الانتخابات التركية العامة تثير جدلًا داخل ألمانيا


٢٤ يونيو ٢٠١٨ - ٠٨:٤٧ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية ـ جاسم محمد
 
أعلنت الحكومة التركية، أن الانتخابات الرئاسية القادمة ستكون يوم 24 يونيو 2018، لكن ألمانيا ودولا أوروبية أخرى، اتخذت إجراءات أمنية احتياطية ووقائية على أراضيها خلال فترة الانتخابات والأيام التحضيرية للتصويت، تجنبا لأي توترات محتملة ما بين الجالية التركية والأكراد على أراضيها.
 
وفي هذا الإطار قالت ألمانيا: إنها لن تسمح للساسة الأتراك بالقيام بحملات على أراضيها قبل الانتخابات الرئاسية التركية، واتخذت برلين هذا القرار بعد تصاعد التوترات بين ألمانيا وتركيا خلال عام 2017عندما منع المسؤولون الألمان سياسيين أتراكًا من التحدث في ألمانيا قبيل الاستفتاء على الدستور التركي.
 
وردّت الخارجية التركية بشدة في أعقاب ذلك، بالقول: "إنها تندد بقرار ألمانيا بالسماح لمسيرة مؤيدة للأكراد في كولونيا وفي نفس الوقت منع سياسيين من الحزب الحاكم في تركيا من عقد لقاءات جماهيرية هناك"، ووصفت الخطوة بأنها تعكس ازدواجية المعايير.
 
ويتصاعد هذا الجدل بالنظر إلى حجم الجالية التركية في ألمانيا، فبعضهم يحمل الجنسية المزدوجة، والبعض الآخر ما زال يحتفظ بجنسيته التركية، والذين يقدر عددهم بحوالي ثلاثة ملايين شخص وفق آخر تقارير صادرة من الحكومة الألمانية. وفي المقابل تقدر عدد الجالية الكردية في ألمانيا بأكثر من مائة ألف شخص أغلبهم من أكراد تركيا وسوريا والعراق. هذه الحقائق بدون شك سوف تجعل للانتخابات التركية لها انعكاسات مهمة صعبة على ألمانيا، وسيكون لها انعكاسات شديدة على الأمن.
 
وما يدعم هذا الاحتمال، هو تجربة الاستفتاء على الدستور التركي عام 2017، والتي ضربت بتداعياتها على الوضع الداخلي في ألمانيا، وصلت إلى حالة شبه إنذار لدى الشرطة والاستخبارات الألمانية، من أجل فك الاشتباكات ما بين مسيرات مؤيدة ومعارضة. إلى جانب ذلك شهدت تجربة الاستفتاء اعتداءات على مراكز تركية نفذها أتراك، مثل حرق مراكز دينية أو منظمات، وبالعكس. وعلى سبيل المثال في بلدة "ميندن" الألمانية قام مجهولون بتحطيم زجاج مقر جمعية "ديتيب" الإسلامية التركية، ورمي طلاء على جدران أحد مساجد الجمعية في مدينة لايبزيغ. وهذا يفيد أن الانتخابات التركية، سوف تؤدي لدخول الاستخبارات والشرطة في ألمانيا إلى حالة الإنذار من جديد.
 
"اتحاد ديتيب" التركي يثير قلق الاستخبارات الألمانية
 
وتعتبر "ديتيب" أكبر جمعية إسلامية مسجلة رسميا في ألمانيا وتدير أكثر من 900 مسجد. ويخضع "اتحاد ديتيب" للسلطة الدينية التركية والتي ما زالت تواجه الكثير من الانتقادات بسبب قربها من الحكومة التركية ويعتبرها البعض ذراع الرئيس التركي أردوغان في ألمانيا.
 
وتقول الاستخبارات الألمانية: إن الاستخبارات التركية تنشط خلف مجموعات من جمعيات إسلامية يصل عددها إلى 15 جمعية مسجلة في ألمانيا. وتنشط الاستخبارات التركية أيضا، خلف المدارس، على المساجد والمراكز الإسلامية من أجل دعم سياسات تركيا الخفية ضد المعارضة التركية، أبرزها الجماعات الكردية وجماعة ”كولن”.
 
أعلنت هيئة حماية الدستور في يناير 2017 بولاية شمال الراين، " فيستفاليا" أنها تحقق في اتهامات بالتجسس بحق أكبر الجمعيات الإسلامية في ألمانيا، ويتعلق الأمر بالاتحاد الإسلامي التركي للشؤون الدينية المعروف اختصارا باسم ”ديتيب“. وكذلك دعت لجنة الرقابة في البرلمان الألماني “يوندستاغ” إلى الكشف عن معلومات بشأن الأنشطة التي تقوم بها الاستخبارات التركية داخل ألمانيا.
 
الحكومة الألمانية، من جانبها، وفرت الحماية التامة لأغلب المراكز الانتخابية التي نظمتها السفارة التركية في برلين وقنصلياتها الموزعة في عموم ألمانيا، وتمثلت في الغالب على شكل خيم تحت إشراف لجان إدارة مراكز الانتخابات التركية في ألمانيا، لكن الحماية الخارجية، بالتأكيد هي من مسؤولية الشرطة والاستخبارات الألمانية. لكن رغم ذلك، فالمتوقع أن تشهد ألمانيا خلافات وجدلًا مع حكومة أردوغان خلال فترة الانتخابات التركية.
 
