أن تخدع الموت.. تجميد الأجساد من أجل حياة أبدية


١٤ أغسطس ٢٠١٨ - ٠٩:٠٣ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية - مها عطاف

نعلم جميعًا أن الموت هو الحقيقة الوحيدة في تلك الحياة، واليقين الذي لا شك فيه، فبالتأكيد سيمر عليك شعور مخيف، وألم لا يزول، عندما تفقد عزيزًا عليك إلى الأبد ولن تراه مجددًا، والشعور الأكثر رعبًا، هو أنك ستكون يومًا ما فقيدًا لأحد أعزائك، لذلك تظل فكرة الموت مخيفة للجميع، فالبعض يتمنى أن يعيش أطول قدر ممكن من السنوات، حبًا في الحياة، وشغفًا بالمستقبل المجهول، وفي الآونة الأخيرة أصبحت فكرة البعث بعد الموت أقرب للواقع، حيث شغلت تلك الفكرة عقول الإنسانية منذ آلاف القرون، عن طريق تجميد الأجساد والأدمغة، ويرى البعض أن مكوث جسدك في حاوية من النيتروجين السائل، لعله يعود مرة أخرى إلى الحياة، أفضل من أن تلتهمه الديدان أو النيران.




"آنا باجينهولم" تعود للحياة بعد موتها

في عام 1999 تعرضت طبيبة الأشعة السويدية "آنا باجينهولم" إلى حادثة مروعة، وذلك أثناء قيامها بعملية التزلج مع اثنين من أصدقائها خارج منطقة نارفيك النرويجية، حيث فقدت الطبيبة سيطرتها فانحدرت إلى منطقة تحوي شلالات متجمدة، وهنا كانت الكارثة، وعلق الجزء العلوي من جسدها تحت الجليد وأصبح محاصراً بتلك الطبقات الجليدية التي بلغ عمقها 20 سم، وخلال 40 دقيقة من محاولة أصدقائها الحصول على المساعدة، انخفضت درجة حرارة جسد الطبيبة إلى 13.7 درجة مئوية، وتوقف قلبها ودورتها الدموية، وبعدها تم نقلها إلى مستشفى "ترومسو"، وتم تكوين فريق يحتوي على أكثر من 100 طبيب وممرضة لتتلقى المصابة العناية الفائقة، حيث قام الأطباء بتغيير درجة حرارة دمها وإعادته إلى جسدها مرة أخرى، وبعد مرور 24 ساعة على تلك الحادثة تمكنت آنّا من العودة إلى الحياة مرة أخرى، وخلال شهرين أصبح جسدها معافى وعادت لإكمال مسيرتها المهنية في تلك المستشفى.




مع ألكور.. جثتك في الحفظ والصون

من أكثر المؤسسات جدلًا في العالم، هي مؤسسة "ألكور" الأمريكية، والأولى بين أربع مؤسسات عالمية، تهتم بتجميد الموتى على أمل إعادتهم للحياة مرة أخرى، أنشأها الزوجان "فريد وليندا تشامبرلن" عام 1972، وكانت فكرتهم هي حفظ جثث الموتى في مجمدات ضخمة درجة حرارتها 160 تحت الصفر لسنوات طويلة، إلى أن يكتشف العلم طريقة لعودتهم للحياة مرة أخرى، وفي عام 2016 كان هناك ما يقرب من 1400 جثة داخل تلك المؤسسة، منهم علماء وأطباء وفنانين وجثة المؤسس نفسه، وأكثر من 149 مريضًا، تم تخزين أجسادهم في المؤسسة، ويدفع أولئك الأعضاء في ألكور رسوم عضوية تقدر بـ770 دولارا سنويا لكل عضو، وعندما يحين الوقت فعلا لحفظ جثة شخص منهم، فإن تكاليف ذلك تتراوح ما بين 80 ألف دولار لحفظ الدماغ فقط، و200 ألف دولار لحفظ الجسد كاملا.




أن تخدع الموت

هناك قسم خاص في شركة ألكور، يهتم بمتابعة العملاء الذين يعانون تدهورا في صحتهم، وعندما يبدو أن وقت الوفاة قد حان فإنها ترسل ما تطلق عليه اسم "فريق الاستعداد" بهدف بدء المهمة، ويبقى الفريق إلى جانب سرير المريض إلى أن يتوفى.

وعند إعلان وفاة المريض رسميا، يمكن لعملية الحفظ أن تبدأ، ينقل المريض أولا من سرير المستشفى إلى سرير من الجليد، ويغطى بالثلج الممزوج بالماء، ثم يستخدم فريق ألكور جهازا لإنعاش القلب والرئتين لجعل الدم يتدفق في الجثة مجددا، ثم يستخدم الفريق 16 نوعا مختلفا من الأدوية التي من شأنها الحفاظ على الخلايا من التلف بعد الموت، وبعد الانتهاء من تلك المرحلة، ينقل الفريق الجثة إلى مكان آخر لإجراء الجراحة.

وتتضمن الخطوة التالية تصفية جثة الميت من أكبر قدر ممكن من الدم والسوائل، واستبدال ذلك بمحلول يمنع تكون كتل ثلجية داخل الجسم، وبما أن الجثة ستتجمد، فإن معظم العمل التحضيري ينصب على تلك الخطوة لضمان عدم تشكل العديد من كتل الثلج داخل خلايا الجثة.




وعندما تمتلئ الشرايين بذلك المحلول، يمكن لفريق شركة ألكور البدء في عملية التبريد بمعدل درجة مئوية واحدة كل ساعة، حتى تصل درجة حرارة الجثة في النهاية إلى 196 درجة تحت الصفر بعد حوالي أسبوعين، وفي نهاية المطاف، توضع الجثة في مثواها الأخير إلى جانب ثلاث جثث أخرى في أغلب الأحيان، وبشأن الفترة التي يتعين علينا انتظارها حتى يمكن للعلم أن يتدخل لإنقاذ عملاء الشركة بعد وفاتهم، ممكن أن تتراوح ما بين 50 و100 عام.

ويشهد علم تجدد الأنسجة تقدما مستمرا، إلا أن أحدا من العلماء لا يعرف متى سيكون بمقدوره إحياء الجثث، أو إن كان ذلك ممكنا بالفعل في وقت ما في المستقبل.




إعادة إحياء الحيوانات

وفي تجربة أجرتها مؤسسة ألكور لعملية التجميد على الحيوانات، وبالفعل نجحت نجاحاً كلياً في واحدة، وجزئياً في الأخرى، حيث جمّدت كلبًا حيًا لمدة 16 ساعة، حتى وقف قلبه وأعضاؤه بعدها قررت المؤسسة إنهاء التجربة وإعادته إلى الحياة، وبالفعل عاد الكلب إلى الحياة مرة ثانية دون أن ينسى صاحبه، أما التجربة الثانية فكانت على فأر حيث جمد لساعتين فقط وبعدها أعيد للحياة بشكل طبيعي، لكنه لم يعش سوى ٢٤ ساعةً فقط من عودته، لهذا أسمته نجاحاً جزئياً.

ومثل هذه التجارب لا يمكن أن تجرى على الإنسان، لأن قوانين الولايات المتحدة الأمريكية تمنع القيام بمثل تلك التجارب الخطيرة، وتعدها انتحارًا رسميًا، أو مساعدة في الانتحار، وهذا أمر يعاقب عليه القانون حتى لو كان بموافقة الشخص نفسه، لهذا لم تنفذ تجارب التجميد على أي انسان حيّ.


اضف تعليق