بعد العجز المالي في الخزانة.. هل تذهب تركيا إلى صندوق النقد الدولي؟


٢٣ يونيو ٢٠١٨ - ١٠:٥٩ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية

ذكرت قناة "دوتشه فيله"، الخميس الماضي، دون ذكر اسم مصدر خبرها، "أن صندوق النقد الدولي، يتهيأ استعدادًا لطرق تركيا أبوابه، وشكّل خلية أزمة من أجل ذلك".

وحسب وسائل إعلام تركية، تستعد الخزانة هذا الأسبوع لسداد دين بقيمة 13.6 مليار ليرة تركية، وبينما هي كذلك لم يتبق فيها سوى 16 مليار ليرة تركية. 7 مليارات من هذا المبلغ عملة صعبة، أما الــ9 مليارات الباقية فهي حسابات بالليرة التركية. وعليه فالموارد المتوفرة في حسابات الخزانة، سواء كانت بالليرة أو بالعملة الصعبة، هي أقل بكثير من المتوسط على المدى الطويل.

وإذا كانت الخزانة سوف "تتمادى" مجددًا في مناقصات الاقتراض كما حدث في مايو والأسبوع الماضي فإن الاقتصاد التركي سوف يواجه أزمة في المصالح العامة كما حدث في عام 2001 في القطاع الخاص. وحتى وإن أمكن توفير المدفوعات الخاصة بالشهر الحالي فإن العجز المالي للخزانة سوف يزداد قبل عملية التخلص من دين بقيمة 17.4 مليار ليرة التي ستتم في يوليو.

ويتعرض الاقتصاد التركي لضغوط كبيرة بسبب التطورات التي تشهدها الأسواق على الصعيدين المحلي والعالمي، ولذلك فإنه يدخل في نفق جديد من التوتر والاضطراب.

ودخلت الخزانة العامة في شهر الانتخابات مُطالبة بتسديد دينًا داخليًا بإجمالي 14.3 مليار ليرة تركية. وبينما تم سداد 600 مليون ليرة من ذلك المبلغ في 13 يونيو، يتم سداد المبلغ المتبقي منه وقيمته 13.6 مليار ليرة في 20 يونيو.

غير أنه وقبل أن تقوم الخزانة بسداد الدين الداخلي فقد تراجع رصيدها من الليرة التركية إلى 9 مليارات ليرة بسبب الإكراميات الموزعة على المتقاعدين وسداد قيمة المعاشات العامة، والنفقات الأخرى.

وبهذه الطريقة فإن الخزانة العامة ستواجه الأسواق لأول مرة برصيد من الليرة التركية أقل من الدين الذي ستسدده قبل الدين الداخلي الثقيل منذ فترة طويلة. وهذا أيضًا يدفعها إلى الاقتراض مهما كان سعر الفائدة.

أما بالنسبة لأرصدة الخزانة الموجودة في حسابات العملة الصعبة لدى البنك المركزي فهي 7 مليارات ليرة، أي ما يعادل 1.6 مليار دولار، وهذا الرقم يتم الاحتفاظ به كنقد احتياطي للمعاشات العامة التي تسدد ديونا بقيمة 25 مليار دولار سنويًا، وليس من المتوقع أن يتم تخفيضه أكثر.

نفي صندوق النقد

وقد نفى صندوق النقد الدولي، الجمعة، ادعاءات تتعلق باستعداد تركيا لطرق أبوابه في المرحلة القادمة لطلب دعم مالي.

ونفى مسؤول في صندوق النقد، ما بثته قناة "دويتشه فيله" الألمانية، الخميس، في خبر لها بعنوان: "التأهب من أجل تركيا".

وأكد المسؤول، عدم وجود أي استعداد أو تأهب أو تشكيل خلية أزمة، استعدادا لطَرق تركيا أبواب صندوق النقد الدولي.

