مع تواصل انهيار الليرة.. اقتصاد تركيا يتأهب للانكماش


٣٠ أغسطس ٢٠١٨ - ٠٦:٢٣ م بتوقيت جرينيتش

حسام عيد - محلل اقتصادي

تدهور جديد تتعرض له الليرة التركية مقابل الدولار الأمريكي في ظل تصاعد الخلاف بين أنقرة وواشنطن، وسط ابتعاد المستثمرين عن الأسواق الصاعدة، ومخاوف بشأن السياسات الاقتصادية للرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

وتستمر المخاوف بشأن أداء الاقتصاد التركي بعد تهديدات أمريكية بفرض عقوبات عليها في حال عدم الإفراج عن القس أندرو برونسون الذي يواجه اتهامات بالإرهاب هناك.

انهيار جديد لـ الليرة

عمقت الليرة التركية خسائرها أمام الدولار الأمريكي بنسبة 4.11% خلال تعاملات، اليوم الخميس الموافق 30 أغسطس الجاري، لترتفع العملة الأمريكية إلى مستوى 6.7347 ليرة.

واستهلت العملة التركية تعاملات الأسبوع الجاري عند مستوى 6.01 ليرة لكل دولار، ما يجعل خسائرها حتى الآن تتجاوز 10%. وفقدت العملة التركية 40% من قيمتها مقابل الدولار الأمريكي منذ مطلع 2018. 

ونقلت وكالة "رويترز" عن مصادر قولهم إن نائب محافظ البنك المركزي التركي سوف يتنحى عن منصبه، في خطوة تهدد بمزيد من القلق حيال وضع واستقلالية المركزي.

وامتنع البنك المركزي التركي في اجتماعه السابق عن رفع معدل الفائدة رغم التسارع الملحوظ لمعدل التضخم في البلاد وتراجع قيمة العملة، وسط مخاوف من تأثير الرئيس "رجب طيب أردوغان" على السياسة النقدية للبلاد.

الاقتصاد التركي متأزم

لا تكمن أزمة انهيار الليرة في العقوبات الأمريكية، ولكنها تكمن في الاقتصاد التركي نفسه، بحسب رأي الكثير من الاقتصاديين، فتركيا تعتبر من أفضل الدول على مؤشرات ومعدلات النمو، ففي العام الماضي كانت تضاهي الصين والهند في معدلات النمو بمستويات تجاوز الـ 7%.

ولكن معدلات النمو التركية تعتمد بشكل رئيسي على الاستدانة الخارجية، ما يعني أن تركيا تنفق وتستورد أكثر بكثير مما تنتج، ومن ثم أصبح عندها عجز.

وفي الوقت الذي كانت فيه مستويات أسعار الفائدة منخفضة، قام القطاع البنكي والقطاع الخاص، والشركات التابعة للقطاع العام، بالاقتراض بالدولار واليورو، الأمر الذي فاقم مديونيات هذه المؤسسات التركية اليوم إلى مستويات ضخمة، وليس لديها أصول تغطي مدفوعات استحقاقات تلك الديون.

وعلى خلقية أزمة الليرة تحدث تقرير لمصرف "جيه بي مورغان" عن ديون كبيرة يتوجب على تركيا سدادها في الفترة القادمة، ويأتي ذلك في وقت استبعد فيه وزير المالية وجود خطر كبير على اقتصاد بلاده.

وقدر بنك "جيه بي مورغان" حجم الدين الخارجي الذي سيستحق خلال الأشهر الـ12 القادمة، بنحو 179 مليار دولار، أي ما يعادل نحو ربع الناتج الاقتصادي للبلاد، وهو ما اعتبره مؤشرا على احتمال حدوث انكماش حاد في الاقتصاد التركي.

ومعظم الدين، نحو 146 مليار دولار، مستحق على القطاع الخاص، وخاصة البنوك.

وقال "جيه بي مورغان"، إن الحكومة بحاجة إلى سداد 4.3 مليار دولار فقط أو تمديد المبلغ بينما يشكل الباقي مستحقات على كيانات تابعة للقطاع العام.

مؤشر الثقة عند أدنى مستوياته

تراجعت الثقة في الاقتصاد التركي لأدنى مستوى في نحو عقد من الزمان خلال الشهر الجاري، ما يشكل مزيداً من الضغوط على العملة المحلية للبلاد.

