يوسف إدريس.. عندما تحطم الناي الذي يعزف عليه الفقراء


٠١ أغسطس ٢٠١٨ - ١٠:٤٢ ص بتوقيت جرينيتش

برحيل يوسف إدريس تحطم الناي العبقري الذي عزف عليه الفلاحون المصريون وفقراء المدن أشجانهم، الفلاحون الذين ظهروا بتردد للمرة الأولى عند أعتاب توفيق الحكيم في روايته عودة الروح، وفي يوميات نائب في الأرياف، ثم في كتابه عدالة وفن، ثم عادوا إلى الظهور في ضيافة يحيى حقي، وطه حسين، إلى أن فتح لهم يوسف إدريس باب روحه على مصراعيه فدخلوا وجلسوا وأكلوا وشربوا وقالوا ما يشاءون لقلمه وعقله. عندما انتزع الموت صاحب البيت من بينهم، جمع الفلاحون حكاياتهم ومواويلهم وغادروا المكان.. ولم يعد يلوح من الفلاحين بعد ذلك سوى أطياف تهرول بشحوب فوق جسر الأدب الجديد!

هكذا يصف الكاتب أحمد الخميسي، رحيل أمير القصة القصيرة، الذي غادر عالمنا مثل هذا اليوم 1 أغسطس 1991. جذبت قصص يوسف إدريس الأولى الانتباه إلى أن اسمه سيصبح من الأسماء اللامعة في فترة وجيزة وهو ما حدث بالفعل خاصة بعد كتابة قصة "أنشودة الغرباء" والتي نشرت في مجلة "القصة" عام 1950.. عايش إدريس ظهور وتطور التيارات الفكرية والسياسية الوطنية التي انتعشت في مراحل الاستقلال وتأثر بالفكر الماركسي بعد أن قوي بسبب دور الاتحاد السوفيتي بعد الحرب العالمية الثانية والتحولات السياسية والاجتماعية التي شهدها العالم في ذلك الوقت.






ووفقا للنقاد فإن رؤية إدريس الأدبية والفكرية تستند إلى حساسية فائقة وإدراك نافذ لمظاهر الوجود الإنساني وحقائقه، أكثر مما تستند إلى "معرفة" معلوماتية محدودة، ويجمعون علي أن كتابته تتسم بمعرفة عميقة للواقع الاجتماعي المصري وبأسلوب ساخر تشوبه روح الفكاهة معتمداً على استعمال اللغة العامية في أغلب الحوارات.

ويرى النقاد أن عالم يوسف إدريس القصصي يدور في أكثر ما كتب حول ثالوث واضح الملامح هو: الله، الجنس، السلطة… وقد ظهر هذا الثالوث متبلوراً جلياً في مجموعته الذائعة الصيت "بيت من لحم"، ولذا فقد اندفعت موهبته بحزم وعمق فنيين لتجسد هذه القضايا، وتصنع منها جواً مصيرياً يرسم مصير الإنسان، ويسيطر على عالمه.

يؤكد سمير عمر إن فكرة القدر ووجود قوة عليا مهيمنة ، برزت بوضوح في رسم شخصيات ومسار قصصٍ كثيرة عند يوسف إدريس، مثل قصة "قبر السلطان"؛ وقصة "لأن القيامة لا تقوم" ؛ وقصة "أكبر الكبائر"؛ وانتصر يوسف إدريس دائما لمأساة الإنسان المسحوق في مجتمع طبقي ظالم ، عبر مهارة فنية في السرد والحوار وإحكام بناء النسيج القصصي.


اعترف يوسف إدريس في أكثر من حوار، أنه دخل عالم الإبداع القصصي بالمصادفة وأن غريزة الموهبة الفطرية وطموحه دفعاه لتحقيق ما يسمى بـ"مصرية القصة".. وقد أهلته دراسته الطبية وأفقه العلمي وسعة معرفته إلى تشخيص أزمة الركود والجمود التي تعيشها القصة العربية بعامة، خوفاً عليها من الوصول إلى الطريق المسدود.

لكن هذا لم يمنع وجود أزمة فنية وإبداعية تسيطر على حياة يوسف إدريس الأدبية وتغلف أعماله، كما يذكر إسكندر نعمة، حتى إنها بدت شكلاً من أشكال الانهيار الفني والفكري مر به الكاتب الكبير، وذلك في أواخر مرحلة السبعينيات وأوائل الثمانينيات… إذ صمت يوسف إدريس عن الإبداع والعطاء صمتاً طويلاً مريباً. ومن المحزن أن هذا الكاتب المبدع راح خلال أخريات فترة الصمت هذه يحاول محاولات يائسة لينقذ سمعته ويسترد موهبته الذائعة الصيت؛ فقد كتب في أواخر السبعينيات بعض المحاولات القصصية، منها على سبيل المثال قصة "الرجل والنملة"، لا يكاد القارئ يصدق أنها من إبداع يوسف إدريس، حيث جاءت القصة بعيدة عن الإشراق الباهر الذي ضجت به قصصه القصيرة السابقة.

ويعلل إسكندر نعمة ذلك باعتماد الكاتب الراحل الموهبة، والموهبة الطامحة فحسب، فاضطرب عالمه القصصي على الرغم من النجاح الكبير الذي بلغه، والشأن الرفيع الذي ناله، ودليل هذا الاضطراب التداخل في عالم يوسف إدريس القصصي، بين أجناس أدبية مختلفة، لقد صمم يوسف إدريس أن يدخل عالم المسرح، فكانت تجربة المسرح عنده على حساب اهتماماته القصصية لفترة غير قصيرة من الزمن، إلا أن أهم مظاهر أزمة يوسف إدريس القصصية تتضح في ممارسته وبنشاط محموم وعزيمة كاملة كتابة المقالة، خاصة بعد أن كرس ذاته ووقته للصحافة والنشر في الدوريات المصرية، والعمل في جريدة "الأهرام" تحديداً ، وقد انساق يوسف إدريس بقوة جارفة لمعالجة أزمة الحرية والحياة الاقتصادية والاجتماعية عربياً ومحلياً، فكان ارتداده لكتابة المقالة السياسية والاجتماعية أحد جوانب الانجراف لمعالجة هذه الأزمة الحضارية والإنسانية. فتوقف عن كتابة القصة وجرفه تيار المقالة السياسية والاجتماعية، فازدادت الأزمة لديه عمقاً ووضوحاً، الأمر الذي مكّن النقاد من الإمساك بتلابيبها، ذلك أن مقالاته كانت في أكثرها مقالات قصصية، فهي مقالة وليست بالمقالة، وقصة وليست بالقصة.


الكلمات الدلالية يوسف إدريس

اضف تعليق