الأدب الروسي.. صوت الغضب والثورة ومعلم الأجيال


١٢ أغسطس ٢٠١٨ - ٠٣:٤٣ م بتوقيت جرينيتش

أماني ربيع

كانت قراءاتي الأولى في الأدب الروسي، كلما امتلأ جيبي بالنقود أذهب إلى بائع عجوز للكتب القديمة، كنت أميل للكتب القديمة بصفحاتها الصفراء التي تشعرني أن لها تاريخا وفيها سحرًا، يومًا ما جذبني كتاب غلافه أزرق، قرأت الاسم على الغلاف المهترئ "نيكولاي جوجول"، وبعدها كرت المسبحة مع مكسيم جوركي وتولستوي وبالطبع، ديستوفسكي وتشيكوف.

بمرور الوقت تنوعت قراءاتي أكثر، وابتعدت عن الأدب الروسي لأقرأ أنواعا من الأدب أكثر معاصرة، حتى أعادني كتاب "تاريخ الأدب الروسي" إليه مجددا، الكتاب من إعداد جامعة كامبريدج يقدم مسحا شاملا يرصد من خلاله تاريخ الأدب الروسي خلال 1000 عام، وهنا تذكرت عبارة قالها لي الأديب بهاء طاهر: "ينقصنا في تلك المرحلة من تاريخ مصر الأديب المفكر"، ووجدت أن روسيا كانت سخية في إخراج هذا النوع من الأدباء وبخاصة في القرن التاسع عشر.

وعندما نتأمل في طبيعة الأدب الروسي، نجد أنه لم يكن مجرد كلمات رصت لنقتبسها في حوار نتباهى فيه بثقافتنا، أو مجرد أسلوب جمالي مزخرف دون عمق، بل كان منبرا لمناقشة قضايا المجتمع الروسي السياسية والأخلاقية، فكان المواطنون ينتظرون أعمال أدباءهم ليروا أنفسهم من بعيد، وكأن شخوص الرواية تؤدي أدوارهم على خشبة مسرح ورقي.

وساهم الشعراء والأدباء في القرن التاسع عشر مثل بوشكين، جوجول وتورجنيف، وتولتسوي وديستوفسكي وتشيكوف وغيرهم، في تشكيل الشخصية الروسية ووعيها بذاتها، وكان الأدباء يتخذون جانب الشعب دائما بتناول موضوعات تناقش النضال السياسي والفكري، وساهم أيضا في الارتقاء بالوعي المجتمعي وتشكيل الوعي الثوري، ورؤية المواطن الروسي للعالم.

ويمتاز الأدب الروسي بكونه أدبا إنسانيا مضمونه الحياة الإنسانية، وحبكته في العادة يمكن أن تحدث في أي مكان، فشخوص أية رواية نقرأها يمكن بسهولة أن نجدها حولنا، مهما اختلفت مجتمعاتنا، وتباينت ثقافتنا.

وكان الأدب الروسي أيضا معلما ومربيا لأجيال من المواطنين الروس، وارتقى بالشعب الروسي فكريا بل ساهم في توطيد مكانة روسيا كدولة كان الغرب ينظر إليها دوما باعتبارها "دولة الأجلاف" والجهلة، لكنه - الأدب الروسي- أصبح عينا جديدة أمينة على المجتمع الروسي بكل تفاعلاته، فتحولت النظرة العدائية من رفض واحتقار إلى فضول وتعاطف ثم انبهار، ليصبح الأدب الروسي في القرن التاسع عشر واحدا من أهم ثلاثة اتجاهات أدبية في العالم، اكتشف على إثره العالم الفكر والوعي الروسي، واعترفوا به بل وأطلق عليه موسوعة الحياة الروسية، لدوره التنويري الذي يعبر عن الأفكار وينقلها، بحيث أصبحت للأفكار قوة وحرية في الانطلاق، بعد قرون من الحكم المطلق وتقييد الحريات، فكان صوتا للغضب والثورة.

وأصبح الأدباء بمرور الوقت، ضميرا للمجتمع، ومصدرا للأفكار، فتحوا الطريق أمام الثقافة الروسية التي كانت في عزلة وتراجع قبل القرن التاسع عشر لتخرج من حالة المراهقة الفكرية إلى النضج.

