أوروبا وإيران تقومان بلعبة خطرة .. تهدد النظام المالي العالمي


٢٩ سبتمبر ٢٠١٨ - ١١:٤٠ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية

تسعى القوى المتبقية ضمن الاتفاق النووي الدولي مع إيران إلى مواصلة العمل على خلق آلية خاصة للحفاظ على التجارة مع إيران بما في ذلك في مجال النفط بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق الذي أبرم عام 2015.

كيان جديد

وتسعى القوى الأوروبية إلى خلق كيان أوروبي خاص لضمان استمرار التجارة مع إيران. هذا الكيان الذي أعلن عنه الاثنين الماضي يثير غضب الأميركيين، ولا قناعة للأوروبيين أنفسهم بنجاعته الكاملة، فضلاً عن النظرة غير المطمئنة، بل ربما "الخائفة"، التي تلقيها طهران على كل ذلك.

وصرح وزير الخارجية الروسي، بأن بلاده تتعاون مع أوروبا لإيجاد آلية مالية لمواجهة العقوبات الأميركية على إيران

وسوف يعمل هذا الكيان الخاص بشكل أساسي كشركة محاسبة، والتي تتعقب الائتمانات الخاصة بالواردات والصادرات من دون تدخل المصارف التجارية أو المركزية الأوروبية. وعلى سبيل المثال، يمكن أن تقوم إيران بشحن النفط الخام إلى شركة فرنسية، وهو ما يؤدي إلى مراكمة رصيد يمكن استخدامه بعد ذلك للدفع لمُصنِّع إيطالي ثمن سلع بتم شحنها بالطريق المعاكس -من دون مرور أي أموال عبر أيدي الإيرانيين. وباستخدام الأرصدة بدلاً من النقود، لن تضطر الهيئة ذات الأغراض الخاصة إلى تحويل أي أموال إلى خارج الاتحاد الأوروبي. ويعتقد أنصار الاقتراح أن الهيئة ذات الأغراض الخاصة يمكن أن تبقي مثل هذه الأموال في مأمن من وصول العقوبات الأميركية.

ويشير المراقبون، إلى أن هناك غموضا يلف الصيغة حتى الآن، ولا موعد محدد بعدُ لانطلاق تلك الآلية.

ويقول الاتحاد الأوروبي: إن الصيغة لتسهيل تجارة "شرعية"، وقد يمر التطبيق التمويلي عبر البنوك المركزية الأوروبية أو من خلال غرفة مقاصة خاصة، لكن كل ذلك غير واضح المعالم النهائية بعد، علما بأن الصيغة مفتوحة لتنضم إليها دولا أخرى غير أوروبية مثل الصين.

وهناك، من يرى في الإعلان الأوروبي هدفاً سياسياً من دون اكتراث كبير بنجاح الصيغة اقتصادياً. فالأوروبيون يرغبون بمنح الرئيس حسن روحاني ورقة بيده يواجه بها معارضيه في الداخل، لا سيما أولئك الداعين للخروج من الاتفاق النووي لاستئناف التخصيب. ويريدون أيضاً البعث برسالة ما إلى الأمريكيين يحفظون بها ماء الوجه السيادي، ليقولوا إنهم غير تابعين بالمطلق للسياسات الأمريكية.

وقد أكد وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف أن سبعة بنوك مركزية أوروبية اتفقت على إنشاء آلية مالية خاصة للتبادل التجاري مع إيران، وتحويلها إلى مؤسسة مستقبلا.

وتابع، إن هذه الآلیة التي ذكرتها مسؤولة السیاسة الخارجیة للاتحاد الأوروبی موغريني في بيانها هو أن هذه الآلية لیست مقتصرة على أوروبا فحسب، وإنما يمكن أيضا لسائر الدول والشركات التي تتعامل مع إیران مالیا، من إیداع مبالغ بهذا الحساب، وكذلك خصم نفقات الصادرات من هذا الحساب أیضا.

وأوضح ظريف أن هذه الآلیة مفیدة لحفظ وصون المؤسسات المالیة التي تتعامل غالبا بالدولار، والتي قد تتعرض للحظر الأمريكي حتى في حال التعامل بالیورو مع إیران.

ولفت إلى أن التعامل سیجري بالیورو فقط، ولا صلة له بأسواق الدولار وأمريكا، و"بحسب اعتقادي فإنه یشكل آلیة جیدة لإحباط أحد إجراءات الحظر المفروضة من قبل أمريكا في المجال المصرفي".

الخروج من عباءة الدولار

في المقابل، هناك من يتحمس لهذه الصيغة في بروكسل ويعول عليها للمدى الطويل بحيث يمكن، إذا نجحت الآلية المقترحة، الخروج من عباءة الدولار في تجارة الأوروبيين مع العالم. ويريدون نسخ محاولات التجارب الصينية في هذا المجال، لأن مناخ التجارة الدولية بات محكوماً بحمائية شديدة أرادتها الولايات المتحدة ويرفضها الأوروبيون والصينيون والروس.

