"القرن الإفريقي".. واجهة قطر وتركيا لتهديد ممرات الملاحة البحرية


١٥ يوليه ٢٠١٨ - ٠٧:١١ م بتوقيت جرينيتش

حسام عيد - محلل اقتصادي

بسياسة الاستثمار ووساطة الفدية امتدت اليد القطرية الخبيثة إلى منطقة القرن الإفريقي الاستراتيجية في القارة السمراء، لما تمثله من أهمية قصوى للأمن العربي والخليجي على الصعيد السياسي والاقتصادي.

وتشهد منطقة القرن الإفريقي هجوما لأجندات مختلفة بينها أجندة تركية تحاول تطويق مصر والتسلل إلى البحر الأحمر مستفيدة من أدوار ثانوية تلعبها الدوحة لخدمة الأجندة التركية أكثر من البحث عن مصالح قطرية، وأيضا في سياق محاولاتها لإرباك استراتيجية السعودية والإمارات في تأمين الممرات المائية وتحرير الملاحة الدولية في البحر الأحمر حفاظا على الأمن القومي الخليجي والعربي ككل.

موانئ القرن الإفريقي واجهة استراتيجية

منطقة القرن الإفريقي الواقعة على مدخل البحر الأحمر الجنوبي تشهد تنافسا اقتصاديا وأمنيا محتدما إقليميًّا ودوليًّا، وتحوَّل البحر الأحمر من بحيرة عربية إلى ساحة دولية مفتوحة لكل راغب في إيجاد موطئ قدم له فيها.

وتعود أسباب المنافسة على هذه المنطقة إلى عدة أسباب أبرزها "القرصنة التي شكَّلت تهديدًا لحركة الملاحة، وكذلك رغبة دول القرن الإفريقي الفقيرة في استثمار موانئها المطلَّة على مضيق باب المندب وخليج عدن، وقد أتاح وجود حكومات هشة، أو غير مستندة لآليات شرعية، الفرصةَ لمن يقدِّم عروضًا أفضل وغياب المنافسة الحقيقية بين الراغبين في الاستثمار.

وبدأت الإمارات وتركيا في الحصول على حق إدارة وانتفاع مجموعة من الموانئ في الصومال التي تعاني فقرا شديدا وصراعات أهلية وعمليات إرهابية، بالإضافة إلى قطر التي حصلت على أكبر ميناء على البحر الأحمر بتمويل قطري في السودان.

يمتلك الصومال أطول ساحل في القارة الإفريقية بطول يُقدَّر بأكثر من ثلاثة آلاف كيلومترات. ويطل أغلبه على المحيط الهندي، بينما تقع سواحله الشمالية على خليج عدن، وسواحله الشرقية على مضيق باب المندب.

فتركيا حصلت عبر شركة البيرق التركية، على حق إدارة ميناء مقديشو بعد أن منحتها الحكومة الصومالية الفيدرالية حق تشغيل الميناء لعشرين عامًا في سبتمبر 2014، على أن تعطي 55% من عائداته السنوية لخزانة الحكومة الصومالية.

أما الإمارات فحصلت عبر شركة موانئ دبي على حق إدارة ميناء بربرة من إدارة حكومة "أرض الصومال أو صوماليلاند" –المعلنة من طرف واحد- في عام 2015 ولمدة 30 عامًا.

وفي إريتريا حصلت الإمارات أيضًا على حق إدارة ميناءي مصوع وعصب، عبر شركة موانئ دبي في عام 2015 لمدة ثلاثين عامًا مقابل أن تحصل إريتريا على 30% من عائدات الميناء الذي سيبدأ تشغيله في 2018.

كما حصلت موانئ دبي عام 2000 على حق إدارة ميناء جيبوتي الذي يقع على مدخل البحر الأحمر الجنوبي.

مخطط قطري تركي لاستهداف موانئ دبي وممرات الملاحة

تشكل مخططات الحضور التركي القطري في منطقة القرن الإفريقي ومحاولة القضاء على الوجود الإماراتي باعتباره الخصم الأكثر تهديدا لمصالحهم ومخططاتهم في السيطرة على ممرات الملاحة البحرية، حيث تسعى قطر وتركيا إلى السيطرة على مناطق الممرات البحرية من الخليج العربي وحتى البحر المتوسط وهو ما بدا واضحا من خلال القاعدة العسكرية التركية في مقديشيو، والتأثير على قرار جيبوتي، بالاستيلاء بطريقة غير قانونية، على محطة حاويات دوراليه، من موانئ دبي العالمية، من خلال استهداف استثمارات الشركة الإماراتية، تنفيذا لمخطط احتكار موانئ منطقة بحر العرب ومضيق باب المندب.