وفيما يلي نبذة عن مجموعة من كبار الأدباء الروس الذين أثروا المكتبة العالمية بأعمال خالدة..

نيكولاي جوجول


"هذا العالم حافلٌ بالحماقات"

من "معطف" جوجول خرجت كل الروايات الواقعية التي ظهرت في روسيا من بعده، هكذا يرى النقاد أدب جوجول وتأثيره، ليس في روسيا وحدها بل العالم، كان الطابع الساخر الذي يخلو من مرارة في قصة "المعطف" هو الملمح المميز لكتاباته التي عبر بها عن واقع المجتمع الروسي في تلك الفترة.

ولد نيكولاي فاسيليفتش جوجول في الأول من أبريل من العام 1809، في بولتافا بريف أوكرانيا، كان والده يكتب أيضا، وألف عدة مسرحيات مستوحاة من التراث الأوكراني.

ظهرت موهبة جوجول في مرحلة مبكرة وهو بعمر الثانية عشرة، كان قد التحق بالمدرسة العليا في نيجين، وبدأ بنشر أشعاره في مجلة المدرسة، وفي عام 1834، عُين أستاذاً جامعياً لأدب العصور الوسطى في جامعة سانت بطرسبرج، لكنه لم يستمر بها طويلا، وفي العام التالي بدأ في نشر أولى مجموعاته القصصية.

وتعتبر مسرحية "المفتش العام" التى كتبها في عمره الخامس والعشرين، واحدة من أهم أعماله التي تنتمي إلى المسرح الاجتماعي الانتقادي، سخر فيها من النظام البيوقراطي الفاسد في عهد القيصر نيكولا الأول ما تسبب في منعها من العرض واضطر إلى الهروب من روسيا ليحط رحاله في روما.

تنوعت أعماله بين روايات وقصص ومسرحيات، وتوفي في 21 فبراير عام 1852.

فيودور ميخايلوفيتش دوستويفسكي


"بكوا في أول الأمر ثم ألفوا وتعودوا، إن الإنسان يعتاد كل شيء. يا له من حقير"

أحد أشهر أدباء روسيا وأكثرهم تأثيرا على مستوى العالم، ورغم أعماله التي تتميز بالنظرة الفلسفية العميقة، إلا أن له حضورا قويا جدا بين القراء الشباب، وُلد في 11 من نوفمبر من العام 1821؛ في مدينة موسكو، كان والده طبيبا عسكريا، صعب الطّباع، وكان مصاباً بالصرع الذي ورّثه لابنه فيودور فيما بعد.

وأعجب فيودور الصغير بأعمال الكاتب الإنجليزي تشارلز ديكنز، وانبهر بالطموحات المثالية للكاتب الألماني شيلر.

ورغم دراسته للهندسة إلى أنه اتجه إلى الأدب ولم يعمل بدراسته، وتعرف بالناقد الروسي فيساريون بلنسكي الذي كان يتزعم كوكبة من الأدباء الشباب الذين عُرفوا باسم أدباء الاتجاه الواقعي أو "المدرسة الطبيعية".

كانت أعماله مصدرا لإلهام الكثير من الأدباء الذين جاءوا بعده، تميزت بفهم عميق للنفس البشرية، ولم يكتف برصد وعرض ظروف مجتمعه، بل امتدت رؤيته إلى تفسير وتشريح الحالة السياسية، والاجتماعية، والروحية لروسيا.

من أشهر أعماله، "الإخوة كارامازوف، مذلون مهانون، المساكين، الشياطين، الأبله، ذكريات من منزل الموتى، المقامر"، وتوفي عام 1881.

ليو تولستوي


"الحياة الروحية تُعاش، لا تُلقن، وكسب الحياة يكون بخدمة الناس، لا يإعتزالهم، وفهم الكتاب المقدس هو بحرية العقل، ونقاء القلب، لا بالترديد الأعمى"

يعتبره البعض الأديب الأفضل على الإطلاق، وهو ليس مجرد أديب فحسب، بل هو مفكرا أخلاقيا، ومصلحا اجتماعيا، وفيلسوفا اعتنق فكرة المقاومة السلمية النابذة للعنف.

