على غرار العثمانيين .. "أردوغان" يهيمن على "قبرص" عبر المساجد الضخمة


٠٩ يوليه ٢٠١٨ - ١٢:٠٣ م بتوقيت جرينيتش

رؤية
 
يعتزم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إجراء أول زيارة خارجية له إلى جمهورية شمال قبرص التركية، بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية التي جرت في 24 يونيو/حزيران الماضي.
 
وأفادت وسائل إعلام تركية، أن أردوغان سيتوجه إلى قبرص في 10 يوليو/تموز الجاري، ليشارك في افتتاح مسجد "هالة سلطان" الذي يُعَد أكثر الأماكن قدسية في الجزيرة بالنسبة للقبارصة الأتراك.
 
ووضع حجر الأساس المسجد في 27 سبتمبر/أيلول 2013، حيث يشرف على بنائه وقف الديانة التركي، وقد استوحي تصميمه من جامع السليمية بولاية أدرنة التركية.
 
ويتسع المسجد لـ 3 آلاف مصلٍ، ويقع بالقرب منه "معهد الشريعة" الذي يتلقى فيه قرابة 15 ألف طالب تعليمهم، وجامعتي "قبرص الدولية"، و"قبرص للعلوم الاجتماعية".
 
الجدير بالذكر، أن "هالة سلطان" هي الصحابية أم حرام بنت ملحان، عمة الرسول الكريم محمد من الرضاع، وتوفيت خلال إحدى الرحلات على الجزيرة زمن سيدنا عثمان بن عفان، ودفنت في البقعة التي بنيت عليها مسجد لارنكا الكبير، الواقع قرب مدينة لارنكا في جزيرة قبرص.
 
جدل واسع
 
بمآذنه الأربعة الشاهقة المشيدة على الطراز العثماني في شمال العاصمة القبرصية نيقوسيا، يثير مسجد ضخم مولت أنقرة بناءه ويفتتح هذا الأسبوع، جدلا في المجتمع المسلم لكن العلماني إلى حد كبير.
 
ومن المتوقع أن يحضر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الثلاثاء مراسم افتتاح مسجد هالة سلطان الذي يتسع لثلاثة آلاف مصلٍ.
 
وفيما رحب كثيرون بالمسجد الجديد، أبدى بعض القبارصة الأتراك مخاوف من تنامي نفوذ تركيا في شمال الجزيرة المتوسطية المقّسمة.
 
وقال رئيس نقابة المعلمين القبارصة الأتراك شينير إلجيل لوكالة فرانس برس في مكتبه في نيقوسيا "هذا المسجد يجسد العقلية الإسلامية، العقلية الإسلامية السنية وأيضا عقلية امبريالية".
 
وتابع "المجتمع القبرصي التركي علماني. نحن لسنا مجتمعا إسلاميا أصوليا".
 
ويعارض إلجيل وغيره من القبارصة الأتراك اليساريين بقوة تصرفات أنقرة في شمال قبرص التي انفصلت عن الجزيرة في العام 1974 عندما اجتاحت القوات التركية الثلث الشمالي منها واحتلته ردا على انقلاب عسكري كان يسعى للوحدة مع اليونان.
 
وتركيا هي البلد الوحيد الذي اعترف بجمهورية شمال قبرص التركية المعلنة من جانب واحد في العام 1983، وهي تدير نظامها المالي وتنشر فيها نحو 35 ألف جندي تركي.
 
وقال العضو السابق في البرلمان ومؤسس حزب قبرص الموحدة الاشتراكي عزت إزجان إن "سياسة اردوغان تقضي بتغيير هوية القبارصة الأتراك"، داعيا أعضاء الحكومة إلى مقاطعة مراسم افتتاح المسجد.
 
وتابع "هويتنا ترتكز على قبرص. لدينا الكثير من القواسم المشتركة في هويتنا مع القبارصة اليونانيين والأرمن والموارنة، وكلهم لهم وجود على الجزيرة".
 
وأضاف "ما يحاول ارودغان فعله هو ضمّ الشمال، وبناء هوية أخرى (...) يحاول (الأتراك) أن يجعلوننا مسلمين صالحين بأسلوب حياتهم ومحض أتراك كما يتمنون أن يروننا".
 
أجدادنا العثمانيين
 
يقود إلجيل وإزجان الدعوات ضد تعزيز قبضة أنقرة على حياة القبارصة الأتراك. وقال ازجان لفرانس برس "كلنا نعرف أن (الهدف) خلف هذا هو استيعاب ودمج الجزء الشمالي من قبرص في تركيا".
 
وفي احتجاج نادر في نيقوسيا الجمعة، تظاهر أعضاء نقابة المعلمين ضد بناء المسجد تحت شعار "ضعوا المدارس والمستشفيات أولا".
 
وجاء في بيان للمحتجين "ما تحتاج إليه بلادنا هو العلم والتعليم والصحة، بينما الأولوية تمنح للاستثمار في الدين".
 
