رفض طهران للحوار مع واشنطن .. خطوة تكتيكية


٠٢ أغسطس ٢٠١٨ - ١١:٣٨ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية - بنده يوسف

بعد أن وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اللقاء مع الإيرانيين بأنه، "سيكون جيدًا لهم، وجيدا لنا، وجيدا للعالم أجمع، خاصة إذا استطعنا أن نفعل شيئا ذا مغزى لا يكون إهدارًا للورق مثل الاتفاق النووي السابق".

وبعد الإغراءات التي أعلنها المتحدث باسم مجلس الأمن القومي الأمريكي، جريت ماركيز، حيث قال إن الولايات المتحدة مستعدة لاتخاذ الإجراءات لإلغاء العقوبات، وإعادة العلاقات الدبلوماسية والتجارية بالكامل والسماح لإيران بتطوير التكنولوجيا، وإعادة دمج الاقتصاد الإيراني بالنظام الدولي الجديد.

نجد أن الردود الإيرانية الأولى بعد دعوة ترامب للحوار جاءت من مسؤولين في الصف الثاني، وتركزت علي السخرية من دعوته، وهو ما يكشف أن النظام الإيراني لم يرفض تمامًا دعوة ترامب للحوار.

موقفان

بالفعل هناك موقفان من دعوة ترامب داخل الجمهورية الإيرانية، موقف مؤيد للدخول في حوار مشروط مع الولايات المتحدة الأمريكية لتجاوز الأزمة التي يمر بها النظام الإيراني، والآخر يرفض الحوار بشكل قاطع معتبرًا أن ذلك انتصارًا للسياسة الأمريكية تجاه الجمهورية الإسلامية.

فقد صرح قائد قوات الحرس الثورة الإسلامية اللواء محمد علي جعفري أن الشعب الإيراني لن يسمح لمسؤوليه بالتفاوض مع الشيطان الأكبر. وقال إن إيران ليست كوريا الشمالية وإن المسؤولين الإيرانيين يعرفون جيدًا هذه السيناريوهات المخادعة، موضحا أنه لا يمكن تهديد الإيرانيين وأن أي تهديد أجنبي يوحد الشعبَ.

نجد جعفري قد تحدث باسم الشعب الإيراني، رغم أنه مسؤول عسكري وليس ممثلًا مباشرًا عن الشعب الإيراني، وهو ما يُظهر أن القرار في إيران يقع بين موقفين، وهو ما يدفع القوى الخارجية للضغط على طهران من أجل الحصول على إستجابة سريعة لمطالبها.

لا شك أن النظام في إيران بطبيعته المنقسمة بين المحافظين والإصلاحيين يعيش حرجًا أمام التفاوض مع الولايات المتحدة الأمريكية، أو الدخول في حوار استراتيجي معها؛ وهو ما دفع بعض نواب في البرلمان إلى الدعوة لإجراء استفتاء شعبي على قضية مصيرية لا تستطيع المؤسسات التابعة للنظام بطبيعته المعارضة للولايات المتحدة أن يبت فيها. وبذلك يكون الأمر موكول للشعب الإيراني ويتماشى مع تصريحات المسئولين المتشددة التي طالبوا فيها الإدارة الأمريكية باحترام الشعب الإيراني.

وحسب تقرير وكالة رويترز، لم يؤد تحرك ترامب لحمل إيران على بدء مفاوضات جديدة حتى الآن إلا إلى توحيد صفوف المحافظين الإيرانيين الذين كانوا يعارضون الاتفاق النووي والمعتدلين، مثل روحاني، الذين قادوا المفاوضات من أجل إنهاء المواجهة مع الغرب التي أضرت بشدة باقتصاد إيران.

حوار مشروط

دعت واشنطن فقط على لسان "ترامب" إلى حوار غير مشروط؛ وهدف بذلك إلى حصر الإيرانيين في دائرة ضيقة، فمن جانب هو يتنازل ظاهريًا عن شروطه المسبقة ولكنه يمارس الضغوط، ومن جانب آخر يحرم الإيرانيين من فرض شروطهم، وهو ما لا تريده طهران.

فالمسؤولون على الأقل على مستوى حكومة روحاني تريد فرض شروط تكسبها الثقة في إدارة ترامب، وتعزز من مكانتها أمام معسكر المحافظين الذي ينتقد الموافقة على الإتفاق النووي منذ البداية.

