أمير الأطباء الذي مات مسمومًا وعلاقته بـ"السوبر نوفا"


٠٧ أغسطس ٢٠١٨ - ٠٦:٠٥ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية

عندما نُفكر في القرون الوسطى لا نتذكر إلَّا أنها عصر ظلام، ولكننا ننسى أنه في حين كان الغرب يعيش في عصور الظلام، ويعاني العديد من المشاكل والصراعات الفكرية والاجتماعية، لم يكن العالم الإسلامي كذلك.

ابن سينا أحد هؤلاء الأعلام الذين أضاؤوا العالم الإسلامي في العصور الوسطى، الفيلسوف المسلم ارتقى ليصبح من بين المفكرين الذين يحظون باحترام العالم حتى يومنا هذا، فهو عالم وطبيب وفيلسوف، ساهم بشكل كبير في نهضة العلوم في بلاده، وألف ما يزيد عن 230  كتابًا في مواضيع شتى.

ولد الشيخ -كما لقبوه- في بخارى بأوزبكستان واشتهر بإسهاماته الكبيرة في الطب والفلسفة والفلك، وكان طفلًا بارعًا حاد الذكاء وسريع التحصيل صاحب ذاكرة قوية وقدرة على التعلم أدهشت من حوله.

في الـ13 من عمره بدأ بدراسة الطب حتى اتقنه وقبل الـ16 بدأ في علاج المرضى وتتلمذ على اليد الكثير من علماء المسلمين العظماء.

تمكن ابن سينا من علاج السلطان البخاري من مرض غامض حتى فتحت أمامه بعد ذلك المكتبة الملكية ليستغلها كما يحلو له، ولما بلغ ابن سينا الـ21 بدأ في تأليف الكتب، وكان متجنبًا للسياسة والانخراط فيها منعًا لتورطه في أي مشاكل.

بعد وفاة والده انقلبت حياته رأسًا على عقب، حيث فقد الداعم والسند وبدأ بالتجول والتنقل بين المدن المختلفة، حيث كان يعمل طبيبًا ومعلمًا، يجمع الطلاب حوله ليناقشوا المسائل الفلسفية والعلمية.

وعلى الرغم من فوضوية حياته وعدم استقراره وتنقلاته حرص ابن سينا على مواصلة تقديم حلقاته الدراسية.

كتب ابن سينا أحد أكثر الكتب شهرة في تاريخ الطب وهو " القانون في الطب"، ويعتبر كتاب "الشفاء" موسوعة علمية تغطي جميع المجالات العلوم الطبيعية وعلم النفس والفلك والهندسة والموسيقى والرياضيات والمنطق.

كان الشيخ غزير الإنتاج ألف نحو 450 كتابًا نجا منها 240 فقط مقسمة على المجالات المختلفة، وحاز كل من الفلسفة والطب على الجانب الأكبر من اهتمامه ومؤلفاته.

قام ابن سينا بتقسيم الرياضيات إلى أربعة فروع، الهندسة، وعلم الفلك، والحساب، والموسيقى، ثم قسم كلا من هذه المواضيع وقسَّم علم الفلك إلى الجداول الفلكية والجغرافية والتقويم، وقسَّم الحساب إلى الجبر وعمليات الجمع والطرح، وصنف الموسيقى اعتمادًا على اختلاف الآلات الموسيقية.

ومن إنجازاته المثيرة رصده لمرور كوكب الزهرة عبر دائرة قرص الشمس بالعين المجردة في (10 جمادى الآخرة 423 هــ=24 من مايو 1032 م)، وهو ما أقرَّه الفلكي الإنجليزي "جير مياروكس" في القرن السابع عشر.

ابن سينا والسوبر نوفا؟!


المُسْتَعِرُ الأعظم (Supernova سوبر نوفا) هو حدث فلكي يحدث خلال المراحل التطورية الأخيرة لحياة نجم ضخم، حيث يحدث انفجار نجمي هائل يقذف فيهِ النجم بغلافهِ في الفضاء عند نهاية عمره، ويؤدي ذلك إلى تكون سحابة كروية حول النجم، وبراقة للغاية (شديدة البريق) من البلازما، وسرعان ما تنتشر طاقة الانفجار في الفضاء وتتحول إلى أجسام غير مرئية في غضون أسابيع أو أشهر، أما مركز النجم فينهار على نفسه نحو المركز مكوناً إما قزما أبيض أو يتحول إلى نجم نيوتروني .

تمكن ابن سينا من وصف "السوبر نوفا"، ودوّن ملاحظات بشأنه أبهرت علماء الغرب بعد مقارنتها بما توصلوا إليه في الوقت الراهن، حصل هذا مع SN 1006 وهو مُستعر أعظم -سوبر نوفا- انفجرَ منذ أكثر من 1000 سنة مضت.

وفي ظل غياب الوثائق التي بإمكانها مُساعدة علماء الفلك اليوم من أجل دراسة هذا المُستعر الأعظم الذي لمعَ في السماء بقدرِ لمعان كوكب الزهرة عام 1006، قام باحثون ألمان بقيادة رالف نوهاوزر (Ralph Neuh�user) بالنظر في مدونات ابن سينا ليجدوا ما يسرهم.

دوًن ابن سينا في كتاب "الشفاء" توضيحات عن ملاحظات الفلكيين للمستعر الأعظم الذي انفجر آنذاك، والنص الموجود في كتاب الشيخ يصف شيئا لامعاً يبرزُ في السماء لمدة تقارب الثلاثة أشهر.

إن المعلومات الذي ذكرها ابن سينا حول ألوان الظاهرة ستساعدُ الباحثين اليوم في عملية تصنيف المُستعر الأعظم، حيثُ يُعتقد اليوم أنه ينتمي لصنف La، حيثُ يتحول نجم في نظام ثنائي (نظام يحتوي على نجمين يدوران حول بعضهما) إلى قزم أبيض، ويقوم بعد ذلك بامتصاص المادة من رفيقه، النجم الثاني في النظام قبل انفجاره.

مات مسمومًا


أصيب ابن سينا بآلام في البطن في إحدى الحملات العسكرية عام 1037، وحاول علاج نفسه بحبوب الكرفس الذي تمكن من صنعه، لكن أحد مساعديه قام بتخريب الوصفة ومضاعفة نسبه المادة الفعالة في الدواء مما أصابه بقرحة المعدة.

لم يفقد الشيخ الأمل وظل يحاول جاهدًا أن يصنع دواءً يمكنه من مقاومه مرضه إلا انه تعرض لمحاولة تسميم أخرى نجحت في القضاء عليه خلال سفره إلى همدان وتوفي مسمومًا على يد أحد مساعديه.

هبطت إليك من المحل الأرفع        ورقاء ذات تعزز وتمنع.
محجوبة عن كل مقلة عارف         وهي التي سفرت ولم تتبرقع.
وصلت على كره إليك، وربما        كرهت فراقك، وهي ذات تفجع.
أنفت وما أنست، فلما واصلت        ألفت مجاورة الخراب البلقع.


وهكذا أسلم النفس إلى بارئها، تلك النفس التي اجتهد في تفصيلها ودراستها وتقسيمها ووصفها شعرًا ونثرًا.



اضف تعليق