الصين تحيي ذكرى "كونفوشيوس".. مَن أوقد شمعة ليُضيء الظلام


٢٩ سبتمبر ٢٠١٨ - ١١:١٧ ص بتوقيت جرينيتش

"ليست العظمة في ألا تسقط أبداً، العظمة أن تنهض كلما سقطت"، تحتفل الصين بمرور أكثر من ألفين وخمسمئة عام على ميلاد فيلسوفها الأشهر "كونفوشيوس" و الملقب بـ"كونك المعلم".

في مدينة "تشوفو" مسقط رأس كونفوشيوس احتشد مسؤولون حكوميون وطلاب وباحثون ومحبون من كافة أرجاء الصين لإحياء ذكرى 2569 عامًا على ميلاده حيث شارك ممثلون من معاهد "كونفوشيوس" في 10 دول في حفل بمعبد "نانتسونغ"، أحد معابد عائلة كونفوشيوس الذي يعد رمزًا للثقافة التقليدية في الصين.

أكثر من 1400 مواطن احتشدوا ليلقوا مقتطفات من تعاليم كونفوشيوس الإنسانية التي تشمل مجموعة من الأفكار والأقوال الكلاسيكية الحكيمة وقدموا العروض الراقصة بالمعبد.

وعلى الرغم من تراجع تعاليمه التي شكلت أساسًا للحكم والتشريع الأخلاقي والتراتبية الأبوية المقدسة في كل من الصين واليابان وكوريا وفيتنام إلا أن الصين أبت أن يمحى تراث أحد أكبر المؤثرين في حضارتها لا سيما بعد أن اجتهد الزعيم الشيوعي "ماو تسي تونغ" في نسف تعاليمها ومحوها كونها رمزت للثورة المضادة.

وفي محاولة لإعادة إحياء تراث "كونفوشيوس" أعادت السلطات الصينية طباعة تعاليمه وقوانينه وتوزيعها على أوسع نطاق، وأسست عددًا كبيرًا من الأكاديميات التي تهدف إلى إنعاش فلسفته بما يتوافق مع التطور الذي شهده المجتمع الصيني.

لقد امتاز الفكر الصيني في العموم بنزعته الأخلاقية واتجاهه إلى تقويم السلوك الإنساني وهدف العقل الصيني أن يُخرج هذه القيم من إطارها النظري إلى حيز التطبيق الإنساني.

تعتبر الكونفوشيوسة من أعظم النزعات الفلسفية عند الصينيين وتنسب لمؤسسها " كونج ـ فو ـ دزه أو" كونج المعلم" كما كان تلاميذ كونج ـ تشيو يسمونه في عام 551 ق.م ، في مدينة تشو"، وموقع هذه المدينة الآن هو موقع مقاطعة شاتونج الحالية.

التصقت بشخصية الرجل حكايات كثير وأساطير، الأمر الذي عرقل المعرفة الدقيقة بشخصية الرجل وإنجازاته حيث أضفت عليه الروايات هالة من التقديس إلى درجة أنهم نسبوا إليه ما أنتجه الفكر الصيني في جميع عصوره.

ويُروى أنه لما مات أقاموا له الهياكل وعبدوه على سنتهم في عبادة أرواح الأسلاف الصالحين وأوشكوا أن يعبدوه، وكانت هياكله بمثابة مدارس يؤمها الناس لسماع الدروس كما يؤمونها لأداء الصلاة ولم تزل عبادته قائمة إلى أوائل القرن العشرين، فخصوه في سنة 1906 بمراسم الإله الأكبر (شانج تي) إله السماء لأنه في عرفهم (ند السماء) ومن لم يؤمن اليوم بربوبيته من الصينيين المتعلمين فله في نفسه توقير يقرب من التأليه، وقد جعلوا يوم ميلاده عيدا قوميًا يحجون فيه إلى مسقط رأسه.



اعتمد "المعلم" -في نشر مبادئه- على المثل العليا والتقاليد الصينية، فدأب ليعيد الروح للمثل المبنية على ضبط سلوك الأنا وتربيتها على مبدأي "جن" وهو "محبة الآخرين"، ومبدأ "لي" الذي يصف مجموعة من الأخلاق والطقوس والتقاليد واللباقة فمن خلال تطبيق القاعدة الذهبية "تمنى للآخر ما تتمناه لنفسك" يمكن للمرء أن يصبح مثاليًا.

