عاصفة اقتصادية وشيكة.. هل تقاوم لبنان السقوط؟!


٠٢ سبتمبر ٢٠١٨ - ٠٦:٠٢ م بتوقيت جرينيتش

حسام عيد - محلل اقتصادي

يعاني لبنان من أزمة اقتصادية انعكست آثارها في سلسلة من الاضطرابات التي تسببت في زيادة الضغوط على المواطنين.

ونبهت تقارير صحافية غربية من انهيار الاقتصاد اللبناني، ومن مخاطر كبيرة محدقة بالليرة، في حال مزيد من التأخير في تشكيل الحكومة.

وكانت معظم الدول المانحة التي قدمت قروضا للبنان اشترطت على اللبنانيين سلسلة من الإصلاحات ومحاربة الفساد، إلا أن أية ضمانات لم تقدم بعد للمضي قدما بالمشاريع الاستثمارية.

أزمة اقتصادية في الأفق

في تقرير بعنوان "كان اقتصاد لبنان بطيئاً منذ فترة طويلة. الآن تلوح أزمة  في الأفق، لكن ساسة البلد مشغولون بالمساومة على المناصب الوزارية"، كشفت مجلة "ذا إيكونوميست" البريطانية، أن الاقتصاد اللبناني الذي يعتمد على ثلاثة أعمدة أساسية لتحقيق النمو وهي السياحة والعقار والقطاع المالي، يواجه وضعا داخليًا صعبًا وتحديات مقلقة مثل أزمة اللاجئين الذين تدفقوا إلى البلاد والانقسامات الطائفية التي تؤثر بشكل مباشر على الاستقرار.

وأضاف التقرير أن لبنان بلد السياحة يعاني من اضطرابات اقتصادية خانقة في ظل تكتم الحكومة حول مقترحات أو حلول للأزمة الاقتصادية، ويتجه نحو ركود عقاري، وربما أزمة مصرفية تهدد عملته.

قطاع السياحة دون المأمول

تظهر الأرقام أن عدد من زاروا البلاد خلال العام الماضي، كانوا الأكثر في السنوات الخمس الماضية، ومع ذلك، يظل السياح الذين زاروا لبنان في 2017 دون الرقم الذي كانت البلاد قد  في 2010، أي قبل بداية احتجاجات شعبية واضطرابات بعدد من الدول العربية.

وفي شهر واحد فقط خلال العام الماضي، هبطت نسبة شغل الفنادق في البلاد بنسبة 17%.

كساد هو الأسوأ منذ 40 عامًا

يكمن التحدي الاقتصادي الأبرز في لبنان اليوم في الحدّ من حلقة النمو البطيء، لا سيما في أعقاب نمو سنوي في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بمتوسط قدره 1.8% خلال السنوات السبع الأخيرة.

ويستدل من التقارير الصادرة عن بعض المؤسسات المالية الدولية وفي مقدّمها ​البنك الدولي​ و​صندوق النقد الدولي​ أن الاقتصاد اللبناني سيبقى يعاني خلال هذا العام من تداعيات التوترات الجيوسياسية التي لاتزال تشكل عبئاً على ​النشاط الاقتصادي.

وبحسب البنك الدولي أثّرت الأزمة السورية المستمرة منذ العام 2011، سلباً في كافة قطاعات الاقتصاد اللبناني، إذ لم يتجاوز النمو 2.5% منذ العام 2012، مقارنة بنحو 8% عامي 2009 و2010.

وسجل الاقتصاد اللبناني نمواً نسبته 1.8% في 2016، و1.3% في 2015. وقدَّرَ صندوق النقد الدولي النموّ الإقتصادي الحقيقي في لبنان بـ 1.2% خلال العام 2017، متوقِّعاً أن تصل هذه النسبة إلى 1.5% في العام 2018 و 1.8% في 2109. ووفقاً لتقريره المعنوَن "آفاق الإقتصاد الإقليمي – أيّار 2018"، فإن هذه الأرقام الضعيفة تعود نسبيّاً بشكلٍ رئيسيٍ إلى استمرار تداعيات التجاذبات السياسيّة والأمنيّة الإقليميّة على مستويات الثقة في البلاد وعلى القطاع العقاري، وحركة السياحة، والنشاط الاستثماري والتجاري لديها.

ومنذ بداية عام 2018 يشهد لبنان تباطؤا كبيرا في الحركة التجارية كان من أسبابها ارتفاع سعر الفائدة وشكوك بشأن العملة في وقت تسود فيه حالة من التشاحن بين السياسيين بشأن تشكيل حكومة جديدة.

