"أردوغان" مهندس انتخابات والمعارضة تخشى التزوير


٢٢ يونيو ٢٠١٨ - ٠٤:٣٢ م بتوقيت جرينيتش

رؤية

يستعد الأتراك للذهاب إلى مراكز الاقتراع يوم الأحد، الرابع والعشرين من يونيو. ويبدو أننا مقبلون على سباق انتخابي حامي الوطيس بين الحزب الحاكم وتحالف من أحزاب المعارضة.

وإن لم ينجح أي من المرشحين للانتخابات الرئاسية في الحصول على أكثر من خمسين بالمئة من الأصوات، فستقام جولة ثانية من التصويت بعدها بأسبوعين.

التحصن في المراقبين

وقد قالت أحزاب المعارضة الرئيسية ومنظمات غير حكومية في تركيا، إنها تعتزم نشر أكثر من نصف مليون مراقب ومتطوع في مراكز الاقتراع بجميع أنحاء البلاد لمنع التلاعب في الانتخابات البرلمانية والرئاسية التي ستجرى يوم الأحد.

وتقول المعارضة، التي تأمل في أن تضع حدا لحكم الرئيس رجب طيب أردوغان المستمر منذ نحو 16 عاما، إن تغيير قانون الانتخابات في الآونة الأخيرة ومزاعم التزوير في الاستفتاء الذي أجري العام الماضي يثيران المخاوف بشأن نزاهة الانتخابات.

وقالت الأحزاب ومنظمات غير حكومية أمس الخميس: إن 519 ألف متطوع ومراقب معين من حزب سينتشرون في 180 ألف مركز اقتراع.

مخاوف

تأتي الانتخابات بعد أكثر من عام على فوز أردوغان بفارق ضئيل في الاستفتاء على تغيير دستور تركيا لإقامة نظام رئاسة تنفيذية.

وخلال الاستفتاء، قررت اللجنة العليا للانتخابات في اللحظة الأخيرة أن تقبل بطاقات اقتراع غير مختومة. وقالت المعارضة ومحامون: إن هذا التحرك هدد شرعية الانتخابات وانتهك قوانينها.

وقال مسؤول كبير في منظمة الأمن والتعاون في أوروبا بعد الاستفتاء: إن الإجراء أثر على ما يصل إلى 2.5 مليون صوت.

ووافق البرلمان في مارس على قانون للانتخابات يرسخ قرار قبول بطاقات اقتراع غير مختومة وفي الشهر الماضي قالت لجنة الانتخابات: إن بعض مراكز الاقتراع في جنوب شرق تركيا الذي يغلب على سكانه الأكراد ستنقل في تحرك يقول حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد إنه سيزيد صعوبة التصويت على أنصاره.

وقال رضا طورمان -القاضي السابق في المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان وعضو البرلمان السابق عن المعارضة- "تغيير القانون الانتخابي جعل الانتخابات أقل أمنا".

وأضاف -خلال مؤتمر صحفي- "وضع إدارة الانتخابات في يد السلطات الإدارية وقوات الأمن والحكومة بدلا من الأحزاب السياسية أمر يبعث على القلق".

وتقول الحكومة: إن بعض الإجراءات التي تمت الموافقة عليها مثل السماح بدخول قوات الأمن إلى مراكز الاقتراع ضرورية للتصدي لما تصفه بترهيب المسلحين الأكراد للناخبين في جنوب شرق البلاد. كما رفضت الانتقادات الموجهة لاستفتاء العام الماضي.

ويشير مراقبون إلى أن الرئيس التركي قلق من نتائج انتخابات الأحد ومتخوف من مؤشرات الاستقراءات ما قبل التصويت خاصة أنه سبق أن رتب كي تمثل هذه الانتخابات فرصة لتأكيد سيطرته التامة على مختلف مصادر القرار في البلاد، ليجد أن حزبه مهدد بأن يخسر أحد أهم تلك المفاتيح، أي الأغلبية المريحة في البرلمان التي تجيز له تمرير مشاريع القوانين التي يقدمها لتدعيم سلطاته.

حظر المراقبين

وقد حظرت الحكومة التركية دخول مراقبين دوليين إلى أراضيها لمراقبة الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقرر إجراؤها بعد غد الأحد، وذلك في الوقت الذي تزعم فيه سماحها للمئات بالعمل ومراقبة الانتخابات..