مناقصات الاقتراض

يقول المحلل السياسي في الشئون التركية، جان تيومان، أن الخزانة العامة التركية لا يمكن أن تستدين بسبب الأزمة التي تجتاح الأسواق، والمليارات التي تنفق في سبيل الانتخابات... وبينما تستعد تركيا لأكبر منعطف في تاريخها السياسي، أصبحت خزانة الأموال العامة على حافة هاوية الإفلاس.

أما أمل الخزانة لتتمكن من سداد ديونها فمعقود على مناقصات الاقتراض الجديدة التي ستعقد هذا الأسبوع؛ حيث ستعقد 5 مناقصات مرة واحدة يومي الإثنين والثلاثاء، وذلك سعيًا منها لجمع الأموال من الأسواق، ومن ثم فإنه ينتظرها جو متوتر للغاية.

إن نقص الطلب في الأسواق على مناقصات الاقتراض الداخلي في شهر مايو لا زال مستمرًا هذا الشهر أيضًا، وبالرغم من أن الخزانة رفعت سعر فائدتها في عملية بيع سندات مدتها عام واحد إلى 19 في المائة إلا أنها استطاعت توفير قروض بقيمة 464 مليون ليرة فحسب.

ويدخل السوق مناقصات هذا الأسبوع في ظل ضغوط أكبر. وقد انتهت حالة الهدوء التي تحققت في الأسابيع الماضية في الدولار جراء رفع لجنة السياسات النقدية التابعة للبنك المركزي الأميركي سعر الفائدة، وإعلان البنك المركزي الأوروبي أنه سينهي التوسع النقدي هذا العام، والاتجاه إلى البيع الذي شهدته الأسواق الناشئة.
 
وعقب بدء إجازة العيد في تركيا كسر الدولار الرقم القياسي عند الإغلاق أمام الليرة لمدة يومين على التوالي؛ حيث تجاوز 4.73 ليرة تركية. وقد قام مسؤول عمليات الخزانة بأحد البنوك بتقييم الموضوع، وقال:

"إن الإنفاق قبل الانتخابات جاء أعلى من المتوقع. واستهلاك الخزانة العامة رصيدها النقدي قبل سداد الدين الداخلي سيجعل المناقصات في وضع حرج للغاية".

وبينما ارتفعت أسعار الفائدة على سندات الخزانة ما يقرب من 6 نقاط في الشهر والنصف الماضيين، إلا أن التوقعات الخاصة بأن عملية رفع سعر الفائدة ربما لم تنته بعد أن أصبحت تشكل عائقًا مهمًا بالنسبة لارتفاع معدل مشاركة البنوك والمستثمرين الأجانب في المناقصات وتكوينهم محافظ استثمارية.

المسؤول المصرفي نفسه قال أيضًا:

"لا أحد يريد بضاعة يخسر فيها. إن أسعار فائدة الخزانة تبدو جذابة بالنسبة لمعدل التضخم الحالي. إلا أن هناك توقعات مهمة حول زيادة تلك الأسعار بنسبة أكثر بسبب التطورات السياسية وتشديد شروط السيولة العالمية. إن كان سعر الفائدة سيرتفع أكثر فسوف تتضرر لاحقًا الأوراق النقدية التي سيتم الحصول عليها الآن. ولذلك فإن السوق سينتظر على الأقل أن يهدأ ارتفاع أسعار الفائدة حتى يستطيع منح الخزانة قروضًا عالية القيمة. أما التوقعات الخاصة بمرحلة ما بعد الانتخابات فإنها تمنع حدوث هذا في الوقت الراهن على الأقل".

وبينما بلغت أسعار فائدة الخزانة القمة بعد عام 2005 حيث ارتفعت إلى أقل من 20 في المائة تقريبًا، فإن سياسات الاقتصاد الكلي وتوقعات التضخم تؤثر تأثيرًا خطيرًا على قرارات المستثمرين.

إن الزيادات العامة المؤجلة، لا سيما في مجال الطاقة، قبل 24 يونيو وسلسلة الممارسات التشجيعية التي تعني طباعة نقود بدون مقابل تزيد من مخاوف الرأي العام من أن معدلات التضخم سترتفع أكثر.

