تركيا الأسرع نموًا .. واحدة من أكثر الاقتصادات هشاشة


٢٥ يونيو ٢٠١٨ - ٠٨:٠٨ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية

يحكم حزب الرئيس رجب طيب أردوغان الإسلامي المحافظ البلاد منذ العام 2002. وأشرف الرئيس مذ ذاك على أكبر تغييرات شهدتها البلاد منذ تأسيس تركيا الحديثة عام 1923. لكن في الانتخابات الرئاسية والتشريعية، التي أجريت الأحد، واجه أردوغان وحزبه أكبر اختبار عبر صناديق الاقتراع لقبضتهم المستمرة على السلطة منذ عقد ونصف.

وفي عهد أردوغان، سعت تركيا إلى إحياء نفوذها من الحقبة العثمانية في الشرق الأوسط، تحديدا في سوريا والعراق إلى جانب البلقان وأفريقيا.

ويتهم معارضو أردوغان الرئيس بالاستبداد بشكل متزايد والإشراف على حملة لتكريس الإسلام في السياسة والمجتمع في تركيا وإبعادها عن الغرب. لكن أردوغان يصرّ على أنه ملتزم بإبقاء تركيا جمهورية علمانية  في الحلف الأطلسي.

وقد أعلن أردوغان حالة الطوارئ التي اعتقل بموجبها نحو 55 ألف شخص في إطار عملية تطهير غير مسبوقة. وتعهّد هو والمعارضة على حدّ سواء برفع حالة الطوارئ بعد الانتخابات.

السقوط الاقتصادي

رغم الهيمنة الأمنية والسياسية لأردوغان وحزبه في تركيا؛ لكن تظل المسألة الاقتصادية هي الملف الأكثر تحديًا بالنسبة لمستقبل حكومة أردوغان بل ومستقبل تركيا ذاتها؛ حيث تعاني تركيا من خطر السقوط في فوضى مالية وإقتصادية، وقد يؤدي اشتباك أردوغان مع القوى الدولية يقود أنقرة نحو انهيار دبلوماسي.

ويقول المدير السابق لمكتب بلومبرج في تركيا، مارك بنتلي، في تقرير له: "هذا الغموض الذي يكتنف العالم هو الذي يجعل الحياة تستحق العيش”. ربما لا يكون هناك مكان أفضل من تركيا لتطبيق هذا المثل الياباني القديم. خاصة وأن البلاد أنهت الفصل انتخابي أمس الأحد. وقد امتلأت البلاد التي يقطنها 80 مليون نسمة الأيام الماضية بدءًا من المقاهي في اسطنبول إلى حقول القطن في جنوب شرق تركيا بالحماس الانتخابي.

والانتخابات التركية، سواء كانت نزيهة أم لا، تتجاوز كل شيء. فلا توجد أي علامة على توقف الأسلوب التركي من الديمقراطية.

هناك جملة من التحديات الاقتصادية والسياسية التي تعاني منها تركيا حاليا. فرغم النشاط التركي في جميع المجالات فهناك عيوب تقوضه، وعلى الرغم من النمو الاقتصادي غير المسبوق، هناك الملايين من العاطلين.

وما زال الفساد متفشيا، والتأرجح الاقتصادي على شفا أزمة محتملة، ويجعل أسلوب القيادة الحالي الذي ينتهجه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بعض الناس يتساءلون عمّا إذا كانت ستتواجد ديمقراطية في البلاد بمجرد إعلان نتائج الانتخابات أو لا.

مهمة صعبة

الحكومة القادمة ينبغي عليها أن تعالج سريعًا العلل الاقتصادية المتزايدة التي تعاني منها البلاد. وقد دمر المأزق الاقتصادي تركيا خلال معظم عقد التسعينات من القرن الماضي. وكان انعدام الأمن ملموسًا في أنحاء البلاد. وأدت الفوضى التي شهدها عام 2000 إلى ارتفاع أسعار الفائدة بالآلاف، مما أدى إلى جعل الملايين عاطلين، وأدى إلى إذلال الشعب تقريبًا.

وفي حين أن فرص تكرار هذه الكارثة ضئيلة، فإن تركيا تُعاني من خطر السقوط في فوضى مالية. فقد فشلت الحكومة في الاستفادة من التدفق النقدي، وتخفيف القيود النقدية في الولايات المتحدة وأوروبا، لإصلاح اقتصاد البلاد البالغ قيمته 775 مليار دولار أميركي.

وبدلا من الاستثمار بكثافة في الصناعة والتكنولوجيا، فإن الإدارة في أنقرة استخدمت هذه “الجولة المجانية” لتمكين الحلفاء من صناعة الإنشاءات، الذين اقترضوا المليارات لإنشاء طرق سريعة ومطارات ومجمعات سكنية وفيلات فارهة. وحذا العديد من رجال الصناعة الذين كانوا في ما مضى من خصوم أردوغان حذوهم، وباعوا بنوكًا وشركات تصنيع؛ بحثًا عن الربح السريع.