ولعل في هذا ما يشير إلى تعامل السلطة التركية بانتقائية مع المراقبين، وإبعادها ومنعها مَن ترى أنه لن يسكت على الانتهاكات التي من المتوقع أن يشهدها، وبخاصة في المناطق ذات الغالبية الكردية التي تم نقل صناديق الاقتراع منها إلى أماكن ومدن قريبة لتبديد أصوات أنصار حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد.

وقد عملت الحكومة الألمانية بالتعاون مع منظمة الأمن والتعاون في أوروبا على أن ترفع تركيا حظر الدخول إلى أراضيها، الذي فرضته ضد النائب البرلماني بحزب اليسار الألماني المعارض أندريه هونكو.

وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الألمانية، اليوم الجمعة، بالعاصمة الألمانية برلين: إن حظر الدخول "لا يتوافق مع القواعد التي تلتزم بها تركيا ذاتها".

وقد ذكرت وكالة الأناضول التركية أن 635 صحفياً أجنبياً من 34 دولة حصلوا على بطاقات اعتماد صحفية من المديرية العامة للإعلام والصحافة التابعة لرئاسة الوزراء التركية وذلك لتغطية الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المزمع إجراؤها بعد غد الأحد.

هل يمكن التزوير؟

يقول الكاتب الصحفي تيم لويل المختص في الشأن التركي، منذ زمن بعيد وهناك مشكلة واضحة تلوح عندما نتحدث عن الانتخابات التركية؛ فلتركيا تاريخ طويل مع الديمقراطية ولديها ثقافة ديمقراطية راسخة؛ وحتى وقت الانتخابات المحلية التي أجريت في عام 2014، كان القليلون فقط من الممكن أن يتخيلوا أن تلجأ أي حكومة في هذا البلد إلى تزوير الانتخابات.

فقد دمر التزوير الصارخ في تلك الليلة تماما أي نوايا حسنة كانت قد بنتها حكومة حزب العدالة والتنمية التركي حتى ذلك الوقت. وعلى الأقل، كان واضحا في أنقرة أن وزراء وحدوا جهودهم مع مسؤولين رفيعي المستوى في الدولة لتعطيل السير المعتاد للنظام الانتخابي وفرض فوز مليح غوكشيك.

ولا نبالغ إذا قلنا إن صدمة قومية هزت المجتمع في تلك الليلة. فبفضل ما تبقى من صحافة حرة، علم مشاهدو التلفزيون أن فرز الأصوات في أنقرة – والذي تحول بشكل حاسم لصالح مرشح حزب الشعب الجمهوري منصور يافاش – توقف في الأماكن التي كانت احتمالات فوز المعارضة فيها مرتفعة جدا، وأن التفسير الرسمي كان أن قطة دلفت إلى محول كهربائي وأحدثت ماسا كهربائيا.

وصل غوكشيك وقتها إلى مكاتب اللجنة العليا للانتخابات التي واصلت عملها، وأخلت قوات الأمن منطقة فرز الأصوات المركزية في معقل حزب الشعب الجمهوري في يني محلي أمام وزير الداخلية أفكان آلا ليتدخل في الأصوات بنفسه. وفي جنكايا، أحد أكبر الأحياء التركية، بتعداد سكان يتجاوز 900 ألف نسمة، ومنطقة أخرى يهيمن عليها حزب الشعب الجمهوري، كانت هناك تقارير أيضا عن إخلاء الشرطة لجان الفرز بالإجبار.

وعندما استؤنف إعلان النتائج بعد ذلك بساعة، لاحظ المشاهدون أن فارق الثلاثة آلاف صوت بين مرشحي أنقرة زاد إلى 20 ألفا في ثلاث دقائق. و"صوت" بعض من الأجزاء المتبقية من جنكايا بأكثر من 55 بالمئة لصالح حزب العدالة والتنمية – وهذا أمر لا يمكن تصديقه إلا أذا صدقنا أن كاليفورنيا من الممكن أن تصوت بأغلبية للحزب الجمهوري في الانتخابات الرئاسية الأميركية بدون أي سابق إنذار. ولم تمر سوى أيام حتى أُعلنت نتائج أنقرة الرسمية لصالح غوكشيك. وكانت الحكومة قد أعلنت الفوز في أقرب وقت ممكن.