من جانب آخر فإن الوضع أكثر تعقيدًا بالنسبة للمستثمرين الأجانب الراغبين في شراء مناقصات الخزانة بصورة مباشرة أو غير مباشرة. فلقد زادت المخاوف المتعلقة بتركيا في أعقاب الاجتماع الذي عقده مع المستثمرين في لندن في 21 مايو رئيس الجمهورية أردوغان.

هذه المخاوف تتركز على الأكثر في أن أردوغان سيتدخل أكثر في سياسات البنك المركزي في حال فوزه بالانتخابات، وأن هذا سيدفع البلاد إلى الإفلاس أو التحكم في رؤوس الأموال.

ولا سيما أن نتائج استطلاع الرأي الذي أجرته بلومبرغ كانت تشير إلى أن أردوغان سيفوز في الانتخابات التكميلية، وهو ما خلق حالة من الذعر في الأسواق يوم الأربعاء، وتسبب في تقلبات سريعة في أسعار الصرف والفائدة.

وفي التقارير الرسمية الأولية لكل من وكالة موديز ووكالة فيتش اللتين وضعتا تركيا تحت المتابعة من أجل خفض تصنيفها الائتماني هناك شكوك بشأن استمرار استقلالية البنك المركزي التركي من عدمها، والانتقال إلى التحكم في رؤوس الأموال من عدمه.

ولذلك فإن تصريحات الجانب التركي المتعلقة بهذه المواضيع تخضع لمتابعة حثيثة من الأسواق العالمية، والعبارات التي تم تقييمها في تركيا حتى فترة قريبة على أنها "خطاب سياسي داخلي" ولم تحظ بقبول كبير في الصحافة الخارجية تتسبب في تأثيرات أكثر غرابة.

وأخيرًا فإن تصريحات رئيس الجمهورية أردوغان المتعلقة بأنهم سيرتبون عقب الانتخابات لتنفيذ عمليات بشأن وكالة موديز قد أثرت تأثيرات ضئيلة خارجيًا. وكان موقع زيروهيدغ الذي ينشر لصفوة الممولين العالميين نشر خبرًا عقب هذه التصريحات، جاء في تحليله توصيته بأن يغادر تركيا مسؤولو وكالة موديز الموجودين فيها، وحذر من احتمالية أن يقوم أردوغان باعتقالهم.

وفي أعقاب تصريحات أردوغان قال مصدر مسؤول من أنقرة "عقب تصريحات أردوغان بدأت تتردد بين البيروقراطيين الاقتصاديين شائعات بأنه سيتم اقتحام مكتب وكالة موديز في تركيا بعد الانتخابات. تمامًا مثلما حدث في إيطاليا".

فلقد اقتحمت الشرطة الإيطالية مكتب وكالة موديز في إيطاليا خلال الأزمة العالمية وذلك بتهمة تخريب الاقتصاد الإيطالي، وقامت بتهديد المؤسسة.
 

وثمة مسؤول يعمل مديرًا للعلاقات الاقتصادية في أحد البنوك يقيَّم الموضوع هكذا:

"مثل هذه النوعية من التصريحات لا تخدم موقفنا كثيرًا. الحقيقة أننا نتعرض لحالة من سوء الظن من قبل المستثمرين الدوليين بسبب أخبار متعلقة بعجز المحللين الأتراك عن القيام بتحليلات موضوعية خوفًا من السلطة. هذه النوعية من العبارات الموجهة لمؤسسة تصنيف ائتماني ترغب في تقييم الوضع الاقتصادي تعتبر تهديدًا. ومهما كان سعر الفائدة مرتفعًا فإنكم لا تُقرضون أموالكم أحدًا إن ظننتم أنكم لن تستطيعوا الحصول عليها مجددًا. إن الوضع واضح وصريح للغاية".

مأزق المستثمرين

من جانب آخر نشر خبر يوم الجمعة في مجلة "الإيكونوميست" صاحبة التأثير المهم والواسع على المستثمرين العالميين، يظهر المأزق الموجود في تركيا بالنسبة للمستثمرين الأجانب.