فإذا نجح تطبيق الصيغة ينتعش اليورو كما اليوان والروبل برأي البعض... لكن هذا الهدف للمدى الطويل وليس القصير "ودونه عقبات لا عد لها ولا حصر". علما بأن في واشنطن أيضاً بعض القلقين من تفاقم البحث عن بدائل للدولار في التجارة الدولية، بعد أن عبرت عن ذلك دول مثل الصين وروسيا إلى جانب طهران وتركيا ودول أخرى.

وذكرت المصادر المتابعة أن هناك مجموعة ضغط في بروكسل تحاول إنجاح الصيغة، وهذه المجموعة تمثل مصالح شركات صغيرة ومتوسطة راغبة في اقتناص فرصة خروج الشركات الكبيرة من إيران لعلها تجد منافذ لتتوسع في تجارتها مع طهران. فالشركات الكبيرة تنسحب الواحدة تلو الأخرى. ويرجح، على نطاق واسع، ألا تبقى أي واحدة منها على الأراضي الإيرانية بعد 4 نوفمبر، لأنها تفضل الحفاظ على مكاسبها الدولية من دون أي تفريط، لأنها الأدرى بما ينتظرها من عقوبات أميركية قاسية وبغرامات مليارية إذا غامرت واستمرت في التعامل مع طهران.

إلى ذلك، هناك من يعول في أوروبا على عدم شمول الغذاء والدواء في قوائم العقوبات. فمزارعو القمح في ألمانيا ومصنعو المنتجات الطبية في فرنسا -على سبيل المثال لا الحصر- يرغبون بقوة في عدم فقدان السوق الإيرانية وتركها للمنافس الصيني أو الروسي.

عملية صعبة

بينما قد ترى بريطانيا وفرنسا وألمانيا ميزة في الحفاظ على خطة العمل الشاملة المشتركة من خلال الهيئة ذات الأغراض الخاصة، يرى تقرير نشره المجلس الأطلسي، أن مثل هذه الآلية تتعارض مباشرة مع مصالح سياسة الاتحاد الأوروبي الأوسع لضمان فعالية العقوبات الاقتصادية التي تفرضها الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي. ويبدو وضع آلية حماية بهدف إمكانية التغلب على العقوبات الأميركية مسعى قصير النظر، لسببين:

أولاً، من غير المرجح أن تثبت الهيئة الخاصة كونها بديلاً قابلاً للتطبيق عن النظام المالي العالمي، ولا وسيلة فعالة لحماية الشركات الأوروربية من العقوبات الأمريكية؛ حيث يرجح أن تعتبر حكومة الولايات المتحدة هذه التحويلات والمعاملات محظورة، مما يجعل الهيئة ذات الأغراض الخاصة غير ذات صلة.

ثانياً، تقوض هذه الهيئة الخاصة مباشرة قدرة الاتحاد الأوروبي على فرض أكثر من ثلاثين برنامج للعقوبات لديه في الوقت الحالي، بالإضافة إلى برامج العقوبات المستقبلية.


وفي أغسطس/ آب، قام الاتحاد الأوروبي بتعديل "قانون الحصانة" الصادر في العام 1996، والذي يهدف إلى حماية شركات الاتحاد الأوروبي "ضد آثار تطبيق التشريعات خارج نطاق الدولة، والتي يعتمدها بلد ثالث، وأي إجراءات تستند إليها أو تنتج عنها".

ويسمح هذا النظام الأساسي للشركات الأوروبية بالسعي إلى طلب تعويض عن الأضرار الناجمة عن العقوبات الأميركية، كما يسمح أيضاً بفرض غرامات محتملة ضد الشركات الأوروبية التي تتوافق مع العقوبات الأميركية من دون الحصول على موافقة المفوضية الأوروبية. وكان الغرض الأساسي من قانون الحصانة هو تخفيف أثر العقوبات الأميركية على كوبا وليبيا. وفي أعقاب اتفاق العام 1998 بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، انخفضت الحاجة إلى هذا القانون بشكل كبير، ليظل في طور السبات منذ ذلك الحين.

مع ذلك، لن يتمكن قانون الحصانة المعدل من حماية شركات الاتحاد الأوروبي التي تتعامل مع إيران من العقوبات الأميركية بشكل فعال. وسوف تبقى هذه الشركات بحاجة إلى ومن فوائد مواصلة العمل مع إيران في مقابل العقوبات المحتملة من الولايات المتحدة. وتسعى الهيئة ذات الأغراض الخاصة إلى تغيير هذه الحسابات، بمساعدة شركات الاتحاد الأوروبي المنخرطة في الأعمال التجارية مع إيران على الابتعاد أكثر عن مدى وصول العقوبات الأميركية، وبذلك دعم شركات دول الاتحاد الأوروربي وتعزيز خطة العمل الشاملة المشتركة بالنسبة لبقية الموقعين، وخاصة دول الاتحاد الأوروبي.

