المتلاعبون بالعقول.. "أوفر دوز" موسيقي بامتياز


٠٣ يوليه ٢٠١٨ - ١١:١٧ ص بتوقيت جرينيتش

كتبت - علياء عصام الدين

هل بإمكان مقطع موسيقي يحوي رسائل مبطنة غير مباشرة أن يغير لون عينيك أو أن يقلل من وزنك؟

هل ستحقق المتعة والنشوة والاسترخاء وتتخلص من آلامك النفسية بمجرد استماعك إلى مقطع فيديو يعتمد على تقنيات صوتية معينة؟

قد تبدو هذه التساؤلات للبعض بعيدة عن الواقع بيد أن كثيرًا من التجارب –على عهدة الرواة – الذين خاضوا تجارب الاستماع للمخدرات الرقمية وغيرها من المقاطع الصوتية التي اعتمدت على تقنيات حديثة في الآونة الأخيرة قد تبدو أكثر واقعية وقابلة للتحقيق.

في رواية "مسز دالواي" وصفت "فرجينيا ولوف" موجات من السحر سارت في جسدها كرعشة الكهرباء الخفيفة عندما استمعت إلى همسات ذلك الرجل العميق، تلك الهمسات التي داعبت آذانها وحفزت ملكاتها وانتقلت إلى عقلها وأطرافها عبر عامودها الفقري فاستقرت في قلبها وداعبت تفاصيلها حتى انتشت.

تقول مستغانمي أيضًا "أي علم هذا الذي لم يستطع حتى الآن أن يضع أصوات من نحب في أقراص، أو زجاجة دواء نتناولها سرًّا، عندما نصاب بوعكة عاطفية"، فهل من الطبيعي أن يكون العلم قد نجح أو اقترب من هذا الإنجاز، وهل للأصوات سحر ما ورائي غير ذلك المدرك لدى الجميع؟

من الطبيعي أن نصدق ما يقال عن تلك "النشوة" التي تتولد لدى البعض عند الاستماع للموسيقى، وهي حالة من البهجة يصل إليها الفرد جراء سماع "الموسيقى" بشكل أقرب إلى السحر وفي هذه الحالة الذهنية توصل الموسيقى إلى النشوى وقد يصاحبها شعور بالطيران أو الرغبة في الرقص وقد ظهرت هذه الحالات عند بعض من متعاطي البانجو والأدوية المخدرة.

بيد أن تجاوز هذه التجربة الروحية لجعلها أكثر قصدية ودعمها بتقنيات قد تبدو أكثر شرًا وتحاول السيطرة على عقل الإنسان أمر يدعو إلى القلق.

"لقد اقشعر بدني" تعبير كثيرًا ما نقوله عن سماع أصوات معينة، وكثير ما يروادنا شعور جيد أو سيئ عند سماع بعض الأصوات الغريبة فالبعض "يستمتع" بصوت الورق وحك الأقمشة في بعضها البعض، والبعض الآخر ينفر من احتكاك الفلين أو صوت احتكاك الأظافر على الجدران، ولكن هل يتجاوز هذا الشعور الذي نعايشة جميعًا على بساطته ليتسع عوالم أوسع؟

الـ"ASMR"


ظاهرة حققت انتشارًا واسعًا في السنوات الأخيرة في مواقع التواصل الاجتماعي وعلى رأسها موقع " اليوتيوب" حيث لجأ لها الكثير من الأشخاص رغبة منهم في عيش تجربة حسية مختلفة وغريبة للتخلص من الضغوط والاسترخاء والتخلص من الأرق وأعراض الاكتئاب لا سيما بعد أن أثبتت التجربة نجاحًا مع البعض.

وتعتمد الظاهرة التي هي اختصار لما يسمى بـ "الاستجابة الزوالية الحسية الذاتية Autonomous Sensory Meridian Response  بتحفيز المراكز الحسية في الدماغ من خلال أصوات معينة تُنتج إحساسًا بالوخز الخفيف "اللذيذ" أو التنميل في مؤخرة الدماغ والعمود الفقري والأطراف فتعطي صاحبها إحساسًا بـ"المتعة" و الاسترخاء .

