القدس القديمة على شفا الانهيار


٢٧ يونيو ٢٠١٨ - ١١:٤٦ ص بتوقيت جرينيتش

كتب - محمد عبد الكريم
 
القدس المحتلة - "مدينة كاملة تحت الأرض مكونة من الأنفاق والممرات السرية، والفضاءات الجوفية التي تحولت إلى قاعات للصلاة، ومتاحف وحتى قاعات عامة وكلها يهودية ولا ترى فيها عربياً أو مسلماً أو مسيحياً"، ملخص لتقرير موسّع نشرته صحيفة "هآرتس الإسرائيلية"، عن ما اسمته "المدينة السفلى" للقدس.
 
تقرير سبق قرار قرار "اليونسكو"، أمس الثلاثاء، باعتبار القدس القديمة وأسوارها ضمن المواقع التراثية العالمية المهددة بالانهيار، ليدق ناقوس الخطر حول ما يجري أسفل المدينة من اعمال حفريات يهدد بقاء اثارها.
 
وتبنت لجنة التراث العالمي التابعة "لليونسكو" في دورتها الـ42 والمنعقدة بهذه الأيام في المنامة عاصمة البحرين، قرار الذي يعتبر أن بلدة القدس القديمة وأسوارها من ضمن قائمة مواقع التراث العالـمي المهددة بالخطر.
 
وتم تبني القرار بإجماع أعضاء التراث العالـمي الـ 21 دولة ومن دون تصويت.
 
واعتبرت لجنة التراث وثيقة القرار رقم [WHC-18/42.COM/7A.Add.2] والملحق المرفق بنص هذا القرار، حيث استذكرت قراراتها السابقة الـمتعلقة بمدينة القدس القديمة وأسوارها.
 
وذكِّرت اللجنة بأحكام اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949، وباتفاقية لاهاي بشأن حماية الـممتلكات الثقافية في حالة نزاع مسلح لعام 1954 وبروتوكولَيها، وبالاتفاقية الخاصة بالوسائل التي تستخدم لحظر ومنع استيراد وتصدير ونقل ملكية الـممتلكات الثقافية بطرق غير مشروعة لعام 1970، وباتفاقية حماية التراث العالمي الثقافي والطبيعي لعام 1972، وبتوصيات اتفاقية اليونسكو في دلهي عام 1956 فيما يخص الحفريات في الـمناطق الـمحتلة، وبإدراج مدينة القدس القديمة وأسوارها، بناءً على طلب الأردن، في قائمة التراث العالـمي في عام 1981 وفي قائمة التراث العالـمي الـمهدد بالخطر في عام 1982، وبتوصيات وقرارات اليونسكو.
 
وثمنت الهيئات الـمقدسية في بيان صحفي هذا القرار، وذكرت أن أهمية هذه المطالبة القانونية الدولية بتنفيذ وتبني القرارات السابقة "لليونسكو" التي تنص عدد منها حرفيا على أن المسجد الأقصى هو كامل الحرم الشريف، وأن البراق الشريف وباب الرحمة جزء لا يتجزأ من الأقصى، وأن الأقصى مكان عبادة خاص بالمسلمين وحدهم.
 
ووفقا لتقرير "هآرتس" الذي نشرته قبل حوالي العامين، فإن نقطة التحول الرئيسية في سياسات الحفر والتهويد التي يتبعها الاحتلال تحت الأرض، يشير التقرير إلى أن الأمر بدأ عملياً في سبتمبر/ أيلول 1996، عند فتح ما يُسمّى بـ"نفق الهيكل"، من قبل رئيس بلدية القدس المحتلة، آنذاك، إيهود أولمرت، بحضور عرّاب تهويد المدينة إيرفينغ موسكوفيتش، وبرعاية رئيس الحكومة الحالي، بنيامين نتنياهو، في ولايته الأولى.
 
ووفقاً للتقرير، فإن كل ذلك مرتبط بالنشاط الاستيطاني الهائل لجمعية "إلعاد"، وما يُسمّى في هذا السياق، بـ"الحديقة التوراتية"، التي يعكف الاحتلال على تطويرها في سلوان، جنوبي البلدة القديمة والمسجد الأقصى. وتتمّ الحفريات وتنطلق عملياً من موقع داخل الحي التوراتي في سلوان، باتجاه ساحة البراق، ومنها تتفرّع عمليات الحفر والتنقيب، لتصل أيضاً إلى الأحياء الإسلامية داخل البلدة القديمة، بمحاذاة درب الآلام "فيا دو لوروزا"، حيث المخرج الشمالي لنفق البراق، في باب الواد، الذي أُعلن عن فتحه في عام 1996، وأدى ذلك إلى اندلاع انتفاضة النفق في حينه.
 