وفي السابق شهد لبنان فترة من النمو الاقتصادي خاصة بعد الحرب الأهلية التي استمرت 15 عامًا كما كان الحال في أوج ازدهاره في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي.

أيضا أثر غياب الحكومة الجديدة على ملف الإصلاحات المالية وذلك لوضع ديون لبنان تحت السيطرة أو الإفراج عن مليارات الدولارات من الاستثمارات الأجنبية المتعهد بها في البنية التحتية لتنشيط الاقتصاد.

وبحسب "ذا إيكونوميست"، يشكو أصحاب متاجر الأجهزة الإلكترونية في منطقة الحمرا -المركز التجاري في بيروت الغربية- كسادا غير مألوف هو الأسوأ منذ 40 عامًا، حتى أن عدد منهم لجأ إلى تسريح العمال أو خفض رواتبهم حتى تقوى المحلات على الاستمرار.

ركود عقاري

وعلى الرغم من كثرة مشاريع البناء في العاصمة اللبنانية بيروت حيث يتجاوز سعر الشقة الواحدة مليون دولار في بعض الأحيان، فإن قطاع العقار يشهد تراجعًا ملحوظًا وهو ما ينذر بتفاقم أزمة البطالة على اعتبار أن هذا القطاع يؤمن واحدة من أصل كل عشرة وظائف بالبلاد.

وتكشف البيانات أن عدد تراخيص البناء في بيروت تراجعت بنسبة 8% خلال النصف الأول من العام الجاري مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية، أما الصفقات العقارية فانخفضت بنسبة 17% خلال الربع الأول من 2018 مقارنة بالفصل نفسه من 2017.

ويخشى مطورون عقاريون في لبنان أن تتفاقم الأزمة على نحو أكبر من  السنوات الماضية، نظرا للتغييرات التي طرأت على سياسة القروض في البلاد.

فبعدما كان البنك المركزي اللبناني يدعم هذه القروض لسنوات طويلة، توقف هذا الامتياز في مارس الماضي، وبالتالي، لم تعد ثمة إمكانية لأخذ قروض طويلة الأمد يمكن سدادها في 30 عاما وبنسبة فائدة لا تتجاوز 3%.

وكانت المؤسسة العامة للإسكان اللبنانية منحت منذ عام 1999 ولغاية اليوم 82 ألف قرض، وفي السنوات الأخيرة ارتفع عدد الطلبات من ألفي طلب سنويا إلى 5 آلاف طلب.

تفاقم الديون

وتظهر ​إحصاءات​ وزارة المالية اللبنانية أن إجمالي الدين العام في لبنان قد ازداد بنسبة 6.2% خلال العام 2017 ليصل الى 79.53 مليار دولار مقارنة بـ 74.90 مليار دولار في نهاية العام 2016، أي زيادة قياسية وخطيرة بنحو 5 مليارات دولار.

ويتوقع أن يلامس حجم نمو ​الدين العام الـ90-92 مليار دولار خلال هذا العام، مما يعني أن لبنان سيبقى يعاني من ارتفاع الدين بالنسبة إلى ​الناتج المحلي​. تصل نسبة المديونية إلى 150% من الناتج المحلي اليوم وهي ثالث أعلى نسبة في العالم، مع نسبة في العجز المالي العام تناهز 8% من الناتج المحلي الإجمالي وهي بين العشر الأول في العالم، وفقا لصندوق النقد الدولي.

وبالتالي فمن المرجح أن يصل الدين العام إلى 110 مليارات دولار في الخمس سنوات المقبلة إذا استمرت وتيرة نمو العجز على حالها وستصبح كلفة الدين العام وهي ما يدفعها الشعب اللبناني في الـ 8 سنوات المقبلة نحو 8 مليارات دولار.

ومقارنة بحجم الإقتصاد الذي من المرجح أن يكون 60 مليار دولار في 2020 فإن الدين العام سيشكل نحو 185% من حجم هذا الاقتصاد في حال تسجيل معدلات نمو لهذا الاقتصاد بنسب 1 و2 %، وهذا سيعني أن دفع الديون سيلتهم نسبة تقارب 60% من ميزانية لبنان، وعندئذ لن يظل هامش كبير لإنفاق الدولة في باقي المناحي.


سواء تأخر تشكيل الحكومة لأسباب داخلية وخارجية يبقى أن اللبنانيين هم من يدفعون الثمن الاقتصادي لهذا التأخير.


اضف تعليق