اعتبر كونفوشيوس، أنه أحد مؤسسي الديانات، بيد أنه لم يتحدث مطلقًا عن "إله" واقتصر في تعاليمه على الحياة والسلوك الاجتماعي والسياسي، وأقام مذهبه على "الحب" حب الناس وحسن ورقة معاملتهم والتواضع في التعليم والتعامل والخطاب والنظافة في القلب واللسان والاحترام المتبادل والولاء للعائلة والآباء والأجداد وتعظيم واحترام الصغير للكبير واحترام الزوجة لزوجها يقول "من يتكلّم دون تواضع سيجد صعوبةً في جعل كلماته مسموعة".

وبالرغم من دعواه لتقديس الكبير وولي الأمر واحترامه إلا أنه كره الطغيان والاستبداد يقول: "لا فقر في ظلّ الحكومة الفاضلة، ولا غنىً في ظل الحكومة السيئة" .

رأى كونفوشيوس، أن مشكلات الشعب بأكملها تنبع من السلطة الحاكمة التي تمارس بغير مبدأ "أخلاقي" ولمجرد تحقيق مصلحة الحاكم ورفاهيته فكانت دعوته الحكيمة إلى الإصلاح الاجتماعي الذي تدار فيه الأوطان بمقتضى مصلحة الشعب وليس الحاكم.

وعلى الحاكم بدوره أن يتمتع بأكبر قدر من الاستقامة والتفهم لاحتياجات الناس والاهتمام بمصالحهم وسعادتهم، عليه أن يكون متواضعًا ويُعامل أفراد شعبه بلطف وأن يحفّز الناس على اتباع القانون من خلال تعليمهم "الفضيلة".

إن الطيبة والأخلاق والسعادة صفات من داخل النفس الإنسانية هكذا وصف "كونفوشيوس" الذات فهي مصدر الطيبة والسعادة وبنيتها الأساسية، الأمر الذي جعل من الكونفوشية نزعة إنسانية أكثر من كونها نزعة طبيعية.

إن ما يسعى إليه الإنسان السامي يكمن في ذاتهِ هو، أما الدنيء فيسعى لما لدى الآخرين، فاللسعادة وفق "كونفوشيوس" رافدان أساسيان أزليان: البساطة والطيبة .

"كيف لنا أن نعرف عن الموت وما زلنا لا نعرف عن الحياة الكثير" هكذا اتسم منهجه بالتواضع في كل شئ قولًا وفعلًا فرسم طريق الرجل الأعلى ليكون مثاليًا إلى حده الأقصى.



أنشأ  "كونفوشيوس" مذهبه الإنساني على فكرة تكوين الرجل المثالي بحيث يصبح معيارًا للصلاح في كل شئ، فهو ذلك الرجل الذي ينشد الكمال ويبغي الحقيقة ولا يخشى أن يعيش فقيرًا.

ويرى "كونفوشيوس" أن منبت "الرجل الأعلى" هو الأساس في تكوينه نفسيًا وعقليًا وجسديًا ليصبح الفرد المنظم في الأسرة المنظمة هو اللبنة الأساسية لمجتمع صالح.

وعلى الرجل الأعلى أن يتحلى بالذكاء والشجاعة وحب الخير ويطبق كل هذه التعاليم في معاملاته مع الغير فالرجل الأعلى" يعمل قبل أن يتكلم ثم يتكلم بعدئذ وفق ما عمل".

نظر "كنفوشيوس" إلى الأخلاق على أنها الأساس الذي يجب على كل مجتمع أن يقوم عليه ، ونظر إليها  على أنها المبحث الحقيقي للمعرفة الحقة.

هكذا اهتم معلمنا بالأخلاق ونادى بمحبة الحب لذاته، وحب الناس دون انتظار مقابل بل ليكون الحب غاية في حد ذاته.

فكانت المعرفة الفطرية المبنية على الانسجام بين الإنسان والوجود هي المعرفة الحقة  عنده وهي تلك التي فطر عليها الإنسان، وقد تكتسب بالتعلم عند البعض من أولئك الذين وجب عليهم السعي لتعديل وضعهم إذا جاء منافيًا للفطرة،  فمعرفة النفس أسمى المعارف وتهذيبها أسمى الغايات "فبدلًا من أن تلعَنَ الظلام، أوقد شمعة".






اضف تعليق