والتجربة شخصية للغاية ولا يوجد دراسات حاسمة لها أو تفسير علمي دقيق لتلك الأحاسيس المتولدة كردود فعل عصبية نتيجة الاستماع إلى الأصوات مما يجعلها تختلف من شخص لآخر، حتى المشاعر التي يتم اختبارها من خلال المحفزات ذاتها يختلف تأثيرها بين الأشخاص فالبعض يصفها بالتنميل، والبعض الآخر يشبهها بالدغدغة وآخرين برعشة التيار الكهربائي.

وقد أظهرت دراسات نظرية حديثة أن كثيرًا من الأشخاص المصابين بالاكتئاب والآلام المزمنة قد حققوا تحسنًا طفيفًا بعد تجربتهم للأسمر.

وفي تقنية "ASMR" يجب أن يتحدث صاحب الفيديو بصوت خافت وناعس ومثير ويقوم بإصدار طنين بشفتيه بصورة دائرية فيحدث اضطراب عاطفي داخلي مهدئ للأعصاب، وغالبًا ما يستخدم في نظامه إيحاءات جنسية باطنية غير ظاهرة لجذب العقل الباطن كأصوات القبلات وبلع الريق وصوت اللعاب والأنفاس وكلها يتم تسجيلها بتقنية ثلاثية الأبعاد لمزيد من الإثارة ومحاولة نقلك إلى داخل المشهد كما لو كنت جزءًا لا يتجزأ منه .

ويقوم صاحب الفيديو بمحاولة إيصال العواطف إليك بشكل تام وبأكبر قدر من التأثير بالتلاعب على العواطف التي تربك المتلقي فتجعله ينجذب إلى الفيديو ويدخل في حالة أشبه بالتنويم المغناطيسي لكن بصورة مختلفة.

وتقابل فيديوهات الـ"ASMR" بموجه انتقادات منها أنها تنصب في خانة التهييج الحسي المفتعل غير الأخلاقي الذي قد يولد إدمانًا عند البعض ولا تفسيرات منطقية للعد المهول لقنوات اليوتيوب المتخصصة في هذا الشأن وعدد متابعيها ومريديها .

الإدراك الخفي


وقد تكون تجربة "ASMR" شبيهه بتلك التي تعرف بالـ" Subliminal" الإدراك الخفي والتي انتشرت منذ فترة أطول من " ASMR" وركزت على مخاطبة اللاوعي بشكل لاشعوري عبر إرسال موجات صوتية للعقل للتأثير عليه بشكل إيجابي وقد استخدمت هذه التقنية في التسويق الإعلاني واثبتت فاعليتها وقدرتها في التأثير على زيادة الإقبال على شراء السلع والمنتجات بشكل لاشعوري عند الجمهور المتلقي.

و"السبليمنال" أنواع صوتي ويعتمد على التأثير على الوعي من خلال الموسيقى والأصوات، ومكتوب ويستهدف التأثير من خلال الكلمات المكتوبة أو عبر الصور المرئية.

تطورت تقنية التأثير اللاشعوري لتستخدم في علاج المرضى النفسيين وتحسين سلوك المساجين وإعادة تأهيلهم، وتطورت فيما بعد لتدخل في المتاجر من خلال آلات صوتية تصدر موسيقى كلاسيكية تحوي رسائل مبطنة موجهة للتحكم في الزبائن.

وعلى الرغم من الخدمات الإيجابية للأقمار الصناعية فهناك قدرة مرعبة تم تطويرها اعتمدت على " Subliminal " لتمكن الأقمار الصناعية من استهداف أشخاص ومراقبتهم والتلاعب بعقولهم من خلال بث رسائل صوتية خفية وهو ما يعرف بـ"“Audio Subliminal Message" والتي يستقبلها العقل وتلعب على تغيير السلوك بطريقة البث الصوتي وتحويله إلى نبضات كهربائية خفية تصل عبر الإشارات العصبية لتأثر على العقل الباطن.

