المنفعة الحدية.. نظرية المستهلك "المطحون"!


٢٢ يوليه ٢٠١٨ - ٠١:٢٣ م بتوقيت جرينيتش

حسام عيد - محلل اقتصادي

يبحث المستهلك في مختلف دول العالم، دومًا، عن طريقة يستطيع من خلالها تحقيق أعلى إشباع ممكن لحاجاته من السلع والخدمات بدخله المحدود وبالأسعار السائدة، وهو ما يسمى اقتصاديا بـ"توازن المستهلك".

وهناك نظريتان لتوازن المستهلك هما المنفعة الحدية ومنحنيات السواء. لكن في هذا التقرير سنركز على المنفعة الحدية، ومدى جدواها اقتصاديا للمستهلك في واقع مليء بالأزمات.

نظرية المنفعة The Utility Theory

تعرف المنفعة بأنها قدرة الشيء على إشباع الحاجة، وهي علاقة بين السلعة والحاجة إليها، وتختلف من شخص إلى آخر، بل وتختلف عند الشخص نفسه ولكن من وقت لآخر.

على سبيل المثال، رغيف الخبز يختلف الأشخاص في حاجتهم اليه، بل إن الشخص الواحد تختلف حاجته إليه من حين لآخر.

افتراضات نظرية المنفعة
- المستهلك يتصرف تصرفًا رشيدًا، أي يحاول الحصول على إشباع أكبر قدر من ممكن حاجاته بواسطة دخله المحدود.

- يستطيع المستهلك قياس المنفعة التي يحصل عليها نتيجة استهلاكه لوحدات متعددة من السلعة، أي أن المنفعة قابلة للقياس الكمي بوحدات قياس يطلق عليها اليوتل  Utili.

- منفعة كل سلعة مستقلة عن منفعة السلعة الأخرى.

- المنفعة الكلية التي يحصل عليها المستهلك هي عبارة عن حاصل جمع المنافع التي يحصل عليها المستهلك من السلع المختلفة .

وهناك نوعان للمنفعة:

المنفعة الكلية Total Utility

هي مجموع المنافع التي يحصل عليها المستهلك نتيجة استهلاكه لوحدات متتالية من سلعة ما وفي مدة زمنية معينة.

تتزايد مع تزايد عدد الوحدات المستهلكة من السلعة، حتى تبلغ حدها الأعلى ثم تبدأ بالتناقص.

المنفعة الحدية Marginal Utility

تعرف اقتصاديًا؛ بأنها منفعة الوحدة الأخيرة، بحيث يمتنع الشخص بعدها عن طلب وحدات إضافية جديدة من تلك السلعة، فهي تتزايد أولاً ثم تتناقص بعد حد معين إلى أن تصل إلى الصفر وقد تصبح سالبة.

وبشكل مبسط، كلما كان لدى الشخص الكثير من شيء ما، كلما قلت أهميته بالنسبة له، وبالتالي فإن 100 ريال ستكون أكثر قيمة بالنسبة لشخص يكسب ألف ريال شهرياً، مقارنة مع قيمة نفس المبلغ بالنسبة لشخص يكسب مليون ريال شهرياً.

وسيلة لقياس الفائدة

ابتكر الاقتصاديون العديد من الطرق لقياس الفائدة الحدية، فرغم صعوبة قياسها إلا أنه يمكن ربطها مع نظريات سلوك المستهلكين بشكل غير مباشر التي تفترض أن المستهلكين سوف يسعون جاهدًا إلى تحقيق أقصى قدر من المنفعة.

تم عرض مفهوم المنفعة الحدية من قبل عالم الرياضيات السويسري دانيال برنولي، الذي شرح أن المنفعة الحدية ترتفع مع ارتفاع الثروة لكن بمعدل متناقص، هذا ما يشار إليه بقانون تناقص المنفعة الحدية.

