"تنكز بغا".. بيوت الصوفية في مصر تشكو الإهمال إلى الله


١١ يوليه ٢٠١٨ - ٠٨:٢٦ ص بتوقيت جرينيتش

هدى إسماعيل - عاطف عبداللطيف

بمجرد أن تقترب من منطقة منشأة ناصر في مصر القديمة، عليك أن تطلق العنان لعينيك بحثًا عن مأذنة أثرية أو قبة تتوارى خلف عمارات أو بيوت ذات طوابق لا تزيد عن الخمسة، حتى تستدل على الطريق المؤدي لها، فالشوارع والممرات والأزقة والدهاليز المتخمة بوجوه تتابعك في توجس وقلق يصاحب نظر أهالي المنطقة لكل أقدام غريبة تدلف إلى الأزقة والمنحنيات والدهاليز القديمة.

بالكاد تمر منها منفردًا وليس بصحبة شخص آخر وتلجأ إلى سكان الحي مضطرًا ولكن ما من مجيب، فالكل لا يعرف أن خلف منزله يقبع جزء مهم من التاريخ يعود إلى مئات السنين وعندما آن الآوان لمغادرة المكان بعد معاناة في البحث وفقد الأمل في الوصول كانت المحاولة الأخيرة مع رجل في العقد السادس أوصلنا إلى ما يسمونها "التكية" أو "مولانا التنكيزي"، مكانه المفضل للعب واللهو في مرحلة الطفولة والصبا إنها "خانقاه تنكز بغا" أحد أهم دور العبادة الصوفية الباقية ومركزًا هامًا لمكافحة التشيع في مصر في فترات كبيرة من التاريخ.

اقتربنا رويدًا في منعطفات وتعاريج وعبر سلالم متهالكة في رحلة صعود تقارب الـ50 مترًا من أقرب الشوارع الخانقة المؤدية إلى "الخانقاه" لنجدها مغلقة من بابها الحديدي المتأكل العتيق، لم يتبقى منها إلا مقلب كبير للقمامة، آبار أثرية مهدومة، كتابات ونقوش تاريخية مطموسة، أفاعٍ وحشرات ومراتع للكلاب الضالة، كل صنوف الإهمال وتلويث التاريخ، للخانقاه الذي يحيط به سور من الحجر البازلت سوى القبة فقط بالمئذنة، وقد تعرضت هي الأخرى للتحطم بسبب الإهمال.

يعانى مسجد الأمير المملوكي "تنكز بغا" الأثري من إهمال شديد، فالطريق إلى المسجد الذي شيد عام 764 هجريًا بأمر من الأمير "تنكز بغا" محاط بتلال من القمامة والركام، هذا المسجد الذي قدم خدمات عديدة خلال الـ600 عام الماضية، ويضم مدرسة لنشر وتعليم فقه الآئمة الأربعة، وجامعًا فسيحًا، وخانقاه فخمة لانقطاع الصوفية وأهل السنة للعبادة ومحاربة الفكر الشيعي الذي كان منتشرًا آنذاك، ومدافن لغالبية سلاطين المماليك، الآن يستسلم للزحف العشوائي والضياع بين وزارة الآثار التي تلقي بمسؤولية التطوير والإنقاذ على حي منشأة ناصر الذي يتحجج بصعوبة الوصول إلى المكان لرفع الركام والقمامة والتطوير.

الصوفيون




و"الخانقاه"، كلمة فارسية، تعني المكان الذي ينقطع فيه المتصوفون للعبادة، ووظيفتها الأساسية إعانة المتصوف على الانقطاع للعبادة، فالخانقاه تجمع بين المسجد والمدرسة، من خلال وجود غرف يختلي بها المتصوف للعبادة، تعرف باسم الخلاوي، بالإضاف لغرف مخصصة لتلقي الدروس الصوفية.

وانتشرت "الخانقاه" في مصر خلال العصر المملوكي، وأطلقت كلمة خانقاه على المجموعات الدينية الكاملة لسلاطين المماليك، مثل خانقاة السلطان الظاهر بيبرس الجاشنكير ومسجد الأشرف برسباي وضريحه بقرافة المماليك، وخانقاة تكنز بغا، وأغلبها يضربها الإهمال.

والأمير "تنكز بغا" هو أحد السلاطين المماليك، من مماليك المنصور "حسام الدين لاجين"، وترتيبه الحادي عشر في سلاطين الدولة المملوكية، وبعد مقتله، صار "تنكز بغا" من مماليك وأنصار السلطان الملك "الناصر محمد بن قلاوون"، وشهد معه عدد من المعارك والفتوحات، وكان نائبًا عنه في حكم الشام، وكان أمير مجلس السلطان، وكان صهر السلطان حسن بن الناصر قلاوون صاحب مدرسة السلطان حسن الشهيرة بمنطقة القلعة.

ويقول بعض أصحاب المحلات المحيطة: "يوجد سرداب سري تحت الأرض يصل إلى باب الوزير بمنطقة الدرب الأحمر وكلها مناطق أثرية تحوي تاريخًا وشواهد على الاتجاهات والأفكار الديينة والثقافية والفكرية التي كانت سائدة في تلك العصور".

من المسؤول؟!




لم يكن "خانقاه تنكز بغا" بمنشأة ناصر، هو الأثر الصوفي الإسلامي الوحيد، الذي ضربه الإهمال، وأصبح مقلبًا للقمامة، ومأوى للكلاب والحيوانات الضالة، فأغلب الآثار الإسلامية يضربها الإهمال في مقتل، ولا نجد إجابة شافية عن المسؤول الأول عن تلك الحالة التي آلت إليها الآثار الإسلامية.

فالخانقاه الخاصة بالأمير "تنكز بغا"، تعد أثرًا هامًا من الآثار الإسلامية في مصر، وأحد الآثار الصوفية القليلة والنادرة الباقية بشكلها شبه الكامل التي كانت عليها قبل مئات السنين بوجود القباب الضريحية وخلاوي العبادة وحلقات الدرس وآبار الاستحمام والوضوء وأماكن المبيت، إنه تاريخ يفوق في قيمته وعبقه ماضي دول كثيرة وكبيرة وللأسف الشديد يضربه الإهمال.

مهزلة في حق الحضارة والتاريخ الإسلامي ترتكب بيد الإهمال والتهرب من المسؤولية في غفلة من البعض، لن تكون الأولى أو الأخيرة، فالإهمال يعصف بالآثار الإسلامية في مصر منذ عهد طويل رغم وجود أكبر مرجعية إسلامية سنية في العالم الإسلامي بقلب القاهرة ممثلًا في الأزهر الشريف، ونقابة للسادة الأشراف، فضلًا عن أكبر حركات صوفية في مصر.










اضف تعليق