وكما لكل شيء جانبه المظلم يستعين الخبراء بالرسائل الخفية للتخلص من العادات والجوانب السيئة في الشخصية واستبدالها بجوانب طيبة وكذلك التخلص من الغضب والنفور والحقد والأرق التي تؤثر على الإنسان وأصبحت الشركات التجارية تنتج فيديوهات خاصة تحتوي على رسائل وإيحاءات تساعد على شفاء المرضى النفسيين.

وتقوم بعض المحطات الإذاعية بإطلاق رسائل خفية خلال برامجها الموسيقية الخاصة بها للعمل على تهدئة الأعصاب والاسترخاء في المساء والشعور بالنشاط والاستيقاظ في الصباح.

المخدرات الرقمية


المخدرات الرقمية أو الـ Digital Drugs  أو الـ iDoser  هي عبارة عن مقاطع نغمات يتم سماعها عبر سماعات بكل من الأذنين، حيث يتم بث ترددات معينة في الأذن اليمنى مثلاً وترددات أقل إلى الأذن اليسرى ، فيحاول الدماغ جاهداً أن يوحد بين الترددين للحصول على مستوى واحد للصوتين، وهذا الأمر يجعل الدماغ في حالة غير مستقرة، على مستوى الإشارات الكهربائية العصبية التي يرسلها والفارق بين طرفي السماعة هو الذي يحدد حجم الجرعة، فكلما زاد الفارق زادت الجرعة.

تعمل المخدرات الرقمية على تزويد السماعات بأصوات تشبه الذبذبات والأصوات المشوشة، وتكون قوة الصوت أقل من 1000 إلى 1500 هيرتز كي تسمع منها الدقات.

وقد انتشرت مواقع متخصصة ببيع هذه النغمات سواء تلك القائمة على الرسائل المبطنة أو الذبذبات الصوتية على الشبكة العنكبوتية ويتم ترويجها كما يتم الترويج لأي منتج على مواقع التواصل الاجتماعي مقابل القليل من الدولارات .



لقد استغرقت لفترة ليست بالقليلة في الاستماع إلى فيديوهات الـ" ASMR"  و الـ" Subliminal" و" المخدرات الرقمية وعلى الرغم من أن الكثير من الجمهور المهووس بهذه التقنيات يسجلون إعجابًا بنتائج تجاربهم وفقًا لما توهموه أو تخيلوه أو ربما حققوه إلا أن الأمر "ذاتي" لأبعد حد ويتطلب المزيد من الدراسات الأوسع والأكبر لهذه  الظواهر السمعية التي تبيع "الوهم" للجمهور .

تقول رواندا بايرن في كتاب "السر" الشهير " الأفكار الإيجابية جدًا تجلب الأشياء الإيجابية، والأفكار السلبية تجذب الأشياء السلبية كذلك.

لذلك وببساطة، إذا كنا نفكر بالأشياء التي نريدها فإننا سنحصل عليها" .

بهذه الطريقة يمكن للمشاهد الذي يطمح بالاسترخاء أو تغيير لون عينه أو فقدان وزنه من خلال الاستماع إلى الموسيقى التي تحوي رسائل مبطنة تساعد على تحقيق ما يصبو إليه أن يتوهم تمامًا أنه على الطريق السليم مثله كمثل الذي يرتاح عند سماع آيات من القرآن الكريم أو ذلك الذي يمارس رياضة اليوغا للوصول إلى التركيز والاسترخاء، فالأمر لا يعدو كونه تجربة ذاتية خاصة جدًا للوصول إلى الراحة النفسية المرجوة.

وفي حقيقة الأمر ليست هذه الظواهر على اختلافها واتساعها إلا محاولات "يائسة" لنشر المزيد من التواكل والكسل والمتاجرة برغبات البشر اللاهثين خلف كل جديد.

ويبقى السر الوحيد الأكثر صدقًا للوصول إلى الهدوء النفسي والاسترخاء والنجاح هو المزيد من العطاء والعمل والمثابرة والاجتهاد.

 




اضف تعليق