ويعد مسجد هالة سلطان أحد ابرز سلسلة مشاريع تمولها تركيا في المنطقة نفسها عند أطراف نيقوسيا، وتشمل معهدا إسلاميا وجامعات ومشاريع إسكان للطلاب القادمين في جزء كبير منهم من تركيا.
 
خارج المبنى الضخم بمآذنه الشاهقة البالغة 60 مترا، عبّر آيهان انكورت، أحد السكان المحليين، في المقابل، عن سعادته.
 
وقضى الرجل البالغ 61 عاما أشهرا في جمع تواقيع سكان المنطقة لدعم بناء المسجد. وقال "كنت أصلي كل يوم من أجل هذا المسجد"، مضيفا "بفضل هذا المسجد وجدنا هويتنا (...) وروابطنا بأجدادنا العثمانيين".
 
ويعد مسجد هالة سلطان نسخة مصغرة من جامع السليمية بمحافظة أدرنة التركية الذي شيِّد أثناء العهد العثماني بالضرائب المحصلة في قبرص، على ما تقول روايات تاريخية.
 
ويوجد مسجد باسم تكية هالة سلطان في مدينة لارنكا في الجانب القبرصي اليوناني من الجزيرة، وهو مرتبط بموقع دفن إحدى زوجات صحابة النبي محمد.
 
الأمر ليس بريئا
 
القبارصة الأتراك اليساريين يعارضون بقوة تصرفات أنقرة في شمال قبرصالقبارصة الأتراك اليساريين يعارضون بقوة تصرفات أنقرة في شمال قبرص
 
ويقول أستاذ التسويق في جامعة العلوم الاجتماعية المحاذية للمسجد "هذا النوع من المباني يضيف شيئا للمجتمع".
 
لكن على بعد كيلومترات عدة في شوارع المدينة القديمة في ننيقوسيا، أبدى البائع ذهني كالماز امتعاضه.
 
وعبر كالماز عن تعجبه قائلا "هذه المآذن! إنها ضخمة! ولماذا العديد منها؟ إذا أردتُ أن أصلي، سأصلي بمفردي او في متجري، الله موجود هنا"، مشيرا إلى صدره.
 
ويقدر النقابي إلجيل كلفة بناء المسجد الضخم بأكثر من 30 مليون دولار، رغم عدم توافر أي أرقام رسمية.
 
ويقول "كان يمكنهم تشييد مستشفى ضخم بتكلفة أقل (...) يمكنهم ان يشيدوا أكثر من 20 مدرسة، وهو ما نحتاج إليه". ويتابع "عوضا عن ذلك، يريدون بناء مسجد (...) في كل شارع في شمال قبرص".
 
ويضيف بأسف "هذه سياسة اردوغان. أن يحتل الجزء الشمالي (للجزيرة). ليس الأمر بريئا أن تبني مسجدا في قبرص".
 
جدير بالذكر، أن قبرص الشمالية، رسميًا جمهورية شمال قبرص التركية، هي دولة ذات اعتراف محدود تقع في الجزء الشمالي من جزيرة قبرص ذات أغلبية سكانيه من أصول تركية.

برغم من إدارة هذا الجزء من جزيرة قبرص كدولة مستقلة، لا تعترف باستقلاله أية دولة أو مؤسسة دولية، ما عدا تركيا. فتدير جمهورية شمال قبرص علاقاتها الخارجية بوساطة تركيا. كذلك يرتبط اقتصاد الجمهورية بالاقتصاد التركي بشكل كامل حيث تستعمل العملة التركية كعملتها الرسمية.
 
تطمح جمهورية قبرص باستعادة الأراضي الخاضعة لسيطرة جمهورية شمال قبرص التركية، ولكن رغم اعتراف المجتمع الدولي بسيادة جمهورية قبرص على جميع أراضي الجزيرة، فشلت كل المحاولات الدولية لتوحيد الجزيرة من جديد. مع ذلك، يبدو أنخفاض في حالة التوتر بين الجمهوريتين إذ قرر الجانبان في أبريل 2003 افتتاح 3 معابر على خط الهدنة الفاصل بينهما.
 
تمتد أراضي الجمهورية على مساحة 3,335 كم مربعا، أي ثلث من مساحة جزيرة قبرص تقريبا، ويبلغ عدد سكانها ما يقرب 210,000 الف نسمة.
 
تم الإعلان عن إنشاء جمهورية شمال قبرص التركية في 15 نوفمبر 1983، ولكنها نشأت فعلا في سنة 1975 إثر الاجتياح العسكري التركي لقبرص واحتلالها الجزء الشمالي من البلاد.
 
وجاء التدخل العسكري التركي في أعقاب أزمة حادة في العلاقات بين المجتمعين اليونانية والتركية في قبرص انتهت بانقلاب عسكري قاده عناصر من القبرصيين اليونانيين.


اضف تعليق