مخاطرة

وباقتراح الدول الأوروبية للالتفاف على العقوبات الأميركية، ربما لا تعمل الخطة بالطريقة المنشودة، ويمكن أن تقود إلى تصعيد المواجهة مع الولايات المتحدة. وعلى الرغم من أن الهيئة ذات الأغراض الخاصة تسعى إلى إزالة النظام المالي العالمي من المعادلة، فإن نظامها الخاص للمقايضة سوف يعني أيضاً أن شركات الاتحاد الأوروبي ستكون متداخلة فعلياً مع نظيراتها الإيرانية. ويخلق ذلك مخاطر متزايدة على الشركات الأوروبية التي ربما تفكر في الاستفادة من مثل هذا النظام، ويحد من خياراتها.

بالإضافة إلى ذلك، وعلى غرار قانون الحصانة، من المرجح أن تعطي الهيئة ذات الأغراض الخاصة للشركات الأوروبية إحساساً زائفاً بالأمن، وبأنها يمكن أن تواصل الانخراط في التجارة مع إيران من دون خوف من العقوبات الأمريكية. وتجعل الجوانب الخارجية من عناصر العقوبات الأميركية على إيران هذا التصور زائفاً. وبالنظر إلى المخاطر والمحددات، فإن غالبية الشركات الأوروبية الكبيرة لن تستخدم هيئة الأغراض الخاصة على الأغلب. وقد قامت عشر شركات أوروبية رئيسية على الأقل، بما فيها تلك التي تعمل في صناعة الطاقة، بتقييم مخاطر الاتجار مع إيران، ووجدت أنها ترجح كثيراً على المنافع التجارية. ومن المرجح أن تحذو المزيد من الشركات حذوها.

تشكل محاولة خلق آليات للالتفاف على العقوبات الأمريكية سابقة خطيرة. وعادة ما تكون عقوبات الأمم المتحدة، والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي فعالة إلى حد كبير بسبب امتثال النظام المالي العالمي. ومن دون ذلك الامتثال، فإن أثر العقوبات سوف يتضاءل بحيث لا يرقى إلى ما هو أكثر من مجرد التسمية والفضح. وفي حال نجح عمل الهيئة ذات الأغراض الخاصة الأوروبية، يغلب أن تحذو حذوها روسيا والصين والدول الأخرى ذات المصلحة الاستراتيجية في إفشال العقوبات الأمريكية. وفي حقيقة الأمر، هناك مسبقاً مثل هذه الجهود التي تُبذل فعلياً، ولو أنها غير ناجحة إلى حد كبير حتى الآن.

من الواضح أن الاتحاد الأوروبي غير متفق مع قرار أمريكا الانسحاب من خطة العمل الشاملة المشتركة. كما أن الإحباط الأوروبي من بعض جوانب عمل إدارة ترامب واضح أيضاً. لكن اتخاذ خطوات لتقويض تكامل أداة قيِّمة -العقوبات الاقتصادية- وهو ما يمكن أن تفعله الهيئة ذات الأغراض الخاصة، ربما يهدد بتحويل خلاف قوي حول قضية واحدة (إيران) إلى افتراق استراتيجي كامل. وفي هذا السياق، يكون قيام الاتحاد الأوروبي بإنشاء الهيئة ذات الأغراض الخاصة أو أي آليات مشابهة تهدف إلى تفادي العقوبات، عملاً غير حكيم وقصير النظر. كما أن من غير المرجح أن يكون فعالاً حقاً.

سوف يؤدي خلق أداة لتفادي العقوبات إلى تقويض إنفاذ العقوبات الخاصة بالاتحاد الأوروبي نفسه، عن طريق خلق وسائل التفاف محلية، والتي يمكن تطبيقها على أي برنامج آخر للعقوبات، الآن وفي المستقبل. ومن المؤكد أن التداعيات السلبية الأوسع لتأييد مثل هذه الآلية ستفوق فوائد التجارة الإضافية التي يمكن تسهيل إجرائها. أما إذا كانت الهيئة ذات الأغراض الخاصة ستثبت كونها قابلة للتطبيق، فإن هذا الجهد لتفادي العقوبات الأميركي من جانب حلفاء الولايات المتحدة سوف يؤدي إلى المزيد من مفاقمة التوترات في التحالف عبر الأطلسي، ويهدد بتقويض فعالية العقوبات الاقتصادية، وخاصة في الاتحاد الأوروبي نفسه.



اضف تعليق