وتؤكد المجلة على أن المستثمرين ما زالوا قلقين بشأن الأوضاع بعد الانتخابات بالرغم من قيام البنك المركزي التركي برفع سعر الفائدة مرتين خلال أسبوعين. وفي الخبر تقول المجلة:

"المستثمرون الأجانب سيمنحون رئيس الجمهورية صلاحيات رئيسية جديدة بعد الاستفتاء. فلقد هلعوا أساسًا بسبب التعديل الدستوري الذي سيضعف من رقابة البرلمان عبر تسييس القضاء. هناك شائعات بأن أردوغان قد يعلن الانتخابات المبكرة من جديد كي لا يسلم السلطة للمعارضة في البرلمان حتى وإن أصبح رئيسًا للجمهورية، مما يزيد من المخاوف. إن رئيس الجمهورية لا يزال يتهم الدول الأجنبية بالمسؤولية عن انخفاض قيمة الليرة، ويدعو الأتراك إلى التخلص من العملات الأجنبية. ووفقًا لإحدى الدراسات فإن 4 في المائة فقط من ناخبي حزب العدالة والتنمية يرون سياسات الحكومة المسؤول عن انخفاض قيمة الليرة، بينما 65 منهم يصفونها بأنها "عملية تشنها القوى الخارجية ضد تركيا".

هذه العبارات المنشورة في المجلة ترى المستثمرين الأجانب أحد أكبر العوائق التي تعترض نمو تركيا، بل وتدفق الموارد المالية الجديدة التي تحتاجها تركيا لتستطيع التخلص من ديونها الحالية.

وبينما يبدو الاقتصاد التركي بهذا المنظر عند النظر إليه من الأسواق الخارجية قبل منعطف الاقتراض الحرج بالنسبة للخزانة فإن الوضع في الأسواق الداخلية أيضًا ليس مبشرًا.

إن البنوك أكبر ممولي الخزانة في الدين الداخلي تتعرض لأزمة سيولة مع الليرة التركية أيضًا، وليس مع العملة الصعبة فحسب. فالبنوك التي انغلقت أمامها بنسبة مهمة أبواب الاقتراض الخارجية بسبب عمليات تخفيض درجات التصنيف الائتماني المتوالية تتعسر بسبب موجة خروج الودائع التي بدأت مطلع مايو.

لقد تم إخراج 20 مليار ليرة تركية من النظام المصرفي حيث تم سحب الودائع من النظام المصرفي التركي فيما بين 18 مايو- 1 يونيو. وبينما تشكل الموارد المالية المحفوظة خارج البنوك 2 في المائة من إجمالي ودائع الليرة التركية تزداد نسبة أزمة الليرة التركية في الأسواق.

يسجل أن متوسط سعر الفائدة على أساس ليلي الموجود في الأسواق يبلغ 18.5 في المائة بينما هو 17.75 في البنك المركزي، ليسير بذلك في مستوى أعلى من معدل التمويل. وبالرغم من الانكماش الموجود في موارد النظام المصرفي فإن البنك المركزي الذي يمول الأسواق عبر توسيع الميزانية العمومية أصبح قريبًا من النهاية. إن الحد الأعلى لصافي التمويل للسوق وصل هذا الشهر 150 مليار ليرة تركية، وبذلك يكون قد ازداد ما يقرب من 20 مليار ليرة تركية مقارنة بشهر مايو.

والخلاصة أن الخزانة العامة التي تقترض أكثر بكثير من الديون الداخلية التي تسددها منذ سنة ونصف وتدعم بما توفره من موارد مالية أنشطة حزب العدالة والتنمية الانتخابية تبدو وكأنها اقتربت من نقطة النهاية.

لذلك فإن نتائج المناقصات التي ستعقد الأسبوع المقبل والشهر القادم ستجلب معها خطر تحول أزمات الأسواق الحالية إلى أزمة اقتراض، تمثل مشكلة أكثر تعقيدًا بسبب زيادة أسعار الصرف والفائدة في تركيا.



اضف تعليق