قانون تجنيد "الحريديم" .. رهان على بقاء حكومة نتنياهو


٠٦ يوليه ٢٠١٨ - ٠٣:٥٢ م بتوقيت جرينيتش

رؤية - محمد عبدالدايم

هل يُعجل تمرير قانون التجنيد بحل الائتلاف الحكومي وإجراء انتخابات مبكرة.
خلافات كبيرة في أوساط المجتمع الإسرائيلي بين مؤيد لجبرية التجنيد على الجميع من مبدأ المساواة، وبين تأييد حرية رفض الخدمة العسكرية.
النواب العرب في الكنيست يمتنعون عن المشاركة في تمرير قانون "لا يعنيهم".
هل يؤدي عدم تجنيد الحريديم إلى تزايد مشاعر القنوط تجاه الجيش في صفوف الجمهور الإسرائيلي من العلمانيين؟.
 عدم المساواة في التجنيد قد يسبب فقدانًا للدوافع لدى بعض الشباب ممن ينطبق عليهم التجنيد الإجباري.
إعفاء الحريديم من التجنيد بمبادرة بن جوريون منذ 1948 تحولت إلى حق مكتسب.

على مدى سنوات، وفي خلال العام الفائت تحديدًا، ظلت إشكالية تجنيد الشبان الحريديم محل خلاف وصراع بين القوى السياسية  في إسرائيل، وبين طرفي المجتمع من العلمانيين والمتدينين، أو حتى بين أطياف مختلفة من المتدينين، فقطاع كبير من هؤلاء الشبان ينتظمون في المدارس الدينية اليهودية لسنوات طويلة، تحت شعارات التفرغ لدراسة الدين اليهودي باعتبار هذا الأمر هو المهنة الأسمى لهم، فيُقال "توراته مهنته"، وساعدت المواءمات السياسية على مدى سنوات بين قوى المتدينين والأحزاب العلمانية على تسهيل إعفاء أعداد متزايدة من الحريديم من الخدمة العسكرية بالجيش الإسرائيلي. 

أخيرًا صادق الكنيست الإسرائيلي هذا الأسبوع بالقراءة الأولى على قانون التجنيد الإجباري للحريديم، حيث وافق على تمرير القانون أغلبية 63 عضوًا وعارضه 39.




جاء تمرير القانون بالكنيست بعد أن أقرته الحكومة الإسرائيلية أولا، وينص مقترح القانون على تحديد أهداف جديدة للتجنيد الإجباري، وفرض عقوبات اقتصادية على المدارس الدينية اليهودية التي لا تستجيب لقانون التجنيد، فالقانون يقترح تجنيد 3000 من الطلاب الحريديم المنتسبين للمدارس الدينية اليهودية، وذلك بالمرحلة الأولى من التجنيد الإجباري، مع انخراط 600 آخرين كمتطوعين للعمل فيما يسمى بـ"الخدمة الوطنية"، مع منح فترة سماح مدتها سنتين لا تُفرض خلالهما عقوبات على المدارس الدينية التي لا تستوفي شروط التجنيد.

وبالنسبة للمتهربين أو الممتنعين من الحريديم، فيقضي القانون بإنشاء نظام للعقوبات، بالحرمان من المزايا التي تُمنح للمجندين، مثل الحوافز التي ينالها المجندين، كبدل الإقامة والتمويل.

مواجهة بين اليمين العلماني واليمين الديني

فيما كان حزبي يسرائيلبيتينو بزعامة وزير الدفاع أفيجادور ليبرمان، وييش عاتيد بزعامة يائير لابيد في طليعة الأحزاب اليمينية العلمانية التي تدفع لتمرير القانون؛ فإن الأحزاب اليمينية المتشددة المشاركة في الائتلاف الحكومي قد أعلنت أن تمرير القانون قد يدفع لتقويض الائتلاف وحله، حيث رفضه وزير التعليم نفتاليبينط رئيس حزب هابيتهايهودي، وكذلك وزير الداخلية أرييه درعي رئيس حزب شاس، ووزير الصحة الحاخام يعقوب ليتسمان الذي حمل حقيبة الصحة قبل استقالته العام الفائت وتوليه حاليا منصب نائب وزير الصحة.

امتناع العرب عن التصويت

 أعلن نواب القائمة العربية المشتركة بالكنيست امتناعهم عن التصويت على مشروع القانون، لأن القانون من وجهة نظرهم لا يعنيهم باعتباره يخص المتدينين الحريديم، وصرح رئيس الكتلة البرلمانية العربية جمال زحالقة بأن العرب لا يشاركون في التصويت على مثل هذه القوانين منذ سنوات، لرفضهم من الأساس أن يشاركوا في أي شيء يتعلق بالجيش الإسرائيلي الذي يرتكب جرائم ضد الشعب الفلسطيني.

مواجهة الحريديم مع المحكمة العليا

في العام الماضي قضت المحكمة العليا الإسرائيلية ببطلان قانون يقر إعفاء كبير للشبان الحريديم من التجنيد بالجيش الإسرائيلي، على أن يسن الكنيست قانونا آخر حتى عام من يوم إصدار المحكمة قرارها، وهو ما يتوافق مع هذه الفترة التي مرر فيها الكنيست المقترح الجديد للقانون.


واجهت المحكمة العليا غضبًا شديدًا من الحريديم، واتهمها وزير الداخلية أرييه درعي بأنها تتدخل طوال الوقت فيما لا يحق لها أن تتدخل فيه، واعتبر أن قانون التجنيد بصورته الأخيرة يمزق مجتمع اليهود الحريديم.