وتضخمت الديون بالدولار واليورو لتصل إلى العشرات من المليارات.

وفي نفس الوقت، يبدو أن حكومة أردوغان، التي تسعى لتكون قوة إقليمية، أو حتى عالمية، أصبحت متعجرفة وراضية عن نفسها. ويتجلى هذا التعجرف في السياسة الاقتصادية الأكثر دمارًا، إلى درجة أن أردوغان، الذي يزعم أنه درس الاقتصاد في جامعة اسطنبول، يُعارض بعناد كل نظرية في القواعد الاقتصادية، بما في ذلك التأكيد على أن معدلات الفائدة الأعلى تسببت في التضخم بدلًا من القضاء عليه.

وغادر المستثمرون الأجانب البلاد وهم في غاية الذهول. وأُجبر السكان المحليين على التظاهر بالتعاون، أو البقاء صامتين بسبب الخوف من الأعمال الانتقامية الشخصية.

لذا، فلا عجب من أن تركيا لم تصبح فقط واحدة من أسرع الاقتصاديات نموًا في العالم -حيث نما الاقتصاد بنسبة 7.4 بالمئة العام الماضي- لكن أيضًا واحدة من أكثر الاقتصادات هشاشة.

 ويمكن النظر فقط إلى عجز الحساب الجاري التركي الضخم الذي تغذيه الواردات، والذي بلغ حاليًا 6.5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي. وهناك حاجة إلى اتخاذ إجراء عاجل لعكس المسار.

ولتجاوز هذا، أُجبر البنك المركزي على زيادة أسعار الفائدة 500 نقطة أساس هذا العام، وذلك من أجل إيقاف السقوط الحر لليرة التركية والذي كان يهدد بالدخول في أزمة عملة.

وفي حين أن حالات الإفلاس أكثر شيوعًا وطلب بعض رجال الأعمال الأكثر شهرة في البلاد من البنوك إعادة هيكلة ديونهم الدولارية، فإن الطبقتين المتوسطة والدنيا في تركيا هما الأكثر تعرضًا للضرر. وارتفعت أسعار السيارات الأجنبية، وأجهزة التلفزيون، والهواتف المحمولة بسبب تراجع الليرة. وأدى ارتفاع أسعار الطعام إلى ارتفاع التضخم إلى 12.2 بالمئة والتضخم على وشك أن يرتفع أكثر من هذا.

فشل سياسي

في الوقت الراهن، وفي إطار سعيه ليصبح قوة إقليمية ويحصل على شعبية بين المسلمين في الشرق الأوسط وكل مكان آخر في العالم، فقد قلب أردوغان العلاقات الأجنبية لتركيا رأسًا على عقب، واشتبك مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لدرجة أن الجسور الدبلوماسية التي بُنيت بحرص قد انهارت تقريبًا.

وقد عرض "الأمن الشخصي" الذي ميّز العلاقات في السابق العديد من الأتراك، على الرغم من المشاكل الاقتصادية داخل البلاد خلال العقود الماضية، للتهديد، وخاصة بالنسبة للملايين والملايين من العلمانيين والليبراليين ذوي التوجه الغربي.

وقد نجحت جهود أردوغان في تعزيز قبضته على البلاد في تقسيمها، وقد زاد هذا التقسيم منذ بدء تطبيق حالة الطوارئ بعد الانقلاب العسكري الفاشل الذي شهدته البلاد في شهر يوليو من عام 2016. وقد أدت حالة الطوارئ إلى جعل مئات الآلاف ممن يُطلق عليهم “إرهابيين” إما سُجنوا وإما فُصلوا من وظائفهم وأصبحوا دون عمل. وتمت مصادرة أصول بقيمة مليارات من الدولارات. والآن، ثمة سؤال يلوح في الأفق وهو كيف سيحكم أردوغان؟ هل ستستمر حالة الطوارئ أم لا؟

لذا، وفي أعقاب ربما أكثر انتخابات مثيرة في العالم منذ زمن طويل، يبدو أنه يتحتم على الزعيم القادم لتركيا إجراء تغييرات جذرية على الطريقة التي تُدار بها البلاد والطريقة التي يُدار بها الاقتصاد.

لكن بالتأكيد، ومع إعلان نتائج الانتخابات البرلمانية والرئاسية المبكرة، وبداية حلقة جديدة في الملحمة التي لا تنتهي في تركيا، فإن الحياة لن تكون أبدًا أقل مللًا على وقع أحداث ومواجهات من المتوقع أن يشهدها الأتراك.



اضف تعليق