اغتيال موريس أودان.. جريمة فرنسية وماكرون يطلب الصفح


١٧ سبتمبر ٢٠١٨ - ١٠:١٢ ص بتوقيت جرينيتش

كتبت – ولاء عدلان

بعد أكثر من نصف قرن على جريمة حدثت تحت جنح ظلام الاستعمار الفرنسي للجزائر، اعترف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكورن بأن بلاده أسست لنظام استخدم أساليب تعذيب شتى إبان الخمسينيات من القرن الماضي، وبأن أيقونة الثورة الجزائرية موريس أودان، مات تحت وطأة التعذيب من قبل الجيش الفرنسي.

التفاتة تاريخية للرئيس الفرنسي ربما هدفها هو طي صفحة حرب الجزائر وفتح صفحة جديدة مع جيل من الفرنسيين ذوي الأصول الجزائرية، يقول الباحث الجزائري قادر عبدالرحيم -لصحيفة "ليكسبراس"- اعتراف ماكرون بممارسة فرنسا للتعذيب في الجزائر في هذا التوقيت مهم جدا من الناحية السياسية ويحمل رمزية تاريخية، فهو من جهة يؤكد رغبة الرئيس في التصالح والتسامح مع كل ما يتعلق بهذه الحقبة التاريخية، ومن جهة آخرى الرئيس ماكرون وصل إلى نقطة تحول مهمة في فترة رئاسته، ويأمل في نيل أصوات الفرنسيين من أصول جزائرية وهي أصوات تمثل الملايين في الانتخابات المقبلة من أجل الفوز بعهدة رئاسية ثانية.


موريس أودان ولد عام 1932 في تونس، ودرس الرياضيات بجامعة الجزائر، وعرف بنضاله في الحزب الشيوعي ضد الاستعمار الفرنسي، وفي 11 يونيو عام 1957 قامت أجهزة الجيش الفرنسي باعتقاله، وفي 24 من الشهر نفسه أعلنت باريس فرار أودان أثناء نقله لاستجوابه، وعلى مدار نصف قرن ظلت رواية الجيش الفرنسي هي الرد الوحيد على تساؤلات أرملته جوزيت أودان وكل المطالبين بكشف مصيره هو والمئات الذين اختفوا بشكل قصري إبان حرب الجزائر.

إلى أن حمل كتاب بعنوان "الحقيقة فيما يخص موت موريس أودان" عام 2014 رواية آخرى يبدو أنها الأصدق، إذ جاءت ضمن اعترافات قائد المخابرات الفرنسية بالجزائر بول أسواريس، لمؤلف الكتاب جون شارل دينيو، يشرح فيها أنه تلقى أوامر بقتل أودان بواسطة سكين ومن ثم دفنه في قبر جماعي بضواحي العاصمة الجزائرية.

اعتراف الدولة الفرنسية بمسؤوليتها في هذه الجريمة تطلب 61 عاما، هكذا علق نجل أودان بيار موريس على اعتراف ماكرون قائلا: إنها بداية مرحلة جديدة، الأهم هو أن الرئيس الفرنسي اعترف بأن التعذيب كان سلاحا سياسيا يهدف إلى ترعيب السكان، وقرر فتح الأرشيف حول كافة المختطفين وليس فقط والدي، يجب من الآن فصاعدا قول الحقيقة وتسليم الوثائق التي ستسمح لوالدي وكذا آلاف الآخرين بمعرفة ما جرى بالتدقيق. موريس 


الدولة الجزائرية من جانبها رحبت بالمبادرة الماكرونية، وقال وزير المجاهدين الطيب زيتوني الخميس الماضي: هذه خطوة إيجابية يجب تثمينها، وعلى البلدين معالجة ملف الذاكرة "بحكمة".

قضايا الذاكرة بين فرنسا والجزائر تعد من الملفات الحساسة في البلدين، لذا يرى العديد من المراقبين في اعتراف ماكرون كسرا للمحظورات ، فلم يسبق أن اعترفت فرنسا بأن قواتها استخدمت التعذيب بصورة ممنهجة خلال حروبها، إذن ماكرون يذهب أبعد من أسلافه، وقد لا يكون راضيا على الاعتراف بالمسؤولية عن اغتيال أودان، لكنه يريد تأكيد رفضه لحقبة الاستعمار ولاستخدام التعذيب أغراض سياسية.

وسبق لماكرون أن أعلن خلال زيارته إلى الجزائر العام الماضي، أن الاستعمار جريمة ضد الإنسانية، وبربرية حقيقية، وبات معروفا بالتطرق للمسائل التاريخية.. المؤرخة سيلفي تينول اعتبرت في تصريحات لـ"لوموند"، أن هذا الاعتراف مباردة تاريخية، تأتي بعد ستين عاما من النضال المستمر للجزائريين، لإثبات ممارسات التعذيب التي طالت أبناء شعبهم إبان الحرب.

ويقول المؤرخ بنيامين ستورا، لـ"واشنطن بوست"، الأمر سيسمح لنا بتحقيق تقدم وبالخروج من خانة النكران، إذ سيكون من الصعب بالنسبة لخلفاء ماكرون التراجع عن هذا الاعتراف التاريخي.

في خطوة تاريخية طلب ماكرون الصفح من أرملة موريس أودان في عقر دارها، مع وعد بفتح الأرشيف المتعلق بقضايا الاختفاء القسري للمدنيين والعسكريين الفرنسيين والجزائريين على حد سواء.. فهل تكفي هذه المبادرة لطي صفحات الذاكرة المؤلمة بين البلدين أم أن ما كتب بالدماء لا تمحوه صكوك الغفران؟



اضف تعليق