فكتب وزير الخارجية الإيراني، جواد ظريف، في تغريدة مساء أمس الثلاثاء: "إن الجمهورية الاسلامية في إيران والولايات المتحدة اجرتا محادثات لسنتين. وتوصلنا مع الاتحاد الأوروبي/الدول الثلاث الكبرى في الاتحاد (روسيا والصين إلى اتفاق فريد متعدد الأطراف معروف بالاتفاق النووي) وهذا الاتفاق كان مؤثرًا ولا يمكن للولايات المتحدة أن تلوم إلا نفسها لانسحابها منه ومغادرتها الطاولة".

وقال المتحدث باسم الخارجية، قاسمي، "إن للحوار شروطًا وأدبيات، وهو ما لم نلمسه في سلوك ترمب وإدارته مشدداً أن المنطق الإيراني يدعم حواراً يتبنى الاحترام المتبادل والالتزام بالتعهدات".

وقال كمال خرازي رئيس المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية في إيران إن طهران لا ترى أي قيمة لعرض الرئيس الأمريكي المقدم بعد أسبوع واحد من تحذيره إيران من عواقب وخيمة لم يشهد مثلها سوى قلة على مر التاريخ إذا ما هددت واشنطن مرة أخرى.

وهو ما يكشف أن الحكومة الإيرانية بقيادة روحاني تشترط عودة واشنطن أولًا إلى الإتفاق النووي؛ حتى تضمن عدم توقيع العقوبات، وتضمن الثقة في الإدارة الأمريكية، بما يمنحها دعمًا شعبيًا وموقفًا قويًا أمام المحافظين للتفاوض مع الولايات المتحدة الأمريكية.

وكذلك، يؤيد النظام الإيراني بقيادة "خامنئي"، مثل هذه المحادثات، ولكن يضع الحكومة في الواجهة لتتحمل تبعاته، فالمجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية، أسسه المرشد الأعلىة خامنئي، للمساعدة في صياغة السياسات الطويلة الأمد للجمهورية الإسلامية، والتصريحات التي حملها كمال خرازي رئيس هذا المجلس، تكشف عن رغبة النظام في الحصول على ضمانات تكسبه الثقة في الجانب الأمريكي.

لسنا كوريا الشمالية

دائمًا ما يكرر المسؤولون في إيران، عبارة "لسنا كوريا الشمالية"، معبرين عن ذلك رفضهم للضغوط الأمريكية التي أدت في النهاية إلى قبول كوريا الشمالية الدخول في حوار مع الولايات المتحدة الأمريكية.

لكن في الحقيقة، تمارس إيران نفس أفعال كوريا الشمالية؛ حيث تحاول أن تثبت من جانبها أن لديها القدرة على التصدي للضغوط الأمريكية، وهو ما فعلتها كوريا باستعراض مناوراتها العسكرية وتجاربها الصاروخية، وكذلك فعلته طهران بتحريك مليشياتها في منطقة الخليج بتهديد الملاحة وتجارة النفط هناك.

وقد كشفت وكالة رويترز، أن مسؤولين أمريكيين يعتقدون أن إيران تعد لمناورات كبرى في الخليج في الأيام القادمة لتقدم موعد تدريبات سنوية على ما يبدو وسط تصاعد التوتر مع واشنطن.

فقد أكدت القيادة المركزية الأمريكية أنها رصدت زيادة في الأنشطة الإيرانية بما في ذلك في مضيق هرمز الاستراتيجي لشحنات النفط الذي هدد الحرس الثوري الإيراني بإغلاقه.

وتفيد معلومات وردت للوكالة، أن الحرس الثوري الإيراني يجهز على ما يبدو أكثر من 100 سفينة للتدريبات، وربما يشارك مئات من أفراد القوات البرية.

وقال مسؤولون أمريكيون إن توقيت المناورات يهدف على ما يبدو إلى توصيل رسالة إلى واشنطن التي تكثف الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية على طهران لكنها حتى الآن لم تصل إلى حد الاستعانة بالجيش الأمريكي للتصدي لإيران ووكلائها.

والواضح، أن مثل هذه المناورات ستكون تدريبات طبيعية ومتكررة تقوم بها إيران كل فترة، لكنها في هذا التوقيت تحمل رسالة استعراض عضلات من جانب إيران.

وهذا الاستعراض، لا يعني رفض طهران للحوار مع واشنطن، وإنما كل ردود أفعال إيران حتى الآن تاتي في إطار خطوات تكتيكية تحاول بها إدارة الحوار من موقع قد تكرر خلال محادثتها السابقة مع إدارة أوباما، وهو مبدأ "خطوة تقابلها خطوة".


اضف تعليق