ما يشير التقرير إلى أن "هذه الفضاءات والمساحات التي تولّدت تحت الأرض بفعل أعمال الحفريات الإسرائيلية، وسط تعتيم كامل على كل ما يحدث وما يتم العثور عليه من موجودات أثرية أو أثار كاملة، تطرح تساؤلات مهمة للغاية في مقدمتها سؤال من صاحب الملكية على هذه الفضاءات من كهوف وأنفاق وقاعات تقع تحت الأرض، ولكن بالأساس تحت بيوت الفلسطينيين. وهل يمكن فعلاً مواصلة عمليات حفريات أثرية عبر ضخ كميات هائلة من المواد الخرسانية والإسمنت المسلّح، لتثبيت البيوت الفلسطينية فوق السطح ومنع انهيارها، وسط إقصاء كامل للفلسطينيين عن هذه العمليات الأثرية؟ خصوصاً وأن طريق الحفر المستخدمة ليست الطريقة الحديثة، التي تقضي بالبدء من الطبقة العليا نزولاً إلى الأسفل مع استجلاء كافة الطبقات الأثرية، بل تقوم طريقة الحفريات الإسرائيلية بالحفر عمودياً وبشكل مباشر وصولا إلى الطبقات اليهودية، مع إغفال الطبقات الأثرية للعهود الأخرى بما فيها العهود الإسلامية المختلفة من العباسيين إلى العثمانيين".
 
وتوضح صورة نشرتها الصحيفة لمسارين أساسيين من الأنفاق والطرق الممتدة تحت الأرض، التي تُشكّل الإطار العام لخريطة "المدينة تحت الأرض"، الواقعة أساساً تحت الأحياء العربية في القدس المحتلة. وتكشف الخريطة أن أعمال حفر نفق القناة الكنعانية، تبدأ من سلوان وصولاً إلى ساحة البراق ونفق البراق.
 
وتشير الخريطة أيضاً إلى وجود المتاحف التاريخية اليهودية تحت الأرض، غربي حائط البراق، كما لوحظ وجود نقاط حمراء تشير إلى تجويفات وقاعات تحت الأرض، في منطقة الباب الجديد، في البلدة القديمة، القريب من شارع "يافا"، وفي وقف مقبرة مأمن الله، وفي الكهف الكبير عند باب العامود المسمى بالقاموس الصهيوني اليهودي، ناهيك عن تجويفات وقاعات تحت الأرض تقوم بعضها تحت كنيسة القيامة، وأخرى مثل البركة التوراتية، تحت كنيسة راهبات صهيون.
 
ويُبرز التقرير أربع جهات إسرائيلية أساسية، يراها "أوجدت القدس الباطنية" تحت الأرض وهي: "سلطة الآثار الإسرائيلية"، وشركة "تطوير شرقي القدس"، و"صندوق تراث حائط المبكى"، وجمعية "إلعاد" الاستيطانية، التي حصلت لغاية الآن على تمويل وتبرعات من جهات مختلفة، بينها جهات حكومية رسمية لتمويل مشروع الحديقة التوراتية في "مدينة داود"، أي في سلوان.
 
ويتضح من المخططات التي يشير إليها التقرير، أن "النية تتجه في نهاية مشروع الحفر والتنقيب، والبناء المرافق لهما، للوصول إلى وضع تكون فيه تحت البلدة القديمة من القدس، شبكة من الأنفاق والممرات والقاعات، التي يتم العثور عليها وتحويلها لأماكن عامة، على أن يتم استئجارها من قبل كبار المتبرعين اليهود. أي مّمن تبرّعوا بـ36 ألف دولار وأكثر، لإقامة طقوس دينية مثل طقوس بار متسفا للفتية اليهود، عندما يبلغون سن التكليف بالفرائض الدينية اليهودية". وهي قاعات بات بعضها جاهزاً للاستخدام، وتقع تحت بيوت فلسطينية في الحي الإسلامي، تمّ الوصول إليها عبر الحفر من "مواقع يهودية"، يسيطر عليها المستوطنون، كما في موقع كنيس "عطيرت كوهنيم" في عقبة الخالدية، حيث تمّ حفر أرضية المكان والنزول لأعمال حفريات تحت البيوت الفلسطينية، بحثاً عن ممرات مائية وأنفاق تاريخية قديمة.
 
وتنقل الصحيفة عن عالم آثار إسرائيلي، مناهض لمخططات الحفريات تحت القدس، وهو جدعون سليماني، قوله: "نتحدث هنا عن مشروع حفريات ضخم، مخفي عن الجمهور، باستخدام طرق حفر قديمة، من دون قيود ومن دون حدود. وهذه حفريات لا علاقة لها بالبحث العلمي، ولا جدول زمنياً محدداً لها أو مناطق محددة، لقد بنوا مدينة تحت الأرض". مع العلم أن رايخ نفسه يعتبر أن "أعمال الحفريات تحت مسمى كشف طريق هورودوس، هي حفريات لأغراض سياحية أو سياسية، وربما سياسية وبعدها سياحية لأنها لا تفيد شيئاً في المجال العلمي، فمسار الطريق الرومانية في القدس معروف".
 



اضف تعليق