الأحواز "العربية".. إقليم شاهد على جرائم إيران


٢٣ سبتمبر ٢٠١٨ - ٠٦:٢٠ م بتوقيت جرينيتش

كتب - حسام عيد

قتلى وجرحى في هجوم مسلح استهدف عرضا عسكريا في مدينة الأحواز الإيرانية، لقطات مصورة انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي أظهرت حالة الهلع التي أعقبت وقوع الهجوم فيما ذكرت وسائل إعلام إيرانية بمقتل 29 جندياً من عناصر الحرس الثوري، فضلا عن إصابة نحو 60 آخرين.

الهجوم تزامن مع تنظيم عدد من العروض العسكرية في المدن الإيرانية الكبرى، لاسيما العاصمة طهران وهي عروض يحضرها كبار المسئولين وعلى رأسهم الرئيس حسن روحاني.

وقال المتحدث باسم حركة النضال العربي لتحرير الأحواز، يعقوب حر التستري، إن منظمة المقاومة الوطنية الأحوازية، التي تضم عددا من الفصائل المسلحة، وتنضوي حركته تحت لوائها هي المسؤولة عن الهجوم.

وشهدت مدينة الأحواز التي يسكنها أقلية عربية الكثير من التظاهرات ضد ممارسات النظام الإيراني؛ إذ يعاني العرب من تهميش منظم وأوضاع اقتصادية متردية.

93 عام من الاحتلال

لقد كانت دولة الأحواز العربية حاضرة عبر تاريخ العرب منذ القدم، وذكرت في كتاباتهم القديمة في العديد من المواقف والأحداث الهامة عبر التاريخ، وتعتبر دولة الأحواز ذات أهمية استراتيجية في وقوعها على طول الخليج العربي وامتدادها الإقليمي لحدود الهند وإيران والعراق إضافة إلى أنها تقع على بحر من الثروات الطبيعية كالنفط والغاز، والأهم من ذلك أنها تحتوي على أراض زراعية خصبة.

هذا التميز الذي تتمتع به دولة الأحواز العربية جعلها على مر التاريخ مطمعا للغزاة والمحتلين، ففي العشرين من أبريل عام 1925، وقعت مكيدة تاريخية عظيمة، خطّطت لها بريطانيا الاستعمارية، وتواطأت على تنفيذها مع بلاد فارس التي أُطلِقَ عليها منذ ذلك التاريخ اسم: إيران، وكان من نتائج هذه المكيدة التاريخية: احتلال قطرٍ عربيٍّ أصيلٍ ينتمي إلى الوطن العربيّ، هو: الأحواز (أي: الأرض المملوكة ذات الحدود المعلومة)، وهو الاسم الذي بقي قيد التداول حتى عهد إسماعيل الصفويّ (عام 1501)، إذ أطلق الفرسُ على الأحواز منذ ذلك الوقت اسم: عربستان (أي: بلاد العرب). وقد أطلق عليه الإيرانيون كذلك اسم: خوزستان (أي بلاد القلاع والحصون)، نسبةً إلى ما بناه العرب المسلمون في هذا الإقليم من قلاعٍ وحصونٍ بعد معركة القادسية.

نهب الثروات

يتمتع إقليم الأحواز "عربستان" بأهمية اقتصادية كبيرة، حيث يشكل النفط الأحوازي ما نسبته 87% من إجمالي النفط الإيراني المصدّر، كما يشكل الغاز الطبيعي في الإقليم 100 في المائة من الغاز الذي تملكه إيران.

وتصب في الإقليم ثمانية أنهار، وهو ما جعل 65% من الأراضي الصالحة للزراعة في إيران، متركزة في تلك المنطقة.

وجعل تواجد هذه الأنهار في "الأحواز" من المنطقة المركز الأهم لإنشاء المفاعلات النووية، في إيران، وأشهرها مفاعل "بوشهر".

كذلك يقع أكثر من نصف الساحل الإيراني على الخليج العربي في محافظة الأحواز، مما يمنحها امتيازات اقتصادية وتجارية وجيوسياسية كبيرة.

ودأبت الأنظمة الإيرانية المتعاقبة على جعل الأحوازيين يعانون من التمييز في فرص العمل والرتب الوظيفية، ومنعتهم من العمل في المنشآت النفطية في مناطقهم.

وتسعى طهران باستغلال سلاح الضغط الاقتصادي على سكان الإقليم إلى تهجير الأحوازيين من مناطقهم من أجل تغيير ديموغرافيتها، وهو مخطط فضحته وثيقة رسمية تسربت من مكتب الرئاسة في عام 2005، وكشفت عن توطين ممنهج لعرقيات في الأحواز أبرزها الفرس واللور والبختيار.

ممارسات عنصرية وتعسفية

أعاد الهجوم تسليط الضوء على الاضطهاد الذي يتعرض له العرب في إيران، منذ إقدام الشاه محمد رضا بهلوي على احتلال دولة عربستان أو ما يعرفُ بـ"إمارة المحمرة" سنة 1925، وصولا إلى تصاعد قمعهم مع وصول نظام الملالي إلى السلطة عام 1979.