وُلد يوم 9 من سبتمبر من العام 1828، بمقاطعة تولا جنوب موسكو، لعائلة روسية نبيلة، ووالدته الأميرة ماريا فولكونسكي من سلالة روريك أول حاكم ورد اسمه في التاريخ الروسي.

درس في جامعة كازان قسم اللغات الشرقية "العربية والتركية"، كان يريد أن يُصبح دبلوماسيا في المنطقة العربية، ويتعرف أكثر على الأدب الشرقي، لكنه رسب في امتحان السنة الأولى، واتجه لدراسة القانون، ثم ترك الدراسة نهائيا عام 1847.

أثرت أعماله على الأدب العالمي، من أهمها "الحرب والسلام" التي تصف بدقة الحوادث السياسية، والعسكرية في أوروبا بين فترتي "1805- 1820"، وغزو نابليون لروسيا عام 1812.

ولا ننسى رائعته "آنا كارنينا"، تلك الرواية الاجتماعية التي هزت المجتمع الروسي بنقدها اللاذع للنظام الاجتماعي المبني على التفرقة بين الرجل والمرأة والنفاق والتنكر للآخرين، ناقش فيها العديد من القضايا الأخلاقية والاجتماعية من خلال شخصية "آنا" ومآساتها الغرامية.

وكان لكتابه "مملكة الرب بداخلك" تأثيرا كبيرا امتد صداه إلى القرن العشرين، وظهر هذا جليا في التاريخ عبر شخصيتين شهيرتين هما المهاتما غاندي في الهند، ومارتن لوثر كينج في أمريكا، وعبر في الكتاب عن فلسفته الخاصة بالمقاومة السلمية النابذة للعنف.

بمرور الوقت هرب من بيته ومن حياة الترف التي عاشها، وأصبح معارضا للكنيسة الأرثوذكسية التي رأى أنها لا تتعاطف من الفقراء والضعفاء، وتقف مع القيصر، وأوصى قبل موته بأن لا يُدفن وفقا لطقوسها، توفي يوم 20 نوفمبر عام 1910، عن 82 عاما، في قرية استابو، ودُفن في حديقة "ياسنايا بوليانا".

أنطون بافلوفيتش تشيكوف



"الشمس لا تشرق في اليوم مرتين، والحياة لا تُعطي مرتين، فلتتشبث بقوة ببقايا حياتك ولتنقذها".

هو عراب أدب القصة القصيرة في العالم، وُلد في 29 من يناير من العام 1860؛ في مدينة تاجانروج، كان والده بافل تشيكوف ابنا لأحد العبيد السابقين ومدير لبقالة في البلدة، بينما والدته روائية وصفت بأسلوبها الممتاز في قص قصص الأطفال الترفيهية.

كان يكتب يوميا مقالات قصيرة من الحياة الروسية المعاصرة تحت أسماء مستعارة، تخرج من كلية الطب عام 1884 واعتبرها مهنته الرئيسية التي كان يعالج من خلالها الفقراء مجانا.

اختصرت أعماله العديدة في 4 مجلدات هي "الأعمال القصصية، الروايات القصيرة، الروايات، المسرح".




أصيب م بمرض السل، وسافر مع زوجته أولجا كنيبر إلى مدينة الحمامات الألمانية في الغابات السوداء؛ وكتب هناك عدة رسائل مرحة لشقيقته مارشا، ووالدته، وفي عام 1908 كتبت زوجته عن لحظاته الأخيرة: 

"قام أنطون بشكل غير اعتيادي ومستقيم، وقال بصوت عال وبوضوح وبلغة ألمانية – بالرغم من أنه لم يكن يتقنها –أنا على شرفة الموت، فقام الطبيب المعالج له بتهدئته، وحقنه بمادة الكافور، وأمر بإحضار الشامبانيا له.

شرب أنطون كاساً كاملاً، ثم ابتسم لي و قال: "لقد مضى زمن طويل منذ أن شربت الشامبانيا”، وبعدما شربه جلس على جانبه الأيسر بهدوء، وكان لدي الوقت لأذهب إليه، وأستلقي بقربه، وناديته، لكنه توقف عن التنفس، كان ينام في سلام وكأنه طفل."

بعد ذلك نُقل جثمانه إلى موسكو، ودُفن في مقبرة نوفوديفيتشي بجوار والده.
   


اضف تعليق