الأكراد في ألمانيا هاجس تركيا

يوجد في ألمانيا وفقا لإحصائياتٍ، ما يقارب (100 الف) كردي، ما يجعلهم أكبر تجمع كردي في أوروبا، وجزء كبير منهم ينحدر من تركيا، وهناك تواجد واسع إلى حزب العمال الكردي في ألمانيا. وهناك أيضا أكثر من 300 جمعية في ألمانيا تعمل لمصلحة حزب العمال الكردستاني. ويذكر أن حزب العمال الكردي مدرج منذ عام 1993 في قائمة المنظمات “الإرهابية” في ألمانيا وأوروبا، إلا أن هناك نشاطا إعلاميا ودعما للحزب من داخل ألمانيا وأوروبا. وكثيرا ما تنتقد الاستخبارات التركية نظيرتها الألمانية، حسب وصفها، بالقصور في التعاون في ملاحقة أنصار حزب العمال الكردستاني في ألمانيا.
 
ورغم الانتقادات الموجهة إلى الرئيس أردوغان من داخل ألمانيا، فإن معظم الأتراك في ألمانيا يرغبون بفوز أردوغان في الانتخابات، كون ذلك -من وجهة نظرهم- سوف يُفعّل الإصلاح الدستوري، الذي يمنح الرئيس المزيد من الصلاحيات وفقا للدستور الجديد، واتخاذ قرارات دون اللجوء إلى البرلمان، ربما تؤثر على حياة عوائلهم اقتصاديا في تركيا؛ فهم يعتقدون أن الاقتصاد التركي شهد نموا بنسبة 7%، رغم تراجع العملة المحلية، الليرة التركية.
 
ويعتقد عامة الأتراك في ألمانيا أن حكومة أردوغان -خلال السنوات الأخيرة- نجحت في بناء وتوسيع المستشفيات والطرقات والمواصلات والبنى التحتية، وكأنها خطوة استباقية قام بها أردوغان بالتحضير لها قبل الانتخابات. يذكر أن إجراء الانتخابات مبكرا في تركيا، يمنح الرئيس فرصة، لأول مرة، للانتقال من النظام الوزاري إلى الرئاسي، والحصول على صلاحيات جديدة واسعة. ويؤكد العديد من الناخبين الأتراك في ألمانيا، أن أردوغان يتمتع بحظوظ أوفر للفوز بالانتخابات، وأن حظوظ الأحزاب المعارضة تعد منعدمة.
 
الأكراد في ألمانيا يصوتون لصالح حزب الشعوب الجمهوري
 
لكن على العكس من آراء الأتراك، أظهرت بعض التحقيقات في وسائل الإعلام الألمانية المرئية، أن غالبية الأكراد في ألمانيا هم ضد انتخاب أو التصويت لصالح أردوغان وحزب العدالة، وأنهم سوف يعطون أصواتهم بدون تردد لحزب الشعوب الجمهوري. يقول بعض المشاركين في التحقيق: "انتخبت حزب الشعوب الجمهوري نظرا لأن أردوغان يخلط بين السياسة والدين بشكل مبالغ فيه، وهو الأمر الذي أرفضه، حيث إنني أرى أنه لا مكان للدين داخل السياسة. لقد اخترت حزب الشعوب الديمقراطي لأن مرشحه كردي، لكن أردوغان سيُزوّر الانتخابات كالعادة ولن يتغير شيء".
 
وفقًا للاستطلاع -الذي أجرته مؤسسة أبحاث الرأي (ORC)- فإن 53.4% من الأتراك مستعدون لدعم أردوغان في حملته الرئاسية، في حين حصل محرم إينجه، مرشح حزب الشعب الجمهوري المعارض، على دعم 23.8% من النسبة المستطلعة آراؤهم، وحصلت ميرال أكشينر، مرشحة الحزب الصالح، على 11.5%، وصلاح الدين دميرطاش، مرشح حزب الشعوب الديمقراطية على 8.7%.
 
وأغلب التقديرات في ألمانيا تقول بأن الغرض من إجراء انتخابات مبكرة كون أردوغان يعتقد أنها ستسمح لتركيا بتجاوز المشاكل والتحديات الحالية على خلفية التطورات في سوريا وغيرها من الأحداث.
 
شهدت العلاقات الألمانية التركية الكثير من التجاذبات في أعقاب الحرب في سوريا عام 2011، وربما كانت الحرب السورية وتداعيات المقاتلين الأجانب على أمن ألمانيا وأوروبا، نقطة تحول في العلاقات ما بين البلدين، جعل ألمانيا تحتاج إلى التعاون الاستخباراتي مع تركيا.
 
وتصاعدت هذه العلاقة في أعقاب موجات اللاجئين والمهاجرين غير الشرعيين التي ضربت أوروبا عام 2015 و2016. هذه العلاقة ربما جعلت ألمانيا ودولا أوروبية بحاجة إلى التعاون التركي لوقف موجات تدفق اللاجئين والمهاجرين ومتابعة المقاتلين الأجانب ما بين سوريا وأوروبا عبر الأراضي التركية.
 
ومن المتوقع أن يتزايد الجدل واحتقان الأجواء في ألمانيا خلال فترة الانتخابات وما بعدها أيضا بين الأتراك والأكراد المقيمين في ألمانيا، مع احتمالات إعادة الجدل في التصريحات بين أردوغان والحكومة الألمانية، والتي كثيرا ما يستغلها أردوغان لأغراض التحشيد والدعاية الانتخابية.



الكلمات الدلالية انتخابات تركيا ألمانيا

اضف تعليق