كانت المعارضة غير جاهزة بمعنى الكلمة لهذا التحول في الأحداث. وربما تكون قد افترضت أن حزب العدالة والتنمية يتمتع بشعبية كافية تجعله يتحمل ضربة مثل الخسارة في أنقرة من دون الكثير من المشاكل، على الرغم من أن جذور حزب العدالة والتنمية تكمن في ادعاء الإسلاميين بإدارة الخدمات البلدية بصورة أفضل وبتكلفة أرخص وبقدر أقل من الفساد في المدن التركية الكبرى. فضلا عن ذلك فإنه لم تكن هناك أمثلة على تزوير الانتخابات على هذا النطاق في تاريخ تركيا – وحتى انتخابات 1946 التي كانت العدالة غائبة عنها بشكل كبير، لم تكن بحاجة إلى تدخل واسع على مستوى صناديق الاقتراع. من ثم فإنه في كل عملية انتخاب واستفتاء منذ عام 2014، كان هناك غياب كبير للثقة في العملية الانتخابية على نطاق واسع بين المعارضة.

ولم تهدأ حالة عدم الثقة هذه بعد استفتاء عام 2017 الذي اتخذ خلاله المجلس الأعلى للانتخابات الخاضع لسيطرة الحكومة قرارا بعد نهاية التصويت بإلغاء ضمانة مهمة ضد التزوير لكي يقبل أوراق الاقتراع في أنحاء تركيا، حتى وإن كانت تلك الأوراق أو المظاريف الموضوعة فيها غير مختومة من جانب محطة الاقتراع المعنية.

وبموجب القواعد الانتخابية الجديدة التي وضعت في مارس هذا العام، لن تكون تلك الضمانات موجودة في هذه الانتخابات، وكذلك حظر دخول الشرطة والدرك إلى محطات الاقتراع بدون إذن المسؤولين عن تلك المحطات.

احتكار الإعلام

يساهم احتكار الرئيس التركي شبه الكامل لوسائل الإعلام بتقييدها ومنع منافسيه من الاستفادة منها، وإيصال أصواتهم عبرها إلى الناخبين الأتراك، كما قد يكون هذا الاحتكار أكبر عقبة تقف في سبيل حرية ونزاهة الانتخابات التي تجري في 24 يونيو الجاري في ظل حالة الطوارئ السارية منذ انقلاب فاشل وقع قبل عامين.

وفي مارس باعت شركة دوغان القابضة التي تعتبر من أعمدة المؤسسة العلمانية في تركيا صحيفة حرييت، أوسع الصحف انتشارا، وعددا من قنوات البث من بينها سي.إن.إن ترك إلى شركة دميرورين القابضة التي تملك اثنتين من الصحف اليومية المؤيدة للحكومة. ولم يتبق سوى عدد محدود من الصحف التي لا تؤيد أردوغان.

وفي أبريل جاءت تركيا في المرتبة 157 من بين 180 دولة في التقرير السنوي عن حرية الصحافة على مستوى العالم الذي أصدرته منظمة صحفيون بلا حدود المنادية بحرية التعبير. وتقدر المنظمة أن حوالي 90 في المئة من التغطية الصحفية في تركيا مؤيدة للحكومة.

وقالت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقرير في أوائل يونيو "قدرة الناخبين محدودة للغاية على الوصول إلى المعلومات والتغطية الإخبارية المستقلة والتعليقات التي لا تخضع لسيطرة الحكومة عن كل المرشحين والأحزاب المتنافسة في الانتخابات".

صوت واحد صوت واحد

وقد وجه أردوغان انتقادات متكررة لوسائل الإعلام المستقلة على تغطيتها السلبية للحملة التي شنتها الحكومة بعد الانقلاب الفاشل في 2016 وكذلك لعمليات الجيش التركي في شمال سوريا.

وقد تم احتجاز أكثر من 120 صحفيا وإغلاق أكثر من 180 وسيلة إعلامية للاشتباه في صلتها بشبكة فتح الله غولن، وهو رجل دين يقيم في الولايات المتحدة وتتهمه السلطات بتدبير محاولة الانقلاب.

وفي أبريل أصدرت محكمة تركية أحكاما بالسجن على 14 من العاملين في صحيفة جمهورييت المعارضة، والتي تعد من الأصوات القليلة الباقية المنتقدة للحكومة، بتهم تتصل بالإرهاب ودعم رجل الدين فتح الله كولن. ونفى الجميع الاتهامات المنسوبة لهم وتم إطلاق سراحهم لحين استئناف الأحكام.



اضف تعليق