد هدوء العاصفة فإن الأمور ستعود إلى طبيعتها.
 
النتائج

ـ إن بروتوكولات وكالات الاستخبارات المعنية بإيجاد تعاون استخباراتي بين برلين وواشنطن، لا يسمح إلى ممثلية الاستخبارات في كلا البلدين بالقيام بنشاط تجسسي خارج نطاق التنسيق والتعاون الاستخباري المشترك بين البلدين. هذا النوع من البروتكولات ينطبق على بقية الدول في تبادل المعلومات الاستخبارية.
 
لكن رغم ذلك يسمح إلى محطات شبكة الاستخبارات للقيام بنشاط تجسسي استخباري، على ألا يكون مرتبط بحصانة ممثلية الاستخبارات. لذا تتجه أغلب أجهزة الاستخبارات في إدارة عملاء ذات أولوية باللقاء معهم في دولة ثالثة، وهذا ما حصل مع العميل الألماني بتعامله مع وكالة الاستخبارت الأميركية.
 
في الجوسسة أو الجاسوسية، لا توجد دولة صديقة، التقرير يعود إلى فترة سابقة حتى عام 2015، وحدثت خلالها ضجة داخل الحكومة الألمانية والبرلمان، حول تنفيذ الاستخبارات الخارجية الألمانية BND لصالح الــCIA راح ضحيتها مدير الاستخبارات الخارجية الألمانية. يذكر أن الاستخبارات الخارجية مرتبطة بمكتب المستشارة الألمانية مباشرة، وكان يشرف عليها الألماني التماير، مستشار ميركل، والذي يشغل الآن منصب وزير الاقتصاد.
   
الخلط ما بين ممثل الاستخبارات ومسؤول محطة الاستخبارات
 
هناك خلط وعدم فصل ما بين التعاون الاستخباري الذي وقعته ألمانيا منذ عقد الستينات من القرن الماضي مع أمريكا في مجال التعاون الاستخباري، واستخدام أمريكا الأراضي الألمانية لأغراض عسكرية ودعم لوجستي  ولأغراض التجسس لصالح "الحلفاء". ويبدو أن حالة عدم الفصل شملت مكتب المستشارة الألمانية أيضا. كذلك هناك خلط ما بين ماتقوم به المحطات الاستخبارية من تجسس مشروع، وما بين ما تقوم به ممثلية الاستخبارات من واجبات تنسيقية مع الدولة المعتمد لديها، يحرم عليه تنفيذ نشاط استخباري مستغلا غطاء الحماية. ومن الأخطاء الشائعة التي تقع بها بعض الدول، هو التواصل ما بين ممثل الاستخبارات ومدير محطة الاستخبارات في البلد المعتمد.
 
في أوروبا أو دول الاتحاد الأوروبي لا يوجد تجسس عسكري أو سياسي، كون المعلومات متاحة للأعضاء داخل منظومة الاتحاد الأوروبي والناتو، يبقى التجسس قائم داخل الدول الأعضاء حول الشركات الصناعية الكبرى مثل صناعة الطائرات وكذلك الابتكارات العلمية.
 
قائمة الأهداف التي تجسست عليها ألمانيا وفق المعلومات أبرزها وكالة الطاقة الدولية وأوبك ومنظمات إسلاموية وسفارات، وهذه جميعها لا تقع ضمن اهتمام الاستخبارات الألمانية بقدر ما هي تقع ضمن اهتمام وكالات الاستخبارات الأمريكية، وهذا يعني أن الاستخبارات الألمانية كانت تعمل بالوكالة إلى وكالة الاستخبارات الأمريكية.
 
بدون شك سوف ترد ألمانيا على طلب النمسا، إذا تقدمت الأخيرة بطلب رسمي، ومن المتوقع سوف تنفي هذه التهم، أو تتعهد بعدم التجسس ضد النمسا. التحقيقات بقضايا التجسس بين الحلفاء والدول الصديقة، لم ينتج عنها نتائج في أوروبا وتم التكتم عليها، ومن المستبعد أن تأتي بجديد.
 
إن توقيت الإعلان عن الحادثة، جاء مع توتر العلاقات بين البلدين النمسا وألمانيا في أعقاب إعلان مستشار النمسا، خطته لإعلان محور أوروبي نمساوي ألماني إيطالي ضد سياسات الهجرة واللجوء، ورفض المستشارة الألمانية لذلك، وليس مستبعدًا أن يكون محاولة من النمسا لدعم وزير الداخلية الألماني زيهوفر، للإعلان عن ذلك في هذا التوقيت، لتكون ورقة ضغط  ضد المستشارة ميركل في أعقاب الجدل الدائر بينها وبين وزير داخليتها زيهوفر، والذي باتت يهدد الائتلاف الحاكم، مع توقعات إقالة ميركل إلى وزير داخليتها.



اضف تعليق