وكانت إيران قد استغلت تبعات الحرب العالمية الأولى وما أدت إليه من تغيرات، فتجاهلت المعاهدات التي كانت تربط بريطانيا بعربستان، وعندئذ قامت طهران بضم هذه الأراضي واعتقلت أميرها الشيخ خزعل بن مرداو الكعبي ثم قتلته في وقت لاحق.

وعقب إخضاع المنطقة للأمر الواقع، تم تقسيم الإمارة، التي يطلق عليها الناشطون العرب حاليا الأحواز، إلى ثلاث محافظات تقع في جنوب إيران وعلى الساحل الشرقي للخليج العربي.

وبات التقسيم الإداري للمنطقة التي كانت تشكل إمارة عربية، يشمل محافظة خوزستان، ومركزها مدينة تحمل أيضا اسم الأحواز (الأهواز وفق النطق الفارسي)، فضلا عن محافظتي هرمزكان وبوشهر.

وتشير تقديرات صادرة عن مراكز الدراسات الأحوازية إلى أن العرب يشكلون 10% من إجمالي سكان البلاد، الذين يصل تعدادهم إلى 75 مليونًا ويعتنقون المذهبين السني والشيعي.

وإذا كانت بعض الدول تحرص على إدماج من أُلحقُوا حديثا بأراضيها فإن إيران اختارت نهجا متشددا يقوم على الإنكار وإلغاء الخصوصية الثقافية للمنطقة العربية، فضلا عن التعامل معها بمثابة هاجس يتوجب التخلص منه.

وفي هذا الإطار، هدم رضا بهلوي المعالم العمرانية العربية والمدارس، وقسم المنطقة وألحق بعض أراضيها بمحافظات إيلام وفارس وأصفهان، لكن هذه المساعي الدؤوبة لمنع تعلم اللغة العربية وحظر الزي العربي لم تؤت ثمارها، إذ ازداد تشبث الأحواز بهويتهم الأم.

ولم تقتصر إيران في هذا الاضطهاد على مذهب ديني دون الآخر، إذ تورطت حكومة طهران في ممارسات فظيعة ضد الجميع، فحتى السنة الذين تشيعوا لم ينالوا رضا السلطات التي ظلت تنظر إليهم بكثير من الارتياب.

16 انتفاضة وثورة شعبية

أمام هذه الممارسات القمعية من قبل النظام الإيراني، انفجرت أكثر من 16 انتفاضة وثورة شعبية ضد النظام في الأحواز، لعل أبرزها ثورة "جنود الأمير خزعل" عام 1925 التي انتهت بقتل المئات من القيادات، والحراك الذي انطلق عام 2005 بعد تسريب وثيقة من مكتب الرئيس الإيراني، محمد خاتمي، تنص على تهجير نصف سكان المناطق العربية واستبدالهم بالفرس بغية تغيير ديمغرافية المنطقة، في خطوة تؤكد أن معاناة العرب استمرت في ظل النظام الإيراني الجديد الذي استلم زمام الحكم بعد ثورة الخميني.

وفي السياق ذاته، شهد الإقليم ولادة عدة أحزاب وحركات وطنية بهدف الاستقلال، كان أولها حزب سياسي منظم عام 1946 عرف باسم حزب السعادة، وبعده تشكلت منظمات ثورية وسياسية أخذت على عاتقها المقاومة ضد إيران.

ومن أبرز تلك الحركات التي ظهرت أيضاً "الجبهة الشعبية لتحرير الأحواز" التي تأسست في عام 1971، ونفذت أكثر من مئة عملية عسكرية ضد الدولة الإيرانية.

وشارك الإقليم بقوة أيضاً خلال الاحتجاجات التي اندلعت في إيران مطلع العام الجاري، حيث قتل من أبنائه نحو 59 شخصاً وفق مراصد حقوقية أحوازية.

وتعتبر "حركة النضال العربي لتحرير الأحواز" التي تبنت هجوم العرض العسكري يوم 22 من الشهر الجاري، من أقوى المنظمات المناهضة للنظام الإيراني في الأحواز، وتأسست عام 1999 من قبل مجموعة من عرب الأحواز المقيمين في أوروبا.

وتهدف الحركة إلى إنشاء دولة عربية في الأحواز، وبدأت نشاطها المسلح ضد إيران في يونيو من عام 2005، وتتهم إيران بأنها تقوم بعمليات تهجير قسري لسكان الأحواز العرب، كما صنفتها إيران "جماعة إرهابية".

ونفذت الحركة العديد من العمليات العسكرية كان أبرزها في نوفمبر عام 2013، حيث فجرت منشآت نفطية في مدينة "الخلفية" جنوب شرق الأحواز.

والعام الماضي قامت الحركة بتفجير خطي أنابيب نفط في جنوب إيران، وأعلن حينها رئيس الحركة أحمد مولى مسؤوليته عن الهجوم رداً على "التطاولات الإيرانية في سوريا والعراق واليمن".
 



اضف تعليق