وكشفت بيانات صادرة عن معهد الإحصاءات التركي، أن مؤشر الثقة في الاقتصاد سجل 83.9 نقطة خلال أغسطس الجاري مقابل 92.2 نقطة المسجلة خلال يوليو الماضي.

وتسجل الثقة في الاقتصاد التركي والتي تراجعت بنحو 9% على أساس شهري عند هذه القراءة أدنى مستوى منذ مارس 2009. يدل المؤشر على نظرة اقتصادية متفائلة عندما يتجاوز الـ 100 نقطة ومتشائمة عندما يكون دونها.

خفض التصنيف الائتماني

قالت مجلة إيكونوميست الاقتصادية إنه حتى اللحظة لم تقم الحكومة التركية إلا بتقديم مساعدة محددوة للنظام المصرفي والميل لحلفاء يعانون من عقوبات أمريكية أو يفتقدون للمصداقية وهو ما يضعف فرص أنقرة في التغلب على الأزمة في الوقت الراهن.

المسار الاقتصادي الذي تسلكه أنقرة دفع وكالة التصنيف الائتماني موديز إلى خفض التصنيف الائتماني لـ 14 بنكًا وشركتان ماليتين في تركيا بدرجة واحدة في حين شهدت 4 بنوك أخرى تخفيض بمقدار نقطتين وهما؛ دينيز بنك وأوديا بنك وبنك العمل التركي وبنك التنمية الصناعي التركي.

وقالت وكالة التصنيف إن هذا الاعتماد يجعل النظام المصرفي حساساً بشكل خاص للتحولات المحتملة في ثقة المستثمرين، حيث يجب إعادة تمويل هذه الالتزامات بالعملات الأجنبية بشكل مستمر.

وبحسب "موديز"، فإنه يجب إعادة تمويل نحو 77 مليار دولار من السندات بالعملة الأجنبية والقروض المشتركة على مدى العام المقبل وهو ما يمثل 41% من إجمالي تمويل السوق.

توقعات الانكماش تتزايد في 2019

حتى العام الماضي، كان الاقتصاد التركي واحدًا من أسرع الاقتصادات نموًا في العالم، لكن بعد تراجعات الليرة الأخيرة فإنه بات قاب قوسين أو أدنى من الدخول في مرحلة انكماش طويلة.

تراجع الليرة يعني ارتفاع تكاليف الاقتراض، بمعنى أن الشركة التي اقترضت مليون دولار عندما كانت العملة الأمريكية تعادل 5 ليرات قد حصلت على 5 ملايين ليرة، أما الآن وعند بلوغ الدولار مستويات 7 ليرات فهي محتاجة لدفع 7 ملايين ليرة لسداد أصل الدين فقط، وبالنسبة للشركات فإن ذلك سيعني تراجع الأرباح والاستثمار وقد ينتهي الأمر بإفلاس هذه الشركات.

كما أن هذا لن يقتصر على الشركات فقط، فالحكومة هي الأخرى ستجد نفسها مضطرة  لدفع مبالغ أكبر لسداد ديونها، وفي الوقت نفسه ستحتاج لتوفير فوائد أعلى على أية عملية اقتراض جديدة، مما قد يدفعها إلى تقليص الإنفاق الحكومي لتغطية هذه المصاريف.

ولهذه الأسباب تشير توقعات مؤسسة ستاندرد آند بورز إلى أن الاستثمار في تركيا سيتحول من نمو بنحو 7.3 % في 2017 إلى انكماش بنحو 6% في 2019.

لكن هذا ليس كل ما في الأمر، فتراجع الليرة يعني ارتفاع أسعار الواردات من سلع ووقود ومواد أولية الأمر الذي سيؤدي إلى ارتفاع التضخم الذي تقدره الأرقام الرسمية عند 16% والأرقام غير الرسمية عند 78%.

وبكلمة أخرى، فإن مجموعة السلع التي كانت تشترى بنحو 100 ليرة تركية أصبحت تكلف الآن 116 ليرة مما يعني تآكل القوى الشرائية للأسر وتراجع معدلات الطلب والاستهلاك.

ومن هذه الأسباب، سيعني هبوط كل من الاستثمار والإنفاق الحكومي والاستهلاك، دخول الاقتصاد التركي دائرة الانكماش، وهو ما يتفق مع توقعات ستاندرد آند بورز التي تحدثت عن احتمال انكماش هذا الاقتصاد بنحو 0.5% في 2019.


اضف تعليق