منذ أكثر من 10 سنوات تكالبت القوى الخبيثة متمثلة في تركيا وقطر، حيث الخليفة الإخواني رجب طيب أردوغان وأمير قطر تميم بن حمد آل ثاني، على منطقة القرن الإفريقي وتحديدا دولة الصومال بهدف السيطرة على القواعد الاستراتيجية والمصالح الاقتصادية في المنطقة.

وكانت أبوظبي قد وقّعت مع برلمان جمهورية أرض الصومال، أو صوماليلاند، التي أعلنت انفصالها من جانب واحد عن الصومال عام 1991، اتفاقية لإنشاء قاعدة عسكرية إماراتية في مدينة بربرة على ساحل خليج عدن مقابل توفير الأخيرة التدريب والدعم الأمنيين لها.

وجاء التوقيع على اتفاقية إنشاء القاعدة، التي تبلغ مساحتها 40 كيلومترا مربعا، في آخر أسبوع من شهر سبتمبر 2016، خلال زيارة وفد رفيع المستوى من أرض الصومال إلى الإمارات.

الاتفاق بين الإمارات وأرض الصومال أثار اعتراضات الحكومة الفيدرالية في مقديشيو بقيادة الرئيس محمد عبدالله فرماجو، بسبب قيام أبوظبي بالتوقيع على اتفاق أحادي الجانب مع مقاطعة انفصالية دون الرجوع للحكومة الفيدرالية.

وإلي جانب القاعدة العسكرية، وقعت شركة موانئ دبي العالمية اتفاقًا مع "صوماليلاند" أيضا، تدير بموجبه الشركة ميناء بربرة لمدة 30 عامًا مقابل 442 مليون دولار، قبل أن يتم توقيع اتفاق جديد يسمح بإقامة قاعدة عسكرية في الميناء.

وفي مارس 2018، ألغت وزارة الموانئ والنقل البحري في الصومال اتفاقية الشراكة المبرمة بين شركة موانئ دبي العالمية وجمهورية أرض الصومال (المعلنة من جانب واحد) والحكومة الإثيوبية في تشغيل ميناء بربرة.

كما أن الإغراءات المالية قطرية والوعود باستثمارات ضخمة كانت تقف وراء إقناع جيبوتي بإنهاء عقدها مع موانئ دبي لتشغيل محطة "دوراليه" للحاويات.

وأواخر فبراير 2018، أعلن مكتب الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر جيله، إنهاء عقد بلاده مع موانئ دبي التابعة لمجموعة دبي العالمية، المملوكة لحكومة دبي، لتشغيل محطة "دوراليه" للحاويات.

ومنذ بداية الأزمة القطرية، حاولت الدوحة استمالة العديد من الدول الإفريقية، عبر الإغراءات المالية والاستثمارات، لجعل تلك البلدان تصطف وراء قطر، وتتخذ مواقف مناهضة لدول المقاطعة الأربع "الإمارات والسعودية ومصر والبحرين".

غير أن مساعي "التجنيد" هذه باءت بفشل ذريع، حيث رفضت غالبية دول القارة السمراء الرضوخ لإغراءات نظام الدوحة  والقبول بالاصطفاف خلفها.

والجدير بالذكر أنه في كل  العقود الدولية  التي أبرمتها شركة  موانئ دبي العالمية، كان معروفًا أنها تنفذ استراتيجية وطنية ترتكز على الريادة في تحفيز التجارة العالمية، لجعل الإمارات لاعبًا أساسيًا في المجموعات الاقتصادية الكبرى، ولتأهيل اقتصادها إلى موقع متقدم في صدارة الاقتصادات العالمية الكبرى. لكن قطر التي أعجزها الركض طوال العقدين الماضيين من أجل منافسة دبي في الاستثمار بمختلف القطاعات التجارية والخدماتية، ومنها الموانئ، ما زالت تروّج إعلاميًا لوهم أن الإمارات تحتاج إلى موانئ، وأنها دخلت حرب تحرير اليمن طمعًا في موانئ أو مصالح ضيقة.

وأوردت تقارير صحافية افتتاح المرحلة الأولى من مشروع منطقة التجارة الحرة العالمية التي تقوم ببنائها شركة صينية في يوليو الجاري، اعتبرت موانئ دبي العالمية -المحفز الرائد للتجارة العالمية- هذا المشروع تعديا واضحا على حقوق الإدارة الحصرية، التي تتمتع بها "موانئ دبي" العالمية بموجب اتفاقية الامتياز، مؤكدة على استمرار سريان اتفاقية امتياز "محطة دوراليه" للحاويات. وأشارت إلى أن قيام حكومة جيبوتي بالاستيلاء غير المشروع على المحطة لا يمنح الحق لأي طرف ثالث بانتهاك شروط اتفاقية الامتياز.
 


اضف تعليق