ويمكن القول أن أي شخص يزيد من استهلاك منتج معين مع الحفاظ على استهلاك المنتجات الأخرى ثابتة، يشهد انخفاض في المنفعة الحدية التي يستمدها من استهلاك كل وحدة إضافية لهذا المنتج. فكلما ارتفع دخل الفرد أو ثروته بمعنى أخر كلما شعر بسعادة ورضا أقل.

على سبيل المثال، إذا كان حجم دخل الفرد صفر وكسب 100 دولار أمريكي في الأسبوع هذا المبلغ الذي يكسبه أسبوعيًا يمكن أن يحسن من مستوى معيشته بشكل ملحوظ، لأنه سيمكنه من دفع الضرورات الأساسية للحياة مثل الطعام والشراب والمأوى والتدفئة.

بينما إذا كان يكسب 600 دولار أمريكي في الأسبوع، حينها ستصبح الـ 100 دولار أمريكي الإضافية بلا تأثير كبير عليه لأن المنفعة الناتجة عنها متناقصة. فبدخل قيمته 600 دولار أمريكي الفرد قادر على الحصول على كل ما يحتاجه لعيش حياة سليمة والـ 100 دولار الإضافية لن يحتاجها إلا للكماليات مثل السفر أو شراء ثياب جديدة وغيرها، ومعظم الأفراد الذين يكسبون 600 دولار أمريكي لن يمانعوا المئة دولار الإضافية لأنها ممكن أن تؤمن لهم الرفاهية الإضافية التي هم بحاجة إليها.

أما إذا كان الفرد يكسب 12 ألف دولار أمريكي أسبوعيًا، فمن الصعب ملاحظة المئة دولار الإضافية لأنه بالكاد لديه وقت وإمكانية لإنفاقها. لذلك تصبح المنفعة الحدية لمئة دولار إضافية لهذا المستوى من الدخل محدودة للغاية، وهذا يعني أن هناك علاقة عكسية بين مستوى الدخل والمنفعة الحدية فكلما ارتفع الدخل كلما تراجعت المنفعة الحدية.

المستهلك المطحون

هذا المفهوم الاقتصادي يثير العديد من الأسئلة، في حال تطبيقه على المستهلك في الدول التي تعاني من أزمات متتالية في اقتصادها وتحاول بشتى الطرق سواء كانت تقشفية أو محملة بأعباء وأوجاع تضخمية الخروج منها وتحسين أوضاعها.

مصر تعتبر نموذجًا يجسد عجز نظرية المنفعة في الوصول إلى غاية الإشباع وخلق مستهلك سعيد وراضٍ، حيث أدى القرار الإصلاحي الجريء بتحرير سعر صرف العملة المحلية إلى تآكل القيمة الشرائية للجنيه (الدولار = 17.84 جنيه)، ما يعني أن دخل الفرد المتدني بطابع الحال لن يسعفه في إشباع حاجاته وبلوغ درجة الرضا، فهو بالكاد يتدبر احتياجاته الأولية التي تساعده على البقاء حيًا.

نظريا، منفعة المستهلك الحدية من سلعة ما تتناقص مع ارتفاع الدخل، لكن في النموذج المصري منحنى الدخل ثابت، وقوته الشرائية تكاد تتلاشى في ظل موجات ارتفاع الأسعار المتتالية، ما يعني عمليًا أن الدخل بدأ يأخذ منحنًا تنازليًا، فعلى سبيل المثال أسعار بعض السلع الأساسية زادت بما يقارب 80% منذ تعويم سعر صرف الجنيه في نوفمبر 2016، وبدلًا من أن يبحث المستهلك على كيفية إشباع حاجته منها، أصبح مستهلكًا لوحدات أقل لن تصل به إلى حد الاكتفاء الذاتي أو الإشباع، وعاجزًا عن استهلاك سلع أخرى، ولا مجال لديه للتفكير في سلع ترفيهية.



اضف تعليق