انعكاس قانون التجنيد على الشارع الإسرائيلي

رغم أن حكومة نتنياهو قد أفلحت في تأخير أجل الأزمة حول القانون لآخر وقت ممكن؛ فإن هذه المساعي لم تمنع احتدام الخلاف بين أطراف الائتلاف الحكومي، وفي وقت سابق هددت المرجعيات الدينية للأحزاب الحريدية بالانسحاب من الائتلاف الحكومي إذا ما تمت المصادقة على قانون التجنيد في صورته الأخيرة.

وعلى خلفية هذا الخلاف الحكومي؛ شهدت شوارع إسرائيل مظاهرات عديدة نظمها يهود حريديم للاحتجاج على مساعي تجنيدهم، وشهدت هذه المظاهرات مصادمات مع قوات الشرطة بسبب قطع الطريق وأعمال العنف.

تسوية بن جوريون وجذور الأزمة

لم تكن معركة التجنيد الإجباري وليدة الفترة الأخيرة؛ وإنما تحتدم الأزمة منذ تسعينيات القرن الماضي، فيما تمتد جذورها إلى عام 1948، حيث بادر دافيد بن جوريون رئيس الحكومة آنذاك بمنح موافقة مبدئية على إعفاء طلبة المدارس الدينية من الخدمة العسكرية، تحت شعار "توراته مهنته"، ولم يكن هذا الإعفاء رسميا حينها، فقد كان على الطلاب المثول في سن السابعة عشرة أمام مكتب التجنيد، لكن وزير الدفاع يوقع كل عام على تأجيل خدمتهم العسكرية.

كان المجتمع اليهودي الأصولي في تلك الفترة صغيرا جدا مقارنة بالمجتمع اليهودي العلماني، ففي السنوات الأولى لقيام إسرائيل كان عدد إجمالي عدد طلاب المدارس الدينية لا يتجاوز 7000 طالب، لكن بمرور الوقت اتسعت هذه التسوية بين الحكومة وبين الحريديم حتى أصبح عدد من يتم تأجيل تجنيدهم من الحريديم غير محدد، واستتبع ذلك السماح لخريجي المدارس الدينية بتأجيل الخدمة العسكرية، إضافة إلى فئة أخرى من "التائبين" إلى الدين، وخريجي المدارس الثانوية الدينية.


اتساع الهوة بين المعفيين والمُجبرين

هذا التساهل مع الحريديم بمرور الوقت أدى إلى زيادة مفرطة في عدد الشباب المعفيين من التجنيد الإجباري، خصوصا مع تزايد عدد طلاب المدارس الدينية، وكذلك زيادة مواليد الحريديم مقارنة بالعلمانيين، لأن الشباب المتدينين معفيون من التجنيد وبالتالي يتزوجون في سن صغيرة بمجرد تخرجهم من الدارس الدينية، فيما ينتظر الشباب العلماني عادة حتى الانتهاء من الخدمة العسكرية والدراسة الجامعية، ومن هنا اتسعت الهوة بين الطرفين.

  صدرت هذه الفجوة بين المتدينين والعلمانيين تساؤلا كبيرا يتمحور حول غياب المساواة المجتمعية بين الطرفين، حيث أصبح الشباب العلمانيين يخضعون بموجب القانون الإسرائيلي للتجنيد الإجباري، وينخرطون في صفوف الجيش الذي يشن حربا هنا وعملية هناك، ويخضع رافضي الخدمة العسكرية لعقوبات، بينما يهنأ الشباب الحريديم بإعفاء من العسكرية فلا يواجهون مخاطر الحرب، بل يكونون مجتمعا منغلقا على ذاته، لا ينخرط في الحياة العامة بإسرائيل، ولكن يشكل هذا المجتمع طبقة تعيش عالة على غيرها في الدولة.

طرحت هذه الإشكالية جدلا مستمرا طيلة عقود الوجود الإسرائيلي، بين مؤيد لسريان التجنيد الإجباري على الجميع، من منطلق المساواة، ولأن القوانين التي تعفي طائفة دون غيرها من التجنيد إنما تدعم بشكل كبير حالة اليأس والإحباط من عدم العدالة بين الشباب في الدولة، فلماذا تواجه طائفة نيران الحرب وتؤمن طائفة أخرى تتخذ من الدراسة الدينية ذريعة لتتهرب من التجنيد؟

وعلى الجانب الآخر هناك معارضون لإجبار أحد على الالتحاق بالجيش، من منطلق حرية رفض التجنيد.


مساومة سياسية في المقام الأول

رغم احتدام الخلاف بين أطراف الحكومة، وفي الكنيست، وبين طوائف مجتمعية، فإن تقارير إعلامية إسرائيلية قد أشارت إلى أن القانون يحمل في بنوده تسهيلات كبيرة للحريديم، تشير إلى حلول وسط يمكن أن تقدم تسهيلات ومنافع للشبان المُستدعين للتجنيد، مما يشير إلى أن المسألة سياسية في المقام الأول، تخضع للشد والجذب بين الأطراف المشاركة، وليست مركزة على إرساء قواعد المساواة في التجنيد، خصوصا وأن الحريديم في عهد حكومة نتنياهو قد استمتعوا بزيادة رهيبة في المخصصات التي تمنحها لهم الحكومة حتى وصلت إلى نسبة أعلى 120% مما كانت عليه في الحكومات